غابة مظلمة، ورؤية مظلمة
.نعم... غابة مظلمة ورؤية مظلمة
هذا ما خطر ببالي مع نهاية الصيف وعودة موسم المدارس.
أريد أن أقول:
اثنتا عشرة سنة ضمن مكان أساسي، المدرسة، مكان لا بد منه، وأنا أؤيده، لكن لدي بعض التحفظات. هنالك يتعلم المرء الكثير: المعادلات، جغرافيا العالم، تواريخ الحروب، تراكيب الجمل، الجدول الدوري.. وغيرها. ولا يتعلم ساعة واحدة عن نفسه مع أن هذا ممكن.
والمهم بعد هذه السنوات يقابل مصفوفة المجتمع.. ولكن هنا يبدأ التباين.. إنها ظواهر تظل تتكرر بين الأجيال بالذات في المناطق النامية.. قلق من الفقر.. خوف من المستقبل.. توتر من الأوضاع الراهنة... ضغوط نفسية.. مطالب أن يتسق مع المصفوفة الموجودة بغض النظر عن أحلامه وطموحاته.
بينما لا يكون المرء يعرف منابع هذه الانفعالات والقلق والمخاوف وكل ما يعتمل بداخله بالضرورة، وقد يحيلها لأسباب أخرى إحالة لاواعية أو واعية.. فمثلًا إن سألوه يخبرهم أنه يتألم لأنه يمر بفترة صعبة فقط.. مخفياً سبب شعوره بأن الأرض تتحرك تحته وهو واقف في مكانه.
نعم العالم يتحرك كان وما يزال وسيظل ما دامت هناك حضارات تتقاطع، وما دامت هنالك مصالح تتسق أو تتعارض بين الجماعات في هذا العالم، وبدخول عوامل تحفيزية مثل الانفتاح والعولمة السريعة التي لا تتوقف.
قرار في مكان بعيد باستبدال مصدر طاقة، أو أثر فراشة صغير من شأنه لاحقا أن يكبح قطاعاً كاملاً عن المسير، أو موجات كساد اقتصادي نتيجة أوضاع جيوسياسية أو استراتيجية أو أن المرء مولود في منطقة جغرافية يحقد عليها العالم لأسباب تاريخية قديمة أو أيديولوجية.. كل هذا جزئياً أو كلياً خاصة لو استمر يكفل أن يضع جيلاً كاملاً في حالة صدمة. لا تصله الأزمة بالضرورة كخبر اقتصادي، بل كثقل لا اسم واضح له.. يشعر كأنه موجود في مكان كل شيء فيه يضغط عليه دون أن يعرف من أين يأتي. وبما أنه لا يعرف، فهو لا يفسّره كأثر لتحوّل أكبر منه بكثير، بل كعيب فيه. فيتصرف بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: ينغمس أكثر فيما اعتاد عليه، ويتشبث بما يعرفه، لا لأنه يثق به، بل لأنه المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه إلى فهم شيء جديد.
بعضهم، وأقصد ضمن جيل الصدمة، بما أنه على قناعة أن العيب فيه، في ذاته، بالتالي ينغمس في قراءة كتب التنمية الذاتية التي حققت مبيعات لا داعي لذكرها الآن، أغلب المبيعات من قراء جيل الصدمة(انظروا الى مبيعات كتب التنمية الذاتية كيف تفاقمت في القرن الجديد مقارنة بما قبل).. أجيال الصدمة وهكذا أسميهم.. الأجيال التي ظهرت ما بعد الحداثة والعولمة الفائقة.. أجيال ما بعد جيل الطفرة وجيل إكس الذي ملأ عقول من كانوا حينها أطفالاً أو مراهقين بأحلام هي أصلاً شبه مستحيلة الحدوث على أرض الواقع كما كانت تحدث لأجيال الطفرة وجيل اكس.
فعززوا لهم أن العالم سهل، والوظائف متاحة كما كانت في زمنهم، وأن الرواتب عالية والحياة حلوة جداً، وأن أي أحد لم يتمكن من تحقيق ذلك فهو كسول أو فاشل.
وهنا قد يبرز اعتراض يبدو جميلاً في ظاهره: طيب، وهناك من حققوا نجاحات هائلة من أبناء جيل الألفية أو جيل زد، مما يعرّض كل ما تقوله للانهيار!.. لكن هذا الاعتراض يقوم على ما أسميه منطق التجربة الغامضة المحددة (وهو ما يُصَنَف فلسفيا وايضا نفسيا ضمن انحياز النجاة أو الندرة) حيث تُؤخذ حالات فردية محدّدة ويُصنع منها تعميم شامل.
لن أخوض كثيراً في تفنيد منطق التجربة الغامضة والمحددة، بل أقول: إن الاحتجاج بفرص نجاح تحققت بنسب ضئيلة جداً، والتغاضي عن ملايين من أبناء جيل الصدمة الذين يعانون، هو بحد ذاته منطق فاشل؛ لأنه يبني حكماً كاملاً على شريحة ضئيلة وقام بتعميمها.
الأمر تماماً مثل مصنع يحترق، فيأتي شخص ويقول: الحريق أصاب الأجزاء الضعيفة فقط، بدليل أن 1% من أجزاء المصنع سَلِمَت!.. وهو لا يدري أن هناك أسباباً واحتمالات أخرى تجاهلها أو لم يعرفها؛ وافتقار المعرفة مشكلته وليست مشكلة الواقع، ولكن طيب سأذكر بعض الاحتمالات الأخرى التي لم يستطع الاحاطة بها.. كأن يكون صاحب المصنع قد ثبّت رشاشات ماء أوتوماتيكية في ذلك الجزء تحديداً وقال سأكمل الباقي لاحقاً ثم باغتهم الحريق، أو أن رجال الإطفاء وصلوا وتلقى ذلك الجزء دعماً خاصاً وكبحوا النار عنه، أو أن الرياح غيّرت مسارها فجأة فبطّأت زحف الحريق.. وهذه كلها ظروف واحتياطات استثنائية لا تلزم منطقياً أن بقية أجزاء المصنع كان يتوجّب عليها أن تحذو حذوها لكي تنجو.
وبما أنه منطق التعميم السابق يتحرك بالجهل وافتقار المعرفة بهذه الظروف فدخل هذا المنطق دخول المتحذلق، ليتحول إلى ادعاء فكري معزول عن الواقع...فهو منطقٌ فاشل؛ لأنه ينطبق حصراً على شريحة ضئيلة لديها ظروف وتجارب مغايرة تماماً.
لكن
الوضع في الحقيقة أكبر من كونه مصنعاً يتداعى أو يحترق .. أيضا ليس مجرد صدمات أو تفلسف من أجيال قديمة تطرح أطروحات مليئة بالتصدع المنطقي .. بل أنا أرى الوضع مثل الغابة المظلمة.
ولكن
دون استرسال أكثر
هنا بالضبط وظيفة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. الفلسفة أداة ليسأل الإنسان، بدل أن يبتلع كل ما يُقال له كما هو. علم النفس يمنحه اسماً لما يشعر به، فيتوقف عن الظن أن الألم عيب شخصي فيه. أما علم الاجتماع فيريه أنه ليس وحده من يتألم، وأن ما يمر به نمط يتكرر في مجتمع كامل، لا حادثة فردية تخصه وحده.
لا أحد من هذه العلوم سيوقف تلك الأوضاع بالضرورة لكن هناك فرقاً هائلاً بين أن يعبر المرء غابة مظلمة وعيناه تعملان، وأن يعبرها وعيناه مغمضتان. مع أنها نفس الغابة.
المشكلة ليست أن العالم مظلمٌ أحياناً. المشكلة أنه يُخرج أجيالاً بلا عيون، ثم تتركهم يظنون أن العتمة بداخلهم هم.
هذا ما أردتُ قوله بسرعة.
غسان نبهان
هذا ما خطر ببالي مع نهاية الصيف وعودة موسم المدارس.
أريد أن أقول:
اثنتا عشرة سنة ضمن مكان أساسي، المدرسة، مكان لا بد منه، وأنا أؤيده، لكن لدي بعض التحفظات. هنالك يتعلم المرء الكثير: المعادلات، جغرافيا العالم، تواريخ الحروب، تراكيب الجمل، الجدول الدوري.. وغيرها. ولا يتعلم ساعة واحدة عن نفسه مع أن هذا ممكن.
والمهم بعد هذه السنوات يقابل مصفوفة المجتمع.. ولكن هنا يبدأ التباين.. إنها ظواهر تظل تتكرر بين الأجيال بالذات في المناطق النامية.. قلق من الفقر.. خوف من المستقبل.. توتر من الأوضاع الراهنة... ضغوط نفسية.. مطالب أن يتسق مع المصفوفة الموجودة بغض النظر عن أحلامه وطموحاته.
بينما لا يكون المرء يعرف منابع هذه الانفعالات والقلق والمخاوف وكل ما يعتمل بداخله بالضرورة، وقد يحيلها لأسباب أخرى إحالة لاواعية أو واعية.. فمثلًا إن سألوه يخبرهم أنه يتألم لأنه يمر بفترة صعبة فقط.. مخفياً سبب شعوره بأن الأرض تتحرك تحته وهو واقف في مكانه.
نعم العالم يتحرك كان وما يزال وسيظل ما دامت هناك حضارات تتقاطع، وما دامت هنالك مصالح تتسق أو تتعارض بين الجماعات في هذا العالم، وبدخول عوامل تحفيزية مثل الانفتاح والعولمة السريعة التي لا تتوقف.
قرار في مكان بعيد باستبدال مصدر طاقة، أو أثر فراشة صغير من شأنه لاحقا أن يكبح قطاعاً كاملاً عن المسير، أو موجات كساد اقتصادي نتيجة أوضاع جيوسياسية أو استراتيجية أو أن المرء مولود في منطقة جغرافية يحقد عليها العالم لأسباب تاريخية قديمة أو أيديولوجية.. كل هذا جزئياً أو كلياً خاصة لو استمر يكفل أن يضع جيلاً كاملاً في حالة صدمة. لا تصله الأزمة بالضرورة كخبر اقتصادي، بل كثقل لا اسم واضح له.. يشعر كأنه موجود في مكان كل شيء فيه يضغط عليه دون أن يعرف من أين يأتي. وبما أنه لا يعرف، فهو لا يفسّره كأثر لتحوّل أكبر منه بكثير، بل كعيب فيه. فيتصرف بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: ينغمس أكثر فيما اعتاد عليه، ويتشبث بما يعرفه، لا لأنه يثق به، بل لأنه المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه إلى فهم شيء جديد.
بعضهم، وأقصد ضمن جيل الصدمة، بما أنه على قناعة أن العيب فيه، في ذاته، بالتالي ينغمس في قراءة كتب التنمية الذاتية التي حققت مبيعات لا داعي لذكرها الآن، أغلب المبيعات من قراء جيل الصدمة(انظروا الى مبيعات كتب التنمية الذاتية كيف تفاقمت في القرن الجديد مقارنة بما قبل).. أجيال الصدمة وهكذا أسميهم.. الأجيال التي ظهرت ما بعد الحداثة والعولمة الفائقة.. أجيال ما بعد جيل الطفرة وجيل إكس الذي ملأ عقول من كانوا حينها أطفالاً أو مراهقين بأحلام هي أصلاً شبه مستحيلة الحدوث على أرض الواقع كما كانت تحدث لأجيال الطفرة وجيل اكس.
فعززوا لهم أن العالم سهل، والوظائف متاحة كما كانت في زمنهم، وأن الرواتب عالية والحياة حلوة جداً، وأن أي أحد لم يتمكن من تحقيق ذلك فهو كسول أو فاشل.
وهنا قد يبرز اعتراض يبدو جميلاً في ظاهره: طيب، وهناك من حققوا نجاحات هائلة من أبناء جيل الألفية أو جيل زد، مما يعرّض كل ما تقوله للانهيار!.. لكن هذا الاعتراض يقوم على ما أسميه منطق التجربة الغامضة المحددة (وهو ما يُصَنَف فلسفيا وايضا نفسيا ضمن انحياز النجاة أو الندرة) حيث تُؤخذ حالات فردية محدّدة ويُصنع منها تعميم شامل.
لن أخوض كثيراً في تفنيد منطق التجربة الغامضة والمحددة، بل أقول: إن الاحتجاج بفرص نجاح تحققت بنسب ضئيلة جداً، والتغاضي عن ملايين من أبناء جيل الصدمة الذين يعانون، هو بحد ذاته منطق فاشل؛ لأنه يبني حكماً كاملاً على شريحة ضئيلة وقام بتعميمها.
الأمر تماماً مثل مصنع يحترق، فيأتي شخص ويقول: الحريق أصاب الأجزاء الضعيفة فقط، بدليل أن 1% من أجزاء المصنع سَلِمَت!.. وهو لا يدري أن هناك أسباباً واحتمالات أخرى تجاهلها أو لم يعرفها؛ وافتقار المعرفة مشكلته وليست مشكلة الواقع، ولكن طيب سأذكر بعض الاحتمالات الأخرى التي لم يستطع الاحاطة بها.. كأن يكون صاحب المصنع قد ثبّت رشاشات ماء أوتوماتيكية في ذلك الجزء تحديداً وقال سأكمل الباقي لاحقاً ثم باغتهم الحريق، أو أن رجال الإطفاء وصلوا وتلقى ذلك الجزء دعماً خاصاً وكبحوا النار عنه، أو أن الرياح غيّرت مسارها فجأة فبطّأت زحف الحريق.. وهذه كلها ظروف واحتياطات استثنائية لا تلزم منطقياً أن بقية أجزاء المصنع كان يتوجّب عليها أن تحذو حذوها لكي تنجو.
وبما أنه منطق التعميم السابق يتحرك بالجهل وافتقار المعرفة بهذه الظروف فدخل هذا المنطق دخول المتحذلق، ليتحول إلى ادعاء فكري معزول عن الواقع...فهو منطقٌ فاشل؛ لأنه ينطبق حصراً على شريحة ضئيلة لديها ظروف وتجارب مغايرة تماماً.
لكن
الوضع في الحقيقة أكبر من كونه مصنعاً يتداعى أو يحترق .. أيضا ليس مجرد صدمات أو تفلسف من أجيال قديمة تطرح أطروحات مليئة بالتصدع المنطقي .. بل أنا أرى الوضع مثل الغابة المظلمة.
ولكن
دون استرسال أكثر
هنا بالضبط وظيفة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. الفلسفة أداة ليسأل الإنسان، بدل أن يبتلع كل ما يُقال له كما هو. علم النفس يمنحه اسماً لما يشعر به، فيتوقف عن الظن أن الألم عيب شخصي فيه. أما علم الاجتماع فيريه أنه ليس وحده من يتألم، وأن ما يمر به نمط يتكرر في مجتمع كامل، لا حادثة فردية تخصه وحده.
لا أحد من هذه العلوم سيوقف تلك الأوضاع بالضرورة لكن هناك فرقاً هائلاً بين أن يعبر المرء غابة مظلمة وعيناه تعملان، وأن يعبرها وعيناه مغمضتان. مع أنها نفس الغابة.
المشكلة ليست أن العالم مظلمٌ أحياناً. المشكلة أنه يُخرج أجيالاً بلا عيون، ثم تتركهم يظنون أن العتمة بداخلهم هم.
هذا ما أردتُ قوله بسرعة.
غسان نبهان
Published on September 17, 2026 10:22
•
Tags:
أجيال-الصدمة
No comments have been added yet.


