مذكرات رئيس - الحلقة الرابعة

في اليوم التالي عدت للفيلا في بلطيم البحر , اردت ان نتحدث عن ثورة يناير في يوم من بدايته . في صباح اليوم التالي كان بـانتظاري . دخلت الى الغرفة , كان ينظر من الشرفة متطلعا الى الحديقة . حين شعر بي ابتسم نحوي و دعاني للجلوس ثم قال لي “ من اين تحب أن نبدأ ؟ "
- من حيث انتهينا , انطلاق ثورة يناير .
- اها , حسنا . كان ذلك يوم الثلاثاء التالي لاتفاقي مع والد صفاء على الخطبة , خرجت يومها للتظاهرات التي دعت اليها عدة مواقع على الشبكة , لاول مرة اشعر بـإن الزخم الذي اكتسبته التظاهرات أصبح اكبر عن ذي مضى . في اليوم الاول قررنا أن نبيت ليلتنا في الميدان . في تلك الليلة اجتمع ما يقارب مئة ألف في ميدان التحرير , في الساعة الواحدة صباحا , حاول جنود الأمن أن يفرقونا بـالضرب تارة و بـالماء تارة أخرى , قبل اللجوء للقنابل المسيلة للدموع .
- و تفرقتم ؟
- نعم , تفرق جزء كبير من الموجودين و قرر البعض العودة في اليوم التالي . و فعلا عدنا , لكن بـعدد اقل , اجتمع علينا جنود الامن و فرقونا , البعض نال ضربا مبرحا . أنا يومها ضربت بما فيه كفاية حتى تورمت يداي اليسرى . عدم الاستقرار و القلق من التظاهرات و تورم يداي كان كفيلا بـالتأكيد بـتأجيل الخطبة . ابتسم لي مازحا ,أمي نظرت للامر على انه نحس . ألا انني طلبت من والد صفاء تأجيل الخطبة لعدة ايام . في الجمعة قررت النزول مجددا . و يومها لو لم افعل , للمت نفسي لوما شديدا .في يومها كان الغاضب عارما , كنت أحد المشاركين في التظاهرة المتواجدة على جسر قصر النيل , يومها نلت حظ من القنابل المسيلة للدموع ما يكفي لأعوام . حين حل العصر بدء اطلاق الرصاص الحي علينا . نجا من نجا و قتل منا ما قتل , ألا إنه بـحلول المغرب كان الغضب قد تصاعد للافاق , انسحبت الشرطة نهائيا , في ليلتها باتت مصر بـاكملها بـلا جهاز شرطة . مع ساعات الليل المتأخرة بدأت دبابات الجيش في التوافد , انتشرت القوات المسلحة في أرجاء القاهرة . سيطر الجيش وقتها على الاماكن الحيوية في مصر , في الثانية عشر مساءا خرج علينا مبارك . القى خطابا بائسا , كان مبارك متأخرا عن شعبه بـكل ما يمكن لك أن تتصور , كان بطيء البديهة غير قادر على التوقع , ربما كان سنه المتأخر في وقتها عاملا مساعدا لنا , لم يكن قادرا على التوقع . أو ربما كان قادرا و متبلدا . في يومها أعلن مبارك عن اقالته للحكومة , في ذلك المساء و بعد ذلك الغضب الذي امتلأت به شوارع مصر ,لم تعد رأس الحكومة وحدها كافية لاشباع مقاصل الثورة . يومها أدركت بـإننا فعلا على طريق الثورة . بعد أن القى مبارك خطابه لم تهدأ الهتافات ضده , في نفس الوقت كان حزبه يحترق في كل مكان . لم يكن الحزب وحده , بل كان النظام بـأكمله يتهاوي . بتنا ليلتها في التحرير , و في الصباح عزمت على العودة الى المنزل . نسيت أن اخبرك بـإن النظام وقتها قطع علينا شبكات الهواتف المحمولة و الشبكة العنكبوتية . حين عدت استقلبتني أمي بـلهفة و عيون متورمة من البكاء , أختي حسناء كانت تنتحب و ما أن رأتني حتى انزوت بين صدري و كأنها تشتكي , لم افهم سر ذلك البكاء في وقتها , حتى اقترب مني والدي و تأكد من سلامتي ثم قال لي بـإن خالد خطيب حسناء قتل بـالأمس في التظاهرات
- قتل في التظاهرات ؟
- نعم , قتل رميا بـالرصاص والخرطوش . حين وجدت جثته كانت مليئة بـاثار الطلقات في صدره و وجهه . تغيرت معالمه . يومها لم تحملني الارض . لساعات لم يدر بخلدي ألا وجه خالد , ذلك الوجه الممتليء بـالحياة و قد سحبت منه الروح . و تلطخت بدمائه الزكية . حينها أدركت بـإن علاقتي بـالنظام لم تعد علاقة الظالم والمظلوم . الناهب والمنهوب , بل هي علاقة دم و ارواح . علاقة بين قاتل و مذبوح . في مساء السبت عدت للتحرير , ممتلئ بـروح و عزيمة بـانني لن اعود ألا و قد حققت ما طالما حلم بـه خالد
- لم تكن علاقاتكما طويلة بحسب ما اتصور !
- لم تكن طويلة ولم تكن بـذلك العمق , ربما لقصر فترة الخطبة . ألا انني لم اتحمل أن افقد شخصا قريبا مني بـتلك الطريقة , رائحة الدم ليست هينة يا عزيزي . خرجت السبت من بيتنا و لم ابت على سريري ليلة قبل الحادي عشر من فبراير
- يوم سقط النظام ؟
- يوم تنحى مبارك عن الحكم .... كان ذلك شافيا لغليلي . ألا انني كنت في الميدان يوم القى مبارك خطابه الثاني و يوم معركة الجمل و يوم القى خطابه الثالث .
- هل تذكر معركة الجمل ؟
- بـالتأكيد , لم أنس أي يوم من أيام ثورة يناير . كان ذلك اليوم التالي لالقاء مبارك لخطابه الذي اعلن فيه عن عزمه عدم الترشح للرئاسة مرة أخرى , و بـإنه سيعمل على الاصلاح قبل انتهاء فترته الدستورية . , في الصباح التالي خرجت تظاهرات لاول مرة منذ انطلاق الثورة لتاييد مبارك . عند انتصاف النهار اقترب من التحرير بعض الاشخاص على حمار و بغال و هاجموا الميدان , و تصدينا لهم يومها بـكل ما اوتينا من قوة . فكان الاشتباك . اذكر إني يومها أصبت في رأسي . و لكن حتى تلك الاصابة لم تمنعني من البقاء في الميدان . مع مرور الوقت تدخل بعض ظباط الجيش .و منعوا الاشتباك . بل تدخل بعض الظباط لمداوة جراح الثوار يومها في المساء كان لي من الحظ أن اتعرف على الرائد عمر سامي
- اتقصد اللواء عمر سامي , قائد الانقلاب العسكري ؟
ابتسم لي ثم قال “ هو بـعينه, ألا انه كان في ذلك الوقت الرائد عمر سامي “ كان ذلك قبل اعوام , قبل أن يصبح لواءا في يوم من الايام …
1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 20, 2012 02:25
No comments have been added yet.