مهندس الازمات

في عام 2050، فتحت جمهورية السودان أرشيفا سريا محظورا، وعُثر على تسجيل لاستجواب .
ان المُستجوَب رجل لم يذكر احد اسمه.. لكن المتحري ناداه بـ"المهندس"، و قيل انه المخطط لكل الازمات السابقة

(وهذا ما جاء في التسجيل)

المتحري: من أنت؟
الرجل : أنا ؟
انا لم أكن شخصًا يومًا..
كنتُ فكرة… كنت حالة.... واسئلة...

المتحري: فكرة أحرقت بلدًا بأكمله؟

الرجل : البلدان لا تحترق وحدها ، يا سيدي.
المتحري
نعم لذلك يقولون إنك خطّطت لكل شيء. الثورة، الانقسام، الدم الذي جرى كالنيل.
الرجل : خطّطت؟
لا.
أنا فقط أشعلتُ ثورة عادلة. ثورة لا يختلف اثنان على نقائها… في البداية رفعتُ شعار: " السلام والحرية والعدالة".
شعار جميل، أليس كذلك؟ نقيّ كماء المطر .
المتحري: ثم ماذا بعد؟
الرجل : بعدها؟ حرصتُ ألا يتحوّل الشعار إلى واقع.
المتحري: ماذا تعني؟
الرجل: جعلت الثورة تنجح… كـحدث، لا كـمشروع.
أسقط الرأس (الطاغية). لكن لم ادلهم على مَن يجلس مكانه. ولا كيف. ولا لمصلحة مَن...
لان الثورات الكاملة، يا سيدي، خطر علينا.
أما الناقصة… فهي كنز. كنز ثمين
المتحري : كنز؟ كنز من الدماء؟
الرجل متلذذا : كنز من الفوضى. حيث لا أحد يستطيع أن يبني، ولا أحد يستطيع أن يحكم، ولا أحد يستطيع أن يحلم.
اتدري لقد اثرت انتباههم بسؤال آخر، لكن الفن كان في التوقيت .
المتحري:
أيّ سؤال؟
الرجل : "لماذا نعيش معًا؟"
المتحري:
لماذا تضحك هذا ليس سؤالًا إجراميًا ماذا فعلت بالضبط ؟.
الرجل: صحيح. لكنه يصبح قاتلًا… حين لا يملك أحد إجابته. هكذا شوهت معنى الوطن، وتركته بلا تعريف....
مرة قلتُ لهم: هو القبيلة.
ومرة: هو الجيش
. ومرة: هو المدينة التي وُلدتَ فيها.
وحين يحاول عاقل أن يقول: "الوطن هو الجميع"…
أضحك عليه الناس . وأتركه وحيدًا يا سعادة المحقق. ههه
المتحري يضرب الطاولة: إذن أنت من أشعل الكراهية؟
الرجل : لم أقل لأحد: "اكره".
قلت لكل واحد منهم: "أنت الضحية".
المتحري: وصدّقوك؟
الرجل : المظلوم… لا يحتاج إقناعًا طويلًا. كل واحد منهم كان يحمل جرحًا قديمًا. أنا فقط… ذكّرته به. ثم سألته: "مَن فعل بك هذا؟" فاذا تردّد، همستُ له اسمًا.
المتحري:
الجيش… المدنيون… النخب… القبائل…
كلهم فقدوا ثقة الناس في ذلك الوقت . لم تكن صدفة.
الرجل : طبعًا ليس صدفة يا سيدي اننا نكسر الثقة أولًا. الثقة مثل الزجاج، يا سيدي. تحتاج مدة لتبنيها، ولحظة واحدة لتكسرها فتسقط خلفها كل المؤسسات.
المحقّق : و المليشيات ؟
الجوع؟
الأطفال والنساء ؟
الرجل :
المليشيات…
آه، تلك كانت تحفة فنية. لقد أعطيتُ كل طرف سببًا ليخاف من الآخر.
همستُ لهذا: "هم يخططون لإبادتك".
وهمستُ لذاك: "إن لم تتسلّح الآن، ستُمحى غدًا".
وسمحت للسلاح بالتدفق من الحدود..... اما الاطفال و النساء فلم أجوُعهم حتى الموت... هذا عمل قذر،. أنا فقط أتقنتُ الضغط. الضغط يجعل الإنسان يفكّر في اليوم، لا في الغد. فيفكّر في الرغيف، لا في الوطن. ومن لا يرى الغد… لا يدافع عن شيء.
المحقّق : وماذا عن الذين قالوا "كفى"؟. الذين طالبو بالوحدة ورفضو مخططك ؟
تنفّس الرجل بعمق، كأن السؤال أعجبه وقال: أولئك…
كانوا الخطر الحقيقي.
المتحري:
وماذا فعلت بهم؟
الرجل: أرهقتُ بعضهم حتى استسلموا.
شوّهتُ سمعة بعضهم حتى فقدوا صوتهم. والباقون… سافروا، أو صمتوا، أو ماتوا في زنزانة مثل هذه.
ولما غاب الصوت العاقل… ارتفع صوت الرصاص.
المتحري: كل هذا… من أجل ماذا؟
السلطة؟
المال؟
أيّ جنون دفعك لهذا؟
ضحك الرجل.حتى سال انفه ثم قال: لو كان لديهم هدف وطني واحد، ، واتّفقو عليه… لما نجحتُ يومًا.
أنا لم أحتج إلى شيء.
هم قاتلوا… لأنهم لم يعرفوا إلى أين يتجهون.
المتحري: إذن أنت تقول إنهم دمّروا أنفسهم؟
الرجل. فقط اريتهم انعكاسهم في المرآة لكنهم لم يحبّوا ما رأوه.
المتحري: سؤال أخير…هل يمكن إصلاح ما فعلت؟
الرجل: حين يتفقون أخيرًا… على اسم واحد،
وهدف وطني واحد،
وسؤال واحد عن الغد…
سأختفي تلقائيًا.
لكن حتى ذلك اليوم…
سأبقى في كل خلاف،
وكل شكّ،
وكل سؤال لم يُطرح.
المحقّق يجمع أوراقه : قبل أن اخرج اخبرني من أنت حقًا؟
الرجل :
هههه
أنا السؤال الذي لم تطرحوه في الوقت المناسب.
أنا الفراغ الذي لم تملأوه بمعنى.
أنا… غياب الوطن..
.
.
خاتمة التسجيل
صلاح الدين محمد الكفيل
1 like ·   •  1 comment  •  flag
Share on Twitter
Published on December 24, 2025 14:22 Tags: قصة-قصيرة
Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

back to top