الوجه الأصفر في فيسبوك ـ قصة

الوجه الأصفر في فيسبوك

قصة: علياء الداية

جلستُ إلى صفحة فيس بوك، أبحث عمّا يفسّر الأمر الذي يشغل بالي. فأنا أشعر أنني أصبحت إنساناً محظوظاً فجأة، ليس مجرد محظوظ وإنما "سوبر محظوظ". نزل عليه الحظ من السماء. في الواقع، إنّ حياتي جيّدة: شاب ناجح في وظيفتي وإن كانت ضمن القطاع الخاص، لأنني أنتظر التوظيف الحكومي منذ عشر سنوات. أما الغرفة ونصف التي أستأجرها في هذه المدينة، فهي ذات إيجار مناسب، وتقع في شارع عام أستقلّ منه أيّ حافلة توصلني إلى الشركة مقرّ عملي وسط المدينة. وتصل الحافلة أيضاً إلى مركز انطلاق حافلات أو كما أسميها أنا: شاحنات الناس والبضائع، إلى قريتي.
تتلخّص قصّتي مع الحظ في أنني صحوت كعادتي ذات يوم وسُعدت برؤية قوس قزح الذي أحبّه عقب مطر ربيعي خفيف. اعتبرته فأل خير لأنني لم أره منذ عام كامل. وجدت بسرعة مكاناً في الحافلة؛ مكاني المفضّل بجانب النافذة قريباً من باب النزول. مرّ زمن طويل لم أحظ فيه بهذا المقعد، فكلّ مرة أجده مشغولاً بأحد الركاب. اعتبرت الأمر مصادفة جميلة بعد أن نسيت قوس قزح تماماً. واستمر يومي طبيعياً بلا أي منغصات. كان الجيد هذا الأسبوع أن زميلي المزعج في العمل، والذي أجد ظله ثقيلاً علاوة على تدخّله في شؤوني الخاصة بأسلوب سمج، قد أخذ إجازة يومين، وهكذا حظيت ببعض السكينة.

ما حصل لاحقاً كان يصبّ في خانة الحظ الجيد، لم تتكرر رؤيتي لقوس قزح لأن الطقس أصبح قريباً من الصيفي الحار، ولكنني كنت أجد مقعدي المفضل جاهزاً في الحافلة. عاد زميلي السمج من إجازته لكنني لم أعره كبير اهتمام. استدعاني المدير إلى مكتبه، خشيت أن يكون الأمر متعلقاً بإحدى الهفوات التي تحصل بين حين وحين، وقد لا يفلح التستر عليها دائماً. ولكنه فاجأني بقرار ترقيتي رئيساً للقسم الذي أعمل فيه. انتابني ذلك اليوم إحساس النشوة؛ كنت أجلس فوق غيمة أشبه بوسادة قطنية كبيرة محلقة في السماء، غير أن إحساسي بالغيوم تواصل فكنت أشعر أنني محاط بغيمة ضبابية تحملني على أكف الراحة وتقيني المساوئ، فالحظ معي أينما اتجهت.
سارت الأمور على خير ما يرام، ربحت هاتفاً جوالاً مع خط هدية مع إحدى السلع من مركز تجاري مفتتح حديثاً، قامت البلدية بتسوية الشارع الفرعي وتزفيته، وإنارته ليلاً، فكف عن كونه متكأ للمتسكعين، وارتحنا من إزعاجاتهم المتكررة المقلقة.
وابتسم لي الحظ من جديد عندما اتصل بي صديقي يعلمني بأنه حقق أرباحاً في المبلغ الذي يستثمره في التجارة. كنت قد شاركته بمبلغ لا بأس به من المال، طمعاً في أرباح ينالها مشروعنا المشترك الذي يديره هو، ولكن في الآونة الأخيرة ومع اختفاء صديقي هذا أخذ ينتابني الشك في أن النقود طارت، إلى أن جاء اتصاله وأبلغني بلقائنا الوشيك.

كان لا بدّ مع نهاية الأسبوع من جلسة لعب الورق المعهودة مع الأصحاب، من الجيد أن اللقاء في منزل فارس، لم أعرف ماذا كان يمكن أن أفعل لو أن اللقاء عندي أنا. واصل الحظ ابتسامه لي، أخذت أربح الورقة تلو الأخرى، مع أنني لست بارعاً في اللعب، خاصة بوجود صديقنا باسم الضليع والحاذق في اللعب: يحفظ كل الأوراق التي سبق طرحها في الساحة، وما واصلَ منها التداول وما خرج، ويقدّر وفقاً لذلك ما تبقى عند كل اللاعبين. خسارة أنك لا تعمل معنا في الشركة! هذا ما كنت أقوله له دائماً.
هذه المرة كانت أوراقي رابحة، في الدور الأول، والثاني. حاولت التملص من حظي وتساهلت لأجعل أوراقي مكشوفة، وتقصّدت أن أتداول أوراقاً غير مناسبة، ولكن اللعبة كانت تدور لتكون النهاية في صالحي، شعرت أن الحظ ورقة "جوكر" تسد الفراغ. اقترب الجوكر يمد يده مصافحاً، فصحوت من خيالي، هربت وغادرت الجلسة في منتصف اللعبة معتذراً بأول عذر خطر في بالي.
"أهذا وقت المغادرة؟ أنت في أوج انتصاراتك!"
خرجتُ ممازحاً: سأكمل الجولة في المرة القادمة.
خيال الجوكر بملابسه الحمراء البيضاء المضحكة يتراءى لي في ظلام الليل مع الإنارة الشحيحة في الشوارع المؤدية إلى البيت. كان يبدو لي بقدم حافية والأخرى تنتعل جزمة بالية تتدلى منها الخيوط، يؤدي حركات بهلوانية ويشير إلى السماء وهو يتقلب بحركات قافزة. كنت قد أصبحت في وسط الشارع عندما شعرتُ بشيء مرّ سريعاً من ورائي تبعه نفير بوق سيارة وشتيمة: "..... ألا تنظر أمامك يا.....؟"
لم تدهسني السيارة إذاً! حظ جيد.
كان الجوكر قد اختفى فصحوت من جديد. قررت هذه المرة التمرد على الحظ الملتصق بي، وليكن ما يكون، لن ألفت انتباه أحد، سيبدو الأمر طبيعياً، سأتظاهر بأنني تعثرت وسط الطريق، وبسبب الظلام لن تراني السيارات، وقبيل أن يحدث الاصطدام سأتدارك نفسي وأنجو...
لم تنجح الخطة، عندما اصطنعت التعثر، تعثرت بالفعل وعلقت قدمي في طرف مسنن لغطاء مجرور، كان حذائي قد علق والسيارة القادمة لا توحي بأنها رأتني، وفي اللحظة التي خلعت فيها الحذاء للركض والنفاد بجلدي، كانت صفارة الشرطي قد أوقفت السيارة قبل مترين اثنين. تورّطتُ في مناوشة مع الشرطي وصاحب السيارة وبعض الفضوليين المتجمهرين في المكان، وانصرفتُ بعد أن أكد لي الشرطي بأنني "رجل محظوظ"!

يساورني اعتقاد دائم بأن الحياة هي سلسلة من المصادفات، التي تقود إلى مفارقات، منها الجيد ومنها السيئ. قضيت ما تبقى من طريقي إلى البيت وأنا مع هذه الأفكار، وخلصت إلى اعتقاد آخر بأن من غير الطبيعي أن تكون كل المصادفات جيدة كما يحصل معي. أن تَطلُب الحظ فهذا أمر مألوف، أما أن يسعى هو إليك رغماً عنك... هل يعني هذا أن هنالك من يدفع الثمن على الطرف الآخر من المعادلة؟ أي أن ثمة شخصاً آخر معاكساً يحصل معه النقيض، مبتلى بسوء الحظ.
سمعت عن فرضيات تقول بأن ثمة كواكب أخرى بعيدة مجهولة، من المحتمل أن عليها أناساً مثلنا يشبهوننا إلى درجة التطابق، فهناك شلة أصحاب شبيهة بنا وبأسمائنا، أنا وفارس وباسم... ويوجد مدينة كهذه مع حافلات وشركات وبلدية وشارع مهجور.
ولكن لم أسمع شيئاً عن النقيض على الكوكب نفسه في مسألة الحظ.
شغلتني هذه الفكرة بما يكفي، فأصبح هاجسي هو البحث عن نقيضي ذي الحظ العاثر، فقد بدت لي هذه الفرضية مقبولة. أخذت أحصي مَن حولي من الناس. كيف لي أن أجده بينهم؟ هذا إن كان موجوداً أصلاً، وأنا لا أكاد أتبادل التحيات العابرة مع جيراني. ما احتمالات وجوده في قريتي مثلاً؟ أأفتش عنه هناك؟
مضيت إلى غوغل، محرك البحث الشهير، وفتشت عن كثير من المنتديات والمواقع ولكن لم أعثر على شيء مفيد. ظهرت بعض النتائج المشجعة المرتبطة بموقع "فيس بوك" الرائج.
بحثت أولاً في المنتديات العامة والمدونات الشخصية، ولكن لم أعثر على أكثر من مقالات وخواطر يكون الحظ فيها مجرد كلمة عابرة أو مكوِّناً لجملة مختلفة المقاصد. ثم قصدت موقع فيس بوك. كتاب الوجوه، خطرت في بالي الترجمة الفورية له. اسم مناسب فعلاً، أغلب ما تراه هو واجهات ووجوه، منها المبتسم ومنها الحيادي وأشكال نباتات وما إلى ذلك من صور ملتصقة مرفقة بزوايا الموقع. أدخلت الكلمات في فراغ البحث، وتقاذفتني الصفحات؛ صفحات شخصية، وأخرى جماعية تلتف حول شخصية عامة أو مطرب شعبي أو نخبوي وأشياء مثل عشاق الطبخ والمفروشات وكارهي المسابقات التلفزيونية... حسبت أنني لن أوفق في العثور على شيء. كلمة الحظ تدخل في مجالات كثيرة. بعضهم يستهدف مطرباً شهيراً بتدوين ملحوظات تقول: إنّ "حظه" جيد لأن شركة غنائية كبيرة تتبناه وأنه من دونها لا شيء لا صوت ولا صورة ولا....، صفحة أخرى تقول إن من حظ البشرية نبوغ عبقرية المخترع "نيوتن" ولولاه لكنا الآن كسكان الكهوف... صفحة ثالثة وجدتُ فيها أقوالاً مأثورة عن عدم الاستكانة إلى خرافة الحظ. أهو خرافة حقاً؟!

كدت أيأس لولا وجه أصفر حزين تحته عبارة "حظي يتخلى عني! الحظ السيئ يلاحقني". أيكون هذا نقيضي الذي أبحث عنه؟
كان اشتراكي في خط الإنترنت قد تجاوز عدد الوحدات المدفوعة، وأصبحت كل دقيقة محسوبة بسعر أعلى، ولكنني واصلت التصفح بشعور من عثر على كنز.
قضيت يوم العطلة وأنا أقرأ ما دوّنه الوجه الحزين الأصفر، وما يدوّنه المتعاطفون معه أسفل كل فقرة يكتبها. كان عجيباً إلى حدّ فائق. تاريخ معاناته يطابق تماماً اليوم الذي شاهدتُ فيه قوس قزح، ولكن المسكين بدلاً من أن يشاهده عانى من اختراق حجر لزجاج نافذته، فملأت الشظايا أرض الحجرة. مقابل كلِّ حدثٍ جيد يحصل معي، كان ثمة نقيض غريب يحيط به. "هناك من يسبقني دائماً للجلوس في مقعدي المفضل"، "المصباح يتعطل في شارعنا الفرعي"، "المتسكعون يخيفون أطفالي في الليل"، "شريكي يهرب بالمال إلى الخارج"، "فُصلت من وظيفتي بسبب وشاية"، "أنا أفضل لاعب ورق يتخلى الحظ عني"، "رضّ في قدمي بسبب سيارة هائجة"!
كنت حتى تلك اللحظة راغباً في عدم تصديق كل هذه المصادفات، لذلك بقيت على تواصل مع هذه الصفحة وإضافاتها طول الأسبوع التالي.
ربحتُ أنا بطاقة سفر لشخصين هبطت عليّ من اشتراك قديم منسي في إحدى القسائم، في حين غُرّم الوجه الأصفر الحزين بمخالفة سير رغم أنه لا يمتلك سيارة، وذلك لتشابه اسمه مع اسم آخر. نُشلت محفظتي في أحد الأسواق المزدحمة، ولكنها أعيدت إلي في اليوم نفسه. أما هو فقد سُرق هاتفه الجوال الثمين الجديد، ولم يعثر عليه.

شعرت بتعاطف كبير معه، ولكن سأزيده صدمةً لو علم أنني مغناطيس يجذب الحظ منه إليّ! أو أنني القطب الموجب وهو السالب! لعلّه لن يلقي إليّ بالاً أو يظنني من المعتوهين. قررت أن أخصص يوم الجمعة القادم لمحاولة مواساته، سأدون تعليقاتي أسفل فقرته في الصفحة الإلكترونية، ولعلنا نتعاون لإعادة الأمور إلى نصابها والبحث عن حلّ منطقي.
ولكن ما حدث أعاقني كلياً عن هذا المشروع، أو بالأحرى أعاقه هو.
ركبت سيارة أجرة لأصل بسرعة إلى البيت، إنه الخميس ولا بد من إنجاز بعض الأمور قبيل سهرة الأصحاب التي ستكون مميزة في مزرعة يملكها قريب لباسم.
قرر السائق اختصار الزحام وانعطف إلى المحلَّق المحيط بالمدينة! "هكذا نخرج من الزحمة، وندخل قبل شارعين من بيتك". أجبته بغضب: "هذا الطريق أطول بمرتين".
"لا يعجبك؟ انزل فوراً"، قال السائق وقد ضغط على المكابح فحرنت السيارة فوراً في مكانها. "يا لك من...." لم أكمل جملتي إلا ونفير عالٍ من ذاك الذي تطلقه الشاحنات يدوي في المكان، ثمّ تخبّط رأسي بالسقف وضغطت قوة هائلة على كتفيّ وكان أنفي يرعف. ثم سكن كل شيء.
نجوت بأعجوبة ومات السائق، وبعد ثلاثة أيام في المشفى، ومع عودتي إلى البيت، كانت صفحة زميلي ذي الوجه الأصفر الحزين في فيس بوك جامدة متوقفة عند صباح الخميس، دون خبر أو إضافات، أو تنويه بإغلاق الصفحة، وحدها كانت تعليقات الآخرين تطرح أسئلة جوفاء عن مصيره وسبب انقطاعه دون أي جدوى.

نشرت هذه القصة في مجلة البيان ـ تصدر عن رابطة الأدباء في الكويت ـ عدد تشرين الثاني / نوفمبر 2012
6 likes ·   •  2 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 02, 2013 11:51 Tags: فيسبوك-حظ-جوكر
Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by زاهي (new)

زاهي رستم لو بحث بطل القصة في مدونتي لكان وجد ما يلي:
بادئ ذي بدء: من حسن حظي أنني لا أؤمن بالحظ
ووصف علي حظه فقال:
إن حظي كدقيق قمح فوق شوك نثروه
وقالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
صعب اللم عليهم فقلت أتركوه
من أتعسه الله كيف انتم تسعدوه

وبالمناسبة بسبب قلة معرفتنا لما سوف يجري لنا عند تحديد خياراتنا، يعتبر الحظ شيئاً خلافياً
واسمحي لي يا سيدتي الكاتبة أن اخبرك قصة قصيرة لتدعيم الفكرة:
أصدقاؤنا، الهنود الحمر، والذين بتنا نشبههم كثيراً.. ولكن خيامنا أكبر قليلاً، وأكثر ثباتاً حيث لا يمكن نقلها حسب هوانا.. ربما لأننا قتلنا خيولنا.
المهم هؤلاء الهنود ينسبون كل شيء للحظ، ومرة وجد أحدهم كان بعيداً عن معسكر القبيلة، قطيعاً من الخيول، فقاد القطيع إلى المعسكر، وبات الجميع يتحدث عن مقدار الحظ الذي يمتلكه فقد أصبح ثرياً بسبب لقياه. في صباح اليوم التالي، كانت عادات القبيلة أن يقوم من وجد الخيول بترويض أشرس حصان من القطيع، قبل أن يتسنى لبقية القوم مساعدته في ترويض القطيع. وبحضور الزعماء، امتطى صاحبنا الحصان الحرون، ولكن الحصان كان من العناد والعند، أن ألقى بفارسه بعد أقل من دقيقة.. وتسبب السقوط بكسر في رجل فارسنا المحظوظ... وهنا بدء القوم بالحديث عن سوء حظ هذا الهندي، فلو لم يجد قطيع الخيول لما كان كسر قدمه.. في اليوم التالي، تعرضت القبيلة لهجوم غادر اقتضى من الرجال القتال لمدة نصف نهار.. سقطوا بين قتيل وجريح، وكان من بين القتلى زعماء القبيلة. فتم اختيار صاحبنا المكسور ليصبح زعيم القبيلة، حيث أنه لم يشارك بالقتال كونه كسير القدم. وتكلم جرحى القبيلة ونساؤها عن حظ هذا الرجل السعيد.. فلو لم يجد الخيول لما كسر قدمه وهذا سبب تخلفه عن القتال ومن ثم تولى القيادة. في اليوم التالي....

يلا حاج لهون.. وأرجو أن لا يكون تعليقي مزعجاً


مع الاحترام


Mohamed Kamal AL Barqy الحظ السئ وقليل جدا فى هذة الدنيا المحظوظين


back to top

علياء الداية's Blog

علياء الداية
علياء الداية isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow علياء الداية's blog with rss.