المذهبيةُ في الفكر
كتب : عبدالله خليفة
(لما كان لـ«سقيفة بني ساعدة» تلك الأهمية في ضبط الموقف السياسي الجديد القديم، وفي التأسيس للنظام السياسي العتيد في أعمدته الكبرى والرئيسة، وكذلك بحصيلة الموقف- في التأسيس الابيستيمولوجي لهذا النظام (حيث يُنتزع الأمر نهائياً من أيدي علي وبنيه وشيعته بتصوراتها وأحلامها الخاصة حول النمط السياسي والأيديولوجي والاقتصادي والتنظيمي) فإننا سنتبين – في ذلك- عاملاً من العوامل الكبرى أو ربما العالم الأكبر في هذا الجزء السادس فيما نحن بصدده من مشروع الرؤية، أما ذلك فنعني به المنظومة الفكرية الجديدة في تياراتها الثلاثة:الرئيسة: الاعتزالي والأشعري والماتُريدي)، طيب تزيني، من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة،27-.28
لم تتبلور في تلك الفترة المبكرة من الدولة الإسلامية مسألة تيار أسري خاص ذي مضمون إيديولوجي، وهو تيارٌ سيتبلور لاحقاً في أسرة آل البيت وأتباعهم وكفاحهم، كما لم يتبلور تيار أسري آخر ذي نفس فكري آخر في تلك اللحظة المبكرة من التاريخ الإسلامي.
كانت السقيفة وكان الترابط الواسع بين الصحابة لبقاء السلطة وصمودها في ظل الحدث الجلل وبسبب القوى المعادية والمختلفة معها والمتربصة بها، مدعاة لاستمرار السلطة الشعبية بتحالفها بين المهاجرين والأنصار كشكل لاستمرارية التعاون بين المكيين والمدنيين مؤسسي السلطة المفارقة لحكم المدينة الواحدة والمعبرة عن مدنية الجزيرة العربية والمسلمين عامة.
كما أن التشكيل يعبر كذلك عن التحالف الاجتماعي بين التجار والعبيد السابقين والفقراء، وعدم هيمنة التجار الكبار أو العائلات المتنفذة.
ليست المسألة مسألة بعض الصحابة الذين صعدوا، بل المسألة هي استمرارُ التحالف الشعبي النهضوي الأكبر من القبائل والأسر، ولهذا فالموقفُ لا يعبرُ عن صراع شخصي على السلطة، ولا هو قيام بعض ذوي النفوذ القرشي بتكوين انحراف يميني في الدولة، فكل هذه إسقاطات معاصرة مذهبية لا تمثل جوهر الموقف الاجتماعي.
استمرارية التحالف الشعبي الذي تصارعه قوى الانفصال وملأ قريش هو تكريسٌ للبذور الديمقراطية الشعبية التي ظهرت في معركة الإسلام المؤسِّسة، ولهذا فإن الخليفتين الأولين قاما بتجسيد ذلك على صعيد بناء الدولة وعلاقاتها مع الجمهور، الذي أدرك طبيعة هذه السلطة والتف حولها.
سقيفةُ بني ساعدة عبّرتْ عن (الصراع السياسي المكشوف) بين قوى الاستمرارية النضالية وقوى أسر الأشراف والمناطق الظاهرة والمضمرة بخلاف ما كتب المؤلفُ طيب تزيني وهو الصراع الذي لامس سطحه، وهو الصراع الذي عبرت عنه الأسر وأصحاب النفوذ في المناطق سواءً في مناطق الجزيرة العربية حيث تجسد ذلك بحروب الردة، أو عبر إرتفاع رؤوس القوى القبلية وجماعات الأشراف، فجاءت السقيفةُ لتزيح كل ذلك، بالصدفة الشعبية، وبالارتجال الصادق، وهذه الفلتة عبرت عن البنيان السياسي المضمر في القوى الشعبية التي قادت الثورة الإسلامية المؤسِّسة، في هذه الكوادر من الصحابة والمهاجرين والأنصار الذين التحموا في معاركها الطويلة وبقوا صامدين في تقويتها.
لهذا فإن قطع المسار السياسي للحركة، وإطفاء طابعها الاجتماعي، وتحويلها لمؤامرة قبلية، أو حركة شخصية مغرضة، يلغي الطابعَ النضالي العميق لمجمل هذه الحركة التاريخية وحلقاتها، ويقطع جذورها مع الواقع، ويركبها في أدلجات معاصرة أو تالية، تُسقط شعارات أسر الأشراف التي استولت على الحكم لاحقاً، أو غدت في المعارضة من نفس المواقع الطبقية، وتعني إنكار ذلك الطابع الديمقراطي العفوي، وتذييلها لواقع تاريخي لاحق، هو بنية أخرى لها حيثياتها الاجتماعية السياسية المختلفة.
فلا يمكن للسقيفة أن تحدد تشكل التيارات الفكرية العربية الإسلامية التي نشأت في ظروف أخرى، وتراكمت موادها الفكرية من واقع مختلف.
لقد انفصل القادة الكبار عن مصالحهم ورؤاهم الشخصية والتقوا في تكوين سلطة جديدة تواصل نفس المسار الفكري الاجتماعي في لحظة مختلفة فيها تحديات جسيمة محافظة على سياق التحالف والسلطة الشعبية والتوزيع العادل للخيرات المادية.


