فقدوا رمضان!!
هذا باب من الكلام مؤلم ومرير، ومع هذافمن النافع المفيد أن نعرفه ونتأمله ونستزيد منه، فهو من الأبواب المغفول عنها فيكتب الرقائق والتزكية، ثم هو من الأبواب المغفول عنها في التعريف بشهر رمضانوقدره!
ها نحن نتهيأ لاستقبال شهر رمضان،ونُقدم على أيامه فرحين مسرورين، لا يخطر لنا شيء من أنواع المشقة.. فكيف إذاعرفنا أن بعض المسلمين كان يضحي بحياته لكي يتمكن من صيام رمضان وقيامه؟!
سنعرف حين نعرض لقصص هؤلاء المسلمين أنشهر رمضان نعمة عظمى، وأنه ليس يشعر بها إلا من فقدها..
ويكفينا لتقدير هذه النعمة ومعرفةعظمتها أن نتوقف أمام هذا الوصف النبوي له بأنه "نفحة ربانية"، ولعلالذي يتعرض لها فتصيبه ألا يشقى بعدها أبدا!
وقبل أن ندخل في حكاية الذين فقدوارمضان، والذين ضحوا بحياتهم من أجله، أحب أن أذكر سريعا بثلاثة أمور في هذا الشهرالكريم، أو بالأحرى: ثلاث فرص غالية، كل واحدة منها تكفر الذنوب الماضية، فقد قالنبينا صلى الله عليه وسلم:
1. من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر لهما تقدم من ذنبه
2. ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر لهما تقدم من ذنبه
3. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتساباغفر له ما تقدم من ذنبه
وتكفير الذنوب أمرٌ لا يقدره حق قدرهإلا المؤمنون، وإذا أردنا تقريبه لأذهاننا التي تلوثت وتلطخت بالصبغة المادية، فهويشبه لدى المدين "إسقاط كافة الدين"، ويشبه لدى الغارم "العفو عنكل الغرامات".. وهكذا!
وإذا كنا سنفتح صفحات التاريخ، فإن أعظمدروس التاريخ على الإطلاق أن كل الناس تموت، وأن الدنيا زائلة.. كل الذين سنذكرهمالآن ماتوا، ومات أبناؤهم وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وأحفاد أحفاد أحفادهم.. كلالذين على هذه الأرض الآن لم يكونوا موجودين قبل مائة عام.. وكل الذين عليها الآنلن يكونوا موجودين بعد مائة عام قادمة.. سيتبدل الناس، وسيصير الجميع في القبور..وكل هؤلاء لا يتمنى الواحد فيهم أكثر من أن يغفر له ذنبه، أو أن يزداد من العملالصالح!
وأنت في هذه اللحظات التي بدأت تقرأفيها هذه السطور، وحتى وصلت إلى هذه الكلمة.. هل تدري أنه قد مات ملايين الناس،ذلك أن الدقيقة الواحدة يموت فيها قرابة سبعين مليون شخص؟!.. كل هؤلاء الآن قد واجهواحقيقة هذه الدنيا، وكلهم يتمنى أن لو عمل في حياته عملا صالحا يحسن به مصيرهالحقيقي في الآخرة.
والآن تعالوا أحكي لكم القصة..
أحدثكم اليوم عن قصة المسلمينالأندلسيين بعد سقوط الأندلس، أولئك القوم الذين ضربوا مثالا أسطوريا في محاولةالحفاظ على دينهم، تحت ظروف في غاية القسوة، ظروف لا ترحم.
بثت قناة قناة الجزيرة فيلما وثائقياقبل أكثر من عشر سنوات، بعنوان "المساء الأخير"، وفيه عرضت قصة إسبانيدخل في الإسلام، وبينما هو يصلي رأته أمه، فسألته: ماذا تفعل؟ قال: هذه هي الصلاةفي الإسلام. فقالت له أمه المسنة: لقد كنت وأنا صغيرة، أرى جدي يصحو قبل شروقالشمس، فيغسل أعضاءه بالماء مثلما تفعل الآن، ثم يفعل نفس هذه الحركات!
وهنا كانت المفاجأة: لقد اكتشفالإسباني الذي أسلم، أنه من عائلة مسلمة، وأن جدّ أمه ظل يحافظ على الصلاة حتىستين سنة مضت! أي أن من المسلمين من ظل متمسكا بدينه أكثر من أربعة قرون سرًّا!!
ويا لها من أسطورة!!
وقد احتفظت لنا صفحات التاريخ ببعضوجوه العظمة التي كان عليها أجدادنا الأندلسيون.. وإليك طرفا منها!
لما سقطت الأندلس، وزال حكم الإسلاممنها، ونقض الإسبان ما كانوا قد عاهدوا المسلمين عليه من ترك الحرية الدينية لهم،وجد المسلمون أنفسهم تحت حملة في غاية الشراسة والشدة، استمرت معلنة أكثر من مائةسنة، ثم استمرت سرًّا ثلاثة قرون أخرى!
كان محرما على المسلمين أن يبقوامسلمين: إما التنصر وإما الموت، وفي أوقات بسيطة سُمح لهم بخيار ثالث هو: مغادرةالأندلس. وحين كان يتاح هذا الخيار كانوا يُهرعون إليه، إلا أنهم إذا اختارواالرحيل ومغادرة الأندلس كانوا يُحرمون من أبنائهم فكان الإسبان ينتزعون منهمأطفالهم باعتبار أن الأطفال نصارى، ويتخلون عن أملاكهم، ويكونون تحت رحمة البحارةالنصارى الذين ربما غدروا بهم وباعوهم عبيدا في فرنسا أو إيطاليا أو ألقوا بهمعبيدا في الأمريكتين!!
وكان هذا العصر هو عصر محاكم التفتيش..تلك المحاكم الجهنمية التي كانت تجعل نفسها رقيبة على الضمائر والقلوب، فتبذلجهدها بوسائل الترهيب والتعذيب في التحقق مما إن كان هذا المتهم لا يزال في صدرهبعض إسلام أم لا.. فإن كان كذلك فمصيره ميتة بشعة، بأدوات تعذيب شيطانية! وإن لميكن فيكفيه أنه نجا بحياته بعد أن يكون قد خسر أمواله وممتلكاته كذلك.
صفحات تاريخ رهيبة كتبت فيها كثير منالمؤلفات، وكثير من هذه المؤلفات كتبها باحثون إسبان وأوربيون أيضا.
ما يهمنا الآن هي قصة المسلمين الذيناجتهدوا ليصوموا رمضان في مثل هذه الظروف القاسية!
في كتاب "دولة الإسلام فيالأندلس" للمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، يذكر لنا في المجلد الأخير"نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين" أنه بعد مائة عام من سقوطالأندلس، ومن خلال سجلات محاكم التفتيش، أن قرية مسلاته الموريسكية،المهم أن هذه القرية اتُّهم فيها أربعون أسرة بصيام شهر رمضان!
فهنا ترى أن المسلمين ظلوا يورثونأبناءهم عبادات الإسلام بعد مائة عام!! حتى أنهم اكتشفوا في قرية واحدة أربعينأسرة تصوم.. هذا بخلاف ما لم يكتشفوه، بخلاف ما هو في سائر القرى!
وفي سجلات محاكم التفتيش تظهر بعضالبلاغات التي أبلغ فيها النصارى عن المسلمين، التي نرى منها حجم تشوق المسلمين لشهررمضان، وحجم انتشاره الصوم فيهم، فمثلا تم الإبلاغ عن مسلمة سُمِعت تقول لمسلم آخرإنها ذهبت إلى فضاء القرية لترى الهلال. وكذلك أبلغ عن مسلم نقَّاش رآه أحدهميتطلع في السماء فسأله: ماذا تفعل؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال النقاش المسلمإنه جاء لرؤية الهلال، فقال الشاهد: تريد أن تصوم؟ فقال النقاش: أجل، فهناك فيأراغون (منطقة في إسبانيا الآن) يصوم الجميع"!
وهنا يبدو أن المسلم ظن نفسه يكلممسلما، أو ربما كان المُبَلِّغ أحد المسلمين الخونة، فهذا الصنف يظهر في أوقاتالشدة ليتقرب إلى أعداء المسلمين.
من أهم الكتب التي تناولت أحوالالمسلمين الأندلسيين بعد السقوط في جزئية عباداتهم الدينية تحديدا: كتابان على وجهالتحديد، الكتاب الأول هو كتاب الباحثة الإسبانية مرثيدس جارثيا أرينال"محاكم التفتيش والموريسيكيون"، وهو مترجم وصادر عن المركز القوميللترجمة في القاهرة، وكتاب المؤرخ الإسباني بيدرو لونجاس "حياة الموريسكيينالدينية"، وهذا الكتاب يعتمد على المخطوطات المكتشفة من تراث الموريسكيينأنفسهم، والتي كانوا يكتبونها للمحافظة على الدين وتعاليمه!
في كتاب مرثيدس أرينال تذكر معلومةمهمة جدا، تقول: "بشكل رئيسي فإن العبادات الأكثر رسوخا في حياة الموريسكيين،والتي يرد ذكرها في كل المحاضر تقريبا، هي صيام رمضان، والطهارة، والصلاة".
وتضيف أيضا: "بدون أدنى شك، صيامرمضان هو العبادة الدينية الأكثر تأصلا في حياة المسيحي الجديد،وفي الغالب هي أكثر عبادة يحافظ عليها الجميع. ويمكن القول بأنه آخر مظهر إسلاميمن حيث التلاشي... وإضافة إلى كونه شعيرة دينية، إلا أنه سيتحول إلى ملمح للتميزالثقافي، ويصبغ الشخص الذي يحافظ عليه بصبغة خاصة... طابعه الجماعي يجعل منهالعبادة الأكثر تأصلا، وبالتالي الأكثر تميزا".
بل حافظ المسلمون على وسيلة المسحراتي،فكان بعض المتطوعين المنظمين يخرجون ليطرقوا على الأبواب ليلا حتى يرد ساكنوهاعليهم..وهذا نوع من المخاطرة!
ولا ريب أن المرء حينما يطالع مثل هذهالأخبار، يحزن ويتحسر أن بعض المسلمين يهملون أمر الصيام وهم في مجتمعات مسلمة، وكيفأنهم يتخلون عن آخر شيء تخلى عنه أجدادهم المسلمون في أشد البيئات قسوة وشدة.
لم يحافظ المسلمون على الصيام فحسب، بلكانوا يصومون أيضا الأيام الستة من شوال، ويسمونها الستة البيض، ويحافظون علىاحتفال عيد الفطر بارتداء الثياب الجديدة أو النظيفة وإخراج الصدقات على فقرائهم..وكانوا يصومون أيضا من الأيام العشر من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، بل منهم من كانيصوم صيام داود، يصوم يوما ويفطر يوما.. ومنهم من كان يحافظ على الاعتكاف لتسعة أيام.
ثمة من المسلمين من قُبِض عليه أثناءاستطلاعه لهلال رمضان، وذات مرة قبض على نصف قرية لهذا السبب، تقول أرينال:"كان هناك قلق عند انتظار الهلال ومراقبته، وكانوا ينقلون خبر ظهوره بينالقرى المجاورة، ويتناقشون حوله. وتسبب هذا الاهتمام بهلال رمضان في محاكمة عددليس بالقليل من الموريسكيين. ففي عام 1570، تم القبض على نصف القرية لأنهم خرجواإلى أماكن الفضاء لرؤية ظهور هلال رمضان، ولما دار جدل حول ما إذا كان الهلال ظهرأم لا انقسموا إلى جماعات متفرقة، وبدأت كل جماعة تدافع عن موقفها بصوت عال،وبالتالي علمت السلطات وقبضت عليهم"!
ولأن المصير كان هو الموت حرقاوتعذيبا، فقد كانت للمسلمين تحايلات كثيرة، وبعض هذه التحايلات كانت تتعلقبالعبادة نفسها، وتقصير وقتها، أو تعويضها في أيام أخرى، ومنها ما فعلوه طبقا لفتاوىمن علماء المغرب، أو حتى أفتى بعضهم لبعض بها (مع مراعاة تناقص وانقراض العلماءتدريجيا في بيئة الموريسكيين)..
فمن هذه التحايلات أنهم كانوا يعوضونصيام أيام رمضان في مواسم جني العنب، حيث يخرجون من بيوتهم في القرية، إلى البيوتالتي أنشؤوها في الحقول والمزارع، حيث يتجنبون المراقبة اللصيقة بهم، بحجة أنهميعملون الزبيب. يذكر المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، أنه في بداية القرنالسابع عشر، يعني بعد حوالي 120 سنة من سقوط الأندلس أن المسلمين كانوا يتحايلونعلى السلطات الإسبانية، وفي بيوتهم تلك يصومون رمضان ويحتفلون بعيد الفطر، وأنهمكانوا يفرحون ويستبشرون بالمولود الذي يولد في تلك الفترة، لأنهم يتجنبون بهذاتعميدهم في الكنيسة.
ومن هذه التحايلات أنهم لميكونوا يتمّون صيام شهر رمضان كله، بل كانت الأكثرية تكتفي بصيام نصف الشهر أواثني عشر يوما منه، أو تستغل فترة السفر، فتصوم طوال مدة السفر، لأن هذا يجنبهمالمراقبة والوشايات التي يمكن أن تصدر عن جيرانهم إذا لاحظوا امتناعهم عن الطعاموالشراب.
ومن فتاوى هذه الحقبة، أن يدفع المسلمالكفارة إن كان لا يستطيع الصوم، كأن يكون عاملا في بيت مسيحي ولا يستطيع إلا أنيأكل في الأوقات التي يأكل فيها سيده، فعليه أن يطعم فقيرا، ومثل ذلك من كانمسجونا في سجن محكمة التفتيش أو مأسورا عند بعض المسيحيين.
وكذلك المسلمين الذين يعملون في النقل،وقد كان هؤلاء كثرة، فهذا إذا اضطر إلى صحبة مسيحي في سفر أقل من العذر الشرعي، وعرضعليه المسيحي الطعام، وخاف المسلم أنه إذا لم يأكل أن يثير الريبة فيبلغ عنه، فلهأن يأكل أقل الممكن ويبقى صومه قائما، ونيته منعقدة على إكمال اليوم.. فإذا أكلكثيرا فعليه الكفارة!
والموريسكي إذا مات قبل أن يقضي الأيامالتي اضطر إلى فطرها، فعلى أقاربه التصدق عنه أو الصيام بديلا عنه.
لا يتسع المقام لمزيد بسط عن أحوالالأندلسيين في زمن اضطهادهم، وما كانوا يفعلونه للحفاظ على الصيام، فضلا عما كانوايفعلونه من التمسك بالعبادات الأخرى كالوضوء والصلاة والزكاة والزواج والولادةوحتى الدفن، وكيف اجتهدوا ببسالة عظيمة في حفظ دينهم وتعليمه، لكني أرجو القارئوأوصيه كثيرا أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنه تاريخ يزيد المؤمن إيمانا، وهو يزكي نفسهويطهر قلبه، بما يرى من أفعال هؤلاء!
وفيالوقت نفسه، يجب ألا ننسى أشباه هؤلاء في عالمنا المعاصر الآن، وأقصد بهم المسلمينفي تركستان الشرقية، والمسلمين في بعض مناطق الهند، والمسلمين في بعض المناطقالإفريقية.. هؤلاء المسلمون لا يتمكنون من صيام رمضان لأن السلطات تجبرهم علىالإفطار، ولأن البيئة المحيطة بهم تترصد لهم وتبلغ عنهم إذا عرفوا أنهم يصومون..طبعا نحن نرى بوضوح ما يحصل من اضطهاد بسبب الحجاب لأنه ظاهر، أما ما يحصل منالاضطهاد بسبب الصيام فيكون أكثر خفوتا.. فأرجو أن يهتم المسلم بحال إخوانه في هذهالبلاد.. يهتم لحالهم لمصلحة نفسه، فهو حين يطلع على أحوالهم يزداد إيمانا وتمسكابدينه، ثم يهتم لحالهم لواجب الأخوة الذي فرضه الله علينا وألزمنا به.نشر في مجلة أنصار النبي - فبراير 2026م
الموريسكيونهو التعبير المشهور عن المسلمين في هذه الفترة، ومعناها المسلمون الأذلاء أوالمسلمون المستضعفون.
محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ط4(القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 م)، 6/380.
مرثيدسغارثيا أرينال، محاكم التفتيش والموريسكيون: محاضر محكمة كوينكا، ترجمة: خالدعباس، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004م)، ص66.
أرينال،محاكم التفتيش، ص65.
وهي تعني بالمسيحي الجديد: المسلم الذيأجبر على التنصر، فاضطر للتنصر ظاهرا.
أرينال،محاكم التفتيش، ص66.
بيدرولونجاس، حياة الموريسكيين الدينية، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة، المركزالقومي للترجمة، 1993م)، ص209، 214.
أرينال،محاكم التفتيش، ص67؛ بيدور لونجاس، حياة الموريسكيين، 210.
أرينال، محاكمالتفتيش، ص66.
خوليوكارو باروخا، مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492م، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن،(القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2003م)، ص129، 146.
أرينال،محاكم التفتيش، ص 66.


