الصراعاتُ الفكريةُ بدلاً من التغيير

كتب : عبدالله خليفة

التكتلاتُ الاجتماعيةُ الكبيرة تعكس قوى التاريخ والطبقات، لكنها تؤُخذُ بشكلٍ ايديولوجي. الإقطاعُ (القوى الدينية)، والرأسماليةُ الفردية (الليبرالية) والاشتراكيةُ (العمال)، قوى في حالاتِ نزاعٍ محتدمة لتأكيد مواقعها السياسية في الدول الجديدة. ولكن هذه القوى ليست مجردة صافية بل متداخلة ويسودُ الوعي الشعاري فيها والمصالحُ الخاصة ولكن تكثر الجماعات المختلطة وتضيع القضايا التنموية الحاسمة في هذه المرحلة الانتقالية. إن تكوينَ أنظمةٍ رأسمالية ديمقراطية صافية واضحة مسألة صعبة، لأن مختلف القوى تطرح غموضا اجتماعيا، وتعيش على الشعارات والأفكار والعبادات المستثمرة في الصراعات السياسية. القوى الإقطاعية التي تتمظهر في القوى الدينية المحافظة والجامدة والعسكرية والبيروقراطية هذه لا تريد تحولات في فهمها المتكلس للنصوص ولقواعد السلطة ولا تريد تغيير طبيعة المجتمعات العربية التقليدية. هناك قوى دينية تعبر عن فئات وسطى رأسمالية تريد تحولات حديثة من دون أن تمس الدين، والدين مصطلح عام من الممكن أدلجته وتفسيره حسب مستويات مصالح هذه القوى، ولهذا تظهر تحالفاتٌ بين القوى الدينية الجامدة وشبه الليبرالية مما يعبر عن الرغبة في الهيمنة على السلطات أكثر من تطوير حياة الناس. هذا نموذجٌ يختصرُ ما يجري للدائرتين التاليتين الليبرالية والاشتراكية، ولكن ما يحدث هو صعود الرأسمالية بجناحها المنتصر وهو الرأسمالية الخاصة بمؤثراتٍ مذهبية كبيرة، وانتصارُ الرأسمالية لا يعني سوى تزايد الصراعات الاجتماعية وزيادة تراكم الثروات عند أناس معينين وليس كل الناس. ما يحدث لا علاقة له بالأخلاق والمُثل إلا في شكلها السياسي المجرد، أي ليس هو انتصارُ مملكةِ العدالة والحق والعقل وبقية التعبيرات المجردة الخيالية لقوى التنوير الغربي المثالي في القرن الثامن عشر، بل ما يتحقق هو رأسماليةٌ صرفةٌ متخلفة، ليست فيها قوى إنتاج متطورة، ولا ثقافة متطورة، ولا تنوير طويل، ولا ديمقراطية راسخة. ما نأمله فقط أن تكون متطورة بعض التطور الاقتصادي السياسي المفيد لكل السكان. إن هذه الرأسمالية الصرفة الديمقراطية العلمانية هي أفضل الشرور، وأقل الخسائر الممكنة، وتتجنب الأوهامَ التي تعششُ في الكثير من العقول باعتبار ان مملكة الحق قد ظهرت، وأن أمام المجتمعات الثائرة تاريخاً من السعادة الطويلة. أي أن مجتمعا سياسيا يطرح منذ البداية هدفه التنموي وتطوير القوى المنتجة البشرية والمادية وإزالة العراقيل أمامها هو أفضل من الدخول في الصراعات السياسية لأسبابٍ فكرية، أو يبني قصوراً من الرمال الاجتماعية على أراض لم تُحرث بعد للتغيير العميق الديمقراطي. إن التيارات تطرح مستويات تاريخها وتجربتها، فهناك تخلف في فهم الدين يعبر عن إبقاء العلاقات الإقطاعية التقليدية في مُلكيات الأرض والعقارات وشكل السلطة وبناء العائلة، والتحكم في الثقافة. وهي لها جذورٌ كبيرةٌ في وعي الناس مما يؤدي إلى الصراعات حول القديم وليس حول الدخول في المستقبل والتحديث. أو في الدفع برأسماليةٍ استهلاكية فوضوية تؤدي إلى تخبط الأسواق وتدمير قوى الإنتاج الباقية التي عصفتْ بها الرأسمالياتُ الحكومية الشمولية السابقة، عبر قوى رأسمالية سياسية بلا تجربة تخطيطية مستقبلية وتمثل قطاعات المضاربة بالإنتاج واستغلال الفرص في الحكم. والخيار الثالث الاشتراكي هو تفجر المغامرات الاجتماعية الشعبية نظراً لتبخر الأحلام والوعود الكاذبة لقوى المال والدين بحيث تتحول هذه المغامرات لثورات دامية. الربيع لابد أن يعقبه خريف، هذا جدلُ التاريخ، وليس هو رومانسية الوعي التي تحيلُ مظهرا طبيعيا لجنة أرضية أبدية لا تتبدل فيها الفصول، ومن هنا يجب درس كيف سيأتي الخريف أعبر هجوم صاعق أم بتطور طبيعي؟ والخريف قادم لا محالة لأن هذه القوى الاجتماعية الثورية المتحدة في زمن لابد ان تتباين مصالحها في زمن آخر، وهي منذ الآن لا تريد أن تكرس تحالفها بشكلٍ دستوري، أو في شكل برامجي مرحلي، بل ان كل قوة تريد أن تستفيد من الأصوات لتفكيرها القوي في الكراسي والنفوذ والامتيازات. إن نوعيات الساسة والمعبرين الخطابيين للثورات يعيشون في اليومي السياسي، ولم يطرحوا صراع التشكيلات المحتدم وكيفية الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم بين طبقات الثورة. حين يأتي الخريف مكتسحاً بذور الربيع تضيع الانجازات، ولهذا فإن قوى وسط عميقة تنجح في التنمية الشعبية الواسعة والديمقراطية يمكن أن تمثل استمرار البذور الربيعية، وتجدد سلطتها من دون الحاجة إلى العكاكيز والخداع والقهر.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on July 02, 2025 17:14
No comments have been added yet.