مذكرات رئيس - الحلقة الخامسة

… حين اصبت في معركة الجمل, نقلت الى أحد الخيام لتلقي العلاج , هناك وجدت ظابطا من القوات المسلحة , تحدث معي و سألني عن اصابتي , لم تكن اصابة خطيرة لكنه بقى بـجانبي حتى انتهيت ثم سألني عن اسمي . ثم عرفني بـنفسه كان شابا في الثلاثينيات على ما يبدو بـشارب ثقيل و ذقن مدببة , عينان حادتان تنم عن مكر و دهاء . قال لي بـإنه فخور بشباب مصر وبانه يعلم جيدا بـإننا اكثر وطنية من هؤلاء الذين تولوا امور البلد و لازالوا يعيثون فيها فسادا . ثم تمنى لي الشفاء العاجل , اما أنا فعدت للثوار المشتبكين مرة اخرى . في المساء بعد أن هدأ القتال , أشعل بعض الثوار نار للتدفئة , كان ذلك الثاني من فبراير في صقيع الشتاء . رأيته مرة اخرى , اقترب مننا و جلس بـالقرب مني . كنت أنا و بعض الشباب , كان منهم حسين الشرقاوي
- هل كنت تعرف الشرقاوي منذ زمن ؟
- منذ ثلاثة اعوام . كان من مؤسسي حركة السادس من ابريل . و قد كانت تلك بداية معرفتنا سويا .
- ماذا عن لقائكم المسائي بـاللواء عمر سامي ؟
- كان عمر سامي وقتها ظابطا شابا , جلس معنا في حلقة سمر ثم سألنا عن رأينا في حلول للخروج من الازمة , وقال لنا بـإن الدستور الموجود لا يسمح بـحلول كثيرة في حالة خروج الرئيس , لكن الشرقاوي قال له في حينه بـإن الثورة لا تعترف بـذلك الدستور المهتريء و بـإننا كثوار نتطلع لدستور حقيقي يليق بـمصر . يومها طرح عمر سامي تساؤلا من يحقق طموحات المصريين ؟ البناني , الذي مورست ضده كل الوان التشويه , ام الاخوان و هم التيار الذي يهابه عدد لا بأس به من المصريين - لم يكن السلفيين قد دخلوا معترك السياسية في حينها - . من قادر على تحقيق تلك الطموحات , يومها اجابه الشرقاوي بـإن الشعب وحده قادر على ذلك , لم يبال لتلك الاجابة و قال بـإن الشعب لابد له من قائد و بـإن الثورة لا قائد لها , حينها اتجه نحوي بـانظاره و سألني عن رأيي , فقلت له بـإن الموضوع يحتاج الى قائد حقا , و بـإن الشعب لابد من خطوات عليه اتخاذها حتى يصل الى الديمقراطية لا عبر القفز , ربما قد يستغل البعض تلك الفترة ليتخفى في شاكلة العادل المستبد . و قد يصدقه الشعب , ثم لا يلبث عن يبدو على حقيقته سألني " و ما الضمانة بـان الحاكم قد ينفرد أو لا ينفرد ؟ "و أجبته وقتها بـانه لا شيء , فقط ضميره و تعلقه بهذا الوطن و نظرته لتلك البلاد من بعده . لا يوجد ضمانات ألا ذلك الشعب الذي خرج و لن يقبل ألا بـالحاكم العادل الآتي عبر الديمقراطية . لكن قبل الديمقراطية , هناك المزيد من تلك الخطوات التي يجب علينا أن لا ننساها , التعليم قضية أساسية في سبيل الديمقراطية . فديمقراطية في يد جهلاء . لن يحركها ألا العوز و الفقر . و بـإن الديمقراطية لابد من قوة و علم ليحميها لكي تبقى , الديمقراطية لا يمكن أن تعيش لمرة واحدة , الديمقراطية قائمة على التجربة , على إن تختار مرة تلو الاخرى , أن تجرب فلان لمرة فيفشل فتختار علان الذي ينجح لفترة ثم يفشل في الثانية فيتم الاستغناء عنه , الديمقراطية التي تمارس لمرة واحدة ما هي ألا ديكتاتورية مقنعة . يومها ظل عمر يتابعني بـاهتمام . سألني عن نفسي و عن انتماءاتي السياسية . و قال لي بـإن ما قلته حقيقي و بـانه أعجب تماما بـكلامي . و بإنه يود لو أن نجتمع مرة أخرى . مع قرب الفجر غادر حلقة السمر و اخبرني بانه يود لو نجتمع غدا
- و اجتمعتم في اليوم التالي ؟
- لا , تم نقله للضرورة لأداء الخدمة في منطقة حيوية أخرى . ألا اننا التقينا بعد ذلك بعد سنوات طوال .
- اها , دعنا نعود الى الثورة إذن .
- الاشتباكات استمرت مع استمرار الثورة ألا إننا كل يوم من بعد معركة الجمل كنا نكتسب المزيد من التأييد من الناس , حتى كان التاسع من فبراير , اعلن العمال عن اضرابهم و توجهت الجموع نحو مبنى الحكومة و قاموا بتعطيل الاجتماعات و قالوا بـإن على مبارك الرحيل
- و استسلم مبارك ؟
- لا , ظل يكابر , في اليوم التعالي خرج لنا متأخرا في ساعات الليل , كانت تلك واحدة من اكبر اخطائه . كانت وسائل الاعلام الرسمية تعلن عن خطاب له في السادسة مساء , ثم تجده يخرج علينا في الثانية عشر أو الواحدة صباحا . بـخطاب محبط يزيد من مؤيدي الثورة .خرج علينا للمرة الاخيرة يوم الخميس العاشر من فبراير . بخطاب مليء بـالاحباط و قال بـإنه طلب تعديل الدستور و بانه فوض صلاحياته لنائبه
- ألا إن الجموع لم تهدأ
أومأ بـرأسه موافقا وقال “ نهائيا . استمرت الجموع في غضبها , حتى اعلن في مساء الجمعة عن تنحي مبارك نهائيا عن الحكم و تسليم السلطة للمجلس العسكري
- كيف كان شعوركم وقتها ؟
- لا يمكنك أن تتصور كيف كنا , كيف بتنا ليلتنا نحلم بوطن لنا نبنيه من عرقنا . في المساء نزل الجميع للاحتفال , حتى صفاء التي كان من المفترض أن تكون خطيبتي منذ أيام , و رغم إنها لم تشارك في الثورة . ألا إنها احتفلت هي و ابيها و اخيها معي في الميدان , يومها رأيت فيها امل جديد نحو حياة افضل . في ذلك المساء كانت صفاء بـالنسبة لي هي سفر الخلاص بعد زوال الطاغوت . يومها قررت أن اترك العمل السياسي لفترة حتى اتمكن من بناء اسرتي الخاصة .
- و تركت العمل السياسي كما اردت ؟
- نعم , لعدة اشهر . ظللت متمسكا بـموقف المراقب من بعيد
- و ماذا عن زملائك من الثوار ؟
- الاغلبية اكملت عملها السياسي , تقريبا كنت الوحيد الذي ابتعد , ربما نشطت لدي وقتها جينات الخمول الموجودة و التي كان نشيطة من قبل اعتقال صلاح أخي . ربما اردت أن اعيش مع صفاء حياة طبيعية , ربما رأيت بـإن دوري بـازالة الظلم قد انتهى . كل ذلك ممكنا
- وبعد الحادي عشر من فبراير ؟
- الجميع , ثوار و غير ثوار أفاقوا على الحقيقة . لم يترك لنا مبارك وطنا . بل عش دبابير , كان اشبه بـعصا نخرتها السوس عن بكرة ابيها فأفنتها .في كل مكان كان هناك مبارك من حجم الصغير . بلد بلا امن , بلا مال , بلا قدرة على النهوض . حتى من كانوا من اتباعه تفرقوا لحين وتربصوا بـالثورة .
- و مع ذلك إنت لم تعد للعمل السياسي وقتها ؟
- لا , اثرت الصمت و المراقبة كما أخبرتك , في مارس لجأ المجلس العسكري الحاكم الى استفتاء لتعديل دستور 71
- و وفق على التعديلات
- اها , أنا اخترت رأي الدكتور البناني بـرفض التعديلات و طلب دستور جديد قبل الانتخابات النيابية , لكن الشعب اختار التعديلات . في الاستفتاء انقسم الصف الثوري , شباب الثورة اختاروا أن يقولوا لا , اما الاخوان فقد انحازوا لنعم . كان ذلك الانقسام اكثر ايلاما للثورة من الد اعدائها .
- ماذا عن السيدة صفاء ؟
- الخطبة تمت متأخرة عن الاتفاق بـشهرين كاملين أي في الرابع والعشرين من مارس . و تم الاتفاق على أن يكون الزواج بعد عام و نصف من الخطبة . كان ذلك كفيلا لي بـأن انشغل عن الحياة السياسية , صحيح انني التقيت الدكتور البناني بعد ذلك لمرة أو اثنان في ذلك الصيف . ألا انني استمررت في البقاء بعيدا عن السياسة
- حتى ؟
- حتى السبت التاسع عشر من نوفمبر , حين اشتعلت النيران مرة أخرى في محمد محمود .
1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on July 22, 2012 07:31
No comments have been added yet.