تفاحة ادم - قصة قصيرة

بأعين تتحرك لتحدق فى اللاشىء , اعين اعتادت رؤية مشهد واحد لا يتغير , تفقدت وضعى الحالى للمرة التى وصلت لاخر الاعداد ..كان وجهى طفولى لا يوحى بالشر , كان ..اما الان فغطاء سميك من الكأبة يجثم عليه , واطنان من الاوساخ غطت معالمه , اما عن بقية جسدى العارى فالحال واحد , اجلس على كرسى حديدى صلب ويداى وقدماى مقيدين به باغلال من حديد , والاسوء ان ذلك الكرسى وضع فى غرفة , بل قل مساحة من الارض تحوى الكرسى بالكاد وامامه باب حديدى به فتحة واحدة يدخل لى الطعام عبرها على قطعة من الصاج فى اطباق بلاستيكية , طبق من الطعام الردىء وطبق من الماء , ولان يداى مقيدتان كنت أكل كالحيوانات , بل اضل سبيلاً ..اما عن قضاء حاجتى فوضعى هذا لا يتغير الا مرة كل شهر تنظف فيها الزنزانة لمدة عشر دقائق فحسب , عشر دقائق ارقد فيها على الارض لان قدماى لا تقويان على حملى , ثم يعيدونى بعدها الى الكرسى اللعين ..اتظنون اننى لم احاول الانتحار مرة تلو الاخرى ؟ ولكن كيف السبيل الى الانتحار ؟ فالصوم عن الطعام والماء لم يجدى ولم يجلب على الا الصعق بالكهرباء كالحشرات ..لست الوحيد , اننا الاف هنا فى ذلك السجن الشاسع نعيش فى ذلك العصر الذى لا يعلم كيف بدء وكيف سينتهى سوى الخالق , الخالق الذى لم اعرفه يوماً ..اتظنون اننى لم اتضرع اليه ؟لقد بحثت فى كل الاديان , واقمت كل الشرائع ..اقمتها ناقصة بالطبع !فكيف ارسم الصليب بيدان مقيدتان ؟ وكيف اسجد برأس ثابتة لا تتحرك ؟حتى خيل لى اننى هنا بالجحيم جزاء مافعلت بعالم اخر ..كم طلبت منهم الموت ورفضوا ..لا , انهم لا يرفضون , انهم يتجاهلونى !يتجاهلون الجميع ولا يحدثون بعضهم البعض امامنا فنسيت حتى الحديث كيف يكون !كنت قد استيقظت للتو من اللانوم على اصوات عراك وصراخ , ثم علت تلك الاصوات ليختلط بها صوت انفجارات ووابل من الرصاص ..لاول مرة اسمع اصوات كهذه منذ وضعونى بهذا الجحيم ..صرخت ! صرخت انا ايضاً ككل سجين احس ان هناك نهاية ما قادمة , حتى نهاية كالموت ستكون كافية ومرضية تماماً ..صرخت لتستعيد احبالى الصوتية القدرة على العمل , ولم اتوقف حتى اندفعت تلك الدماء عبر فتحة الطعام لتغطى وجهى ..وفتحت الزنزانة بعدها !بالطبع لم ارى شىء فقد غطى النور وجهى وانا الى الظلام انتمى , ولكننى احسست بكل قيودى قد ازيلت , وعندها فقدت الوعى !

سيسجل التاريخ هذا العصر كأسوء عصر عاش فيه الانسان , فبالرغم من كل ما وصلنا اليه من تقدم الا ان خطأ واحد سيودى بك الى سجن واحد وعقاب واحد ..العزل الانفرادى الابدى بسجن تفاحة ادم !اسموه هكذا لانهم يقنعون انفسهم ويقنعوننا انهم جعلوا الارض جنة وهذا السجن هو جحيمها وكأبانا ادم بالكاد نمنع انفسنا عن الخطأ , بالكاد نختفى من اعينهم , بالكاد نتحايل على التهم الظالمة ..نعم لم تطأ قدماى سجن تفاحة ادم من قبل ولكن لى هناك صديق , بل اخ , بل ما هو اكثر , يمتلك وجه طفولى لا يوحى بالشر ابداً ولكنه هناك ..يرقد اسير ذلك المنفى منذ مررنا بتلك الحداثة التى غيرت كل شىء , حقيقة انا لا اذكر ما حدث فقد اصيبت رأسى وانمحت ذكرى الحادثة تماماً , فقط ذكرى الحادثة ذهبت وبقى كل شىء , ولم يغب صديقى عن بالى قط فهو بالتأكيد لم يقصد قتل ذلك الرجل بعربته ..سنين مرت ولم انساه حتى جاء ذلك اليوم وقامت ثورة ابناء ادم كما اسماها البعض واقتحمّت السجن مع بقية الناس وبحثت عنه فوجدته اخيراً وبعد ان اصبت رأس حارس زنزانته اخذت المفاتيح وحررته , كان فاقد الوعى حينها فحملته على اكتافى وسارعت به لنغادر ذلك الجحيم حتى افاق وهمس بأذنى : حامم !فرددت : ماذا ؟فظل يردد : محام , حمام .. اسحمت , استحم !كان صوته مبحوح بالكاد اسمعه فقلت فى تردد : نعم , ولكن ليس الانظل يصر على مطلبه فأخذته لاحد حمامات الحراس فانكب على احد الصنابير وفتحها وظل يغسل وجهه ويداه ..حقيقة كانت رائحته لا تطاق ..اسوء رائحة عرفتها بحياتى , شعور بالغثيان اصابنى منذ لحظة فتح الزنزانة ولم يفارقنى ابداً !ربت على كتفه فارتعش جسده , كان بالكاد يجبر قدميه على الوقوف ثم قلت : سأقضى حاجتى !وذهبت الى احد الحمامات بينما ظل هو بجوار الصنبور , وحين انتهيت سمعت صوت تحطيم وبعدها ساد الظلام , فتحت الباب ولم اكد اخرج حتى تلقيت ضربة قوية على رأسى فسقطت ارضاً وكان اخر ما رأيت شبح يد تمتد باداة ما لتسقط بها على رأسى وبعدها اختفى كل شىء ..

افقت فوجدت نفسى محمول على كتفى صديق , بل اخ , بل ماهو اكثر , فظللت اردد اننى اريد الذهاب للحمام ..ربما لا يدرك معظم الناس كم هى نعمة مباركة مياة الصنبور ,كنت اغسل وجهى ويداى بلا توقف ولكن رائحتى اللعينة لم تغادرنى قط , وتركنى صديقى ليقضى حاجته .. وحينها تذكرت !تذكرت الحادثة التى القت بى هنا كل هذا الوقت , تذكرت كل شىء لانى لم انسى يوماً , وحينها اختلعت صنبور المياة وقفزت محطماً به مصباح الحمام الوحيد , انا ارى افضل فى الظلام !وخرج صديقى ليجد يدى تسحق مؤخرة رأسه بالصنبور الحديدى ..ضربة فأخرى فقد وعيه ثم فقد روحه نفسها , كنت اضرب رأسه حتى تحطمت تماماً وغطت دمائه الارض واغرقت ملابسى , وبعدها جلست جواره وهمست : يا له من عقاب رحيم يا صديقى ! الموت , ما اجمل الموت , انظر اليك ! هادىء وتنعم بالراحةثم امسكت وجهه وباصبعين من يدى اليمنى امسكت شفتاه ورسمت عليها ابتسامة وهتفت : انظر ! انك تبتسم ايضاً !! تبتسم وتضحك كما كنت تفعل فى تلك الليلة المشؤومة , اكان لابد ان اترك لك عجلة القيادة ؟ لقد كنت منتشى يومها وشديد الالحاح , ثم تفقد ذاكرتك اللعينة بعدها ويرفض القاضى قصتى الحقيقية , يرفض حتى استجوابك واعلامك ان صديقك العزيز يتهمك ويريدك ان تحل محله , وهكذا تركتنى اواجه مصيرك !تحركت اصابعى لا ارادياً لتترك شفتا صديقى ليخترقا عينيه ويعبثان بمحجريهما وانا اكمل حديثى : الان ارقد بسلام وقد استرحت من اوجاع هذا العالم , والان الحق بك !وما ان هممت بغرس الصنبور الحديدى فى عنقى حتى سمعت اصوات اقدام تقترب منى ثم صدمنى ذلك التيار الكهربى وفقدت الوعى ..وحين افقت وجدتنى قد عدت لزنزانتى القديمة !
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 02, 2012 07:09
No comments have been added yet.


الوان الفوضى

إسلام عبد الرحمن
قصص عصريــة مُزجت ببعض الكتابات والدراسات فى مختلــف مواضيع الحيــاة لتصنع مزيجاً من الفوضى .. فوضــى مرتبــة
Follow إسلام عبد الرحمن's blog with rss.