التاريخ في الرواية

تغدو الرواية روايةً تاريخية حين تتوجه إلى مساحة زمنية سابقة وتعرضها بأساليبها المختلفة.
كنتُ قبل أيام أقرأ كتاب جورج لوكاش (الرواية التاريخية) بعد أن كنتُ قرأته سابقاً، لكنني رحتُ أقرأه في هذا الوقت وأتتبع عملية رصده للرواية التاريخية عالمياً، في القراءة الأولى كنتُ أتفق معه كثيراً، في القراءة الثانية صرتُ أختلف معه كثيراً!
لكن هناك حكمٌ لديه يظل هاماً وهو أن الرواية سواء كانت اجتماعية معاصرة أم رواية تاريخية، ينبغي أن تكون ممتعة، غنية بقدرتها على تحليل وتجسيد الإنسان والحياة والتاريخ، لكن هناك النموذج المبسط في رواية (والتر سكوت) البريطاني، والنموذج العميق عند تولستوي مثلاً. لكن النموذجين يحافظان على بنية روائية ممتعة وغنية. لكن العديد من الروايات التي يعرضها لوكاش في كتابه لأسماء لامعة ليست بمثل ذلك الوهج المفترض كمدحه لمسرحيات جوركي مثلاً أوتنقيصه من أهمية زولا..
ولكن الرواية التاريخية عربياً لم تكن بذلك الغنى العالمي رغم ضخامة التاريخ العربي. لقد قمتُ بدرسِ هذه الرواية لدى جورجي زيدان ونجيب محفوظ ، في دراسة لم تنشر في كتاب، فكانت استنتاجاتي أن الرواية العربية التاريخية تحتاج إلى أعمال كبرى، ولهذا عكفتُ على قراءة التاريخ والفكر العربيين، من أجل أن أحضر نفسي لكتابة رواية تاريخية كذلك..
وقد كانت الرواية التي كتبناها عن الماضي الخليجي القريب أشبه ما تكون برواية تاريخية، لكنها رواية اجتماعية معاصرة في ظني. فهي تعرضُ وتنقد وتكشف نسيجاً اجتماعياً لا نزال نعايشه، رغم أنه صار من التاريخ، فلا توجد في الواقع سدود بين الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية، لكن الرواية التاريخية تتعلق بالتاريخ المنتهي، في العصور السابقة.
ولهذا فأنا بدأت بالنوعين الممزوجين رواية اجتماعية ترتكزُ على التاريخ، ورواية تاريخية ذات قراءة اجتماعية، لكن التاريخ ليس هو التاريخ الفعلي المتحقق فقط، أي الذي حدث فعلاً، بل هناك كذلك التاريخ الذي لم يحدث، وهو الجانب الذاتي المنسوج داخل ذلك التاريخ الفعلي، ليس بغرض العرض المدرسي كما يفعل جورجي زيدان، بل بغرض تحليل وتجسيد رؤية معينة للتاريخ وللحاضر كذلك. وبهذا تغدو الرواية عرضاً درامياً لإشكاليات الإنسان والسلطة والحقيقة الخ..
ولهذا فإن الرواية حين تكون موضوعية غير متحاملة على الشخوص التاريخية الحقيقية، فإنها لا تسبب مشكلات مع الناس، أي حين تكون صدقاً وحتى لو كان جارحاً فهو مشرط تحليل وتشخيص . .
وعلى هذا الدرب كتبتُ (الينابيع) بثلاثة أجزاء لم تنشر مكتملة، وروايتين تاريخيتين (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب شهيداً) لم تنشرا كذلك حتى الآن.
حدثت المشكلات والصدامات سابقاً ولأسباب سياسية ولكن الرواية لا تثير مثل هذه الصدامات لأنها تتجنب التجريح وتهتم بعرض ما هو موضوعي وعبر نسيج فني.
✍ اقتباسات من: عبـــــــدالله خلـــــــيفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 08, 2025 15:20
No comments have been added yet.