لماذا لا يترحم المسلمون على غير المسلمين؟!
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..
في نهاية يوم حزين مؤلم، أحسب لا بد من تسطير هذه الكلمات، وأسأل الله أن يشرح صدري وييسر أمري ويحل عقدة من لساني، وأسأله تعالى أن تلقى هذه قلوبا وعقولا تفقهها وتحملها على أحسن وجوهها.
1. أصبحنا اليوم على الخبر الحزين المؤلم المؤسف، بمقتل مراسلة الجزيرة #شيرين_ابو_عاقلة التي كانت بالفعل جزءا من وعي الجيل عن فلطسين، ذلك الجيل الذي تابعها على القناة العربية الأشهر: الجزيرة، في البقعة الإسلامية المقدسة: بيت المقدس، عبر الزمن الملتهب الساخن الذي لم يهدأ.. حتى صارت صورتها وصوتها محفوران لا إراديا في عمق الذاكرة!
هذا فضلا عن أنها موهبة حقيقية، وكان تقريرها وجبة دسمة عن اليوم الحافل.
2. لم أعرف أنها مسيحية إلا بعد مقتلها، كنتُ قد كتبتُ "رحم الله شيرين أبو عاقلة"، فلما تبين لي أنها مسيحية، حذفت المكتوب، واستعملت العبارة الأنسب التي لا تخرج بي عن حدود ديني، وتقوم في ذات الوقت بالتعبير عن إدانة الظلم والقتل والتعزية اللائقة بالمسلم في المقتول ظلما من غير المسلمين.
لكن سرعان ما انفلت الأمر على مواقع التواصل، فالبعض احتشد لينبِّه على ضرورة الانضباط في الترحم عليها ووصفها بالشهيدة، إذ هذا مخالف لديننا، وفي العبارات متسع ومندوحة، والبعض على الضفة الأخرى شملته العاطفة -وربما غاب عنه أنها ليست مسلمة- فترحم عليها ووصفها بالشهيدة..
ثم دخل على الخط من يناكف ويكايد ويصفها بالشهيدة ويترحم عليها في عبارات تثير السخط أكثر مما يعبر بها عن عضبه وحزنه، وقابلهم على الجهة الأخرى من يرد ويدفع.. وابتدأت الدائرة السيئة التي جعلت حزن هذا اليوم حزنيْن، وكآبته كآبتيْن!!
يقول كل طرف: هم الذين بدؤوا، وإنما كنتُ أدافع وأردّ.. وفي مواقع التواصل، لكل شخص قصته الخاصة وروايته الخاصة، بحسب التغريدة أو المنشور الذي رآه أولا.
3. ولأننا في عصر صار فيه الإسلام أهون شيء، فسرعان ما تتحول أي قضية من قضايا التناقض بين (الإسلام) و (الثقافة الغالبة) إلى معركة..
فأصحاب الثقافة الغالبة والمتأثرون بها يريدون حمل الإسلام على إسباغ الشرعية على ما يريدون، وينبت في هؤلاء من يقدم لهم نسخة الإسلام التي يحبونها..
وهو الأمر الذي يستفز المسلمين ويثير حساسيتهم فيأخذون في دفع هذه المحاولات ومهاجمتها كما تفعل الأجسام المناعية في أي جسد ضد الخطر، وفي النهاية: فإن أي قضية إذا وزنت بقضية الإسلام طاشت أمامها، فلا قيمة لشيء ولا لأحد إن كانت نصرته تخصم من معالم الإسلام أو تشوهها..
وإذا كان أبو طالب سيدخل النار، فكيف بمن هو دونه؟!
وهذا مقتضى الدين، وهو كذلك مقتضى العدل.. فإذا كان أبو طالب سيدخل النار فكيف نُدخل نحن الجنة من أحببناه إذا لم يستوفِ شروطها؟!
4. هذه المعركة ليست قاصرة على شيرين أبو عاقلة أو غيرها، بل هي تتردد في كل لحظة احتكاك وتناقض بين الإسلام وثقافة العصر.
فهي تخرج -مثلا- عند كل قصة تحرش بفتاة متبرجة.. إن الفعل يدينه الجميع بطبيعة الحال، لكن أنصار التبرج يحرصون على جعل التبرج حقا من حقوق المرأة، فيخرج في المقابل من يدفع هذا ليؤكد على أن التبرج معصية وإثم وأن المتبرجة لها نصيب من المسؤولية فيما وقع عليها.. فتشتعل المعركة!
وهي تخرج -مثلا- عند كل عيد لغير المسلمين: هل نهنئهم أم لا؟.. فأصحاب الثقافة العصرية المصبوغة بالعلمانية والتي لا تجعل الدين أمرا عظيما ومهما في علاقات الناس يسرفون في التهنئة، ويجدون من يستخرج لهم أقوالا ضعيفة وشاذة في الفقه المعاصر المهزوم، أو يحاول بعضهم جعلها من العادات الدنيوية المحضة.. فيخرج في المقابل من يؤكد على حرمة التهنئة ويستدعي إجماعات العلماء وأقوالهم الكثيرة.
وهي تخرج -مثلا- عندما يخرج فيلم أو كتاب أو مسرحية فيها إساءة للدين وتهجم على النبي.. فإذا بأهل الثقافة الغالبة والمزاج العصري يدرجون ذلك في حرية الفن وحرية الرأي والتعبير، وإذا المدافعون عن الدين ونبيه وصحابته يقفون مستنكرين أن يكون هذا من الحرية، بل هو من الممنوع والمحظور.
فحقيقة الخلاف في كل هذا ليس قائما حول شخص، بل هو قائم حول منهج وثقافة وطريقة حياة.. العصر الذي تهيمن عليه الثقافة الغربية العلمانية وابنتها الدولة الوطنية الحديثة تفرض معايير للحياة غير معايير الإسلام.. والمسلمون المقهورون الضعفاء يدافعون عن أحكام الدين المستقرة لئلا تتميع وتُحَرَّف تحت هذا القصف المستمر.
5. نعم، تضيع في هذه المعركة التي لا يملك أحد زمامها كثير من المصالح ومواطن الاتفاق.. ذلك أن كل طرف يرى أن قضيته الكبرى أرفع وأعلى وأسمى من القضية الصغرى المثارة الآن.. فإسباغ الشهادة على غير المسلم قضية أعلى عند الطرفين من شخصية شيرين أبو عاقلة أو أي مخترع غربي شهير! وجعل التبرج حقا للمرأة أو منعها من ذلك أسمى وأهم عند الطرفين من شخصية الضحية المتحرش بها، وتثبيت جواز التهنئة لغير المسلم أو تحريمه أهم وأسمى عند الطرفين من فلان الذي سيهنئ جاره أو زميله في العمل، والذي لن يملك أحدٌ منعه أو إجباره على ذلك!
ولستُ أكلمك هنا عن الطرفين، وكأنما أنا العاقل الذي يقف على مسافة واحدة، أو الحكيم الذي يشاهد صراع الصغار.. أنا منحاز بكليتي للفريق الثاني، فريق المدافعين عن أحكام الدين أن تتبدل وتزور وتغير خضوعا لثقافة الواقع.. وإنما أتحدث بهذه الصيغة لمجرد الوصف والتوضيح.
6. يعترف الذين قالوا بجواز الترحم والدعاء بالمغفرة لغير المسلم بضعف موقفهم العلمي، فليس في أيديهم إلا نقليْن أو ثلاثة على أقصى تقدير، وهي عند التحقيق نقول عليهم وليست لهم، ولو صحَّ أنها لهم فليس فيها حجة، فالمتقرر الذي يعرفه من طلب العلم يوما أنه إذا شذ واحد أو اثنين أو ثلاثة من العلماء عن إجماع مشهور، فإنه يهدر قوله ويعد شاذًّا، ولا تتحول المسألة بقوله هذا إلى أن تكون خلافا معتبرا.
ويزداد الحال ضعفا إذا كان هذا الذي شذّ من المتأخرين زمنا، أو كانوا في زماننا هذا المعاصر.. فالمسائل التي لا تتغير (ومنها مسألتنا هذه في جواز الترحم على غير المسلم والدعاء له بالمغفرة) بتغير الزمان والمكان لا تعد من النوازل الجديدة التي قد تختلف فيها الفتوى.
والأخطاء التي يتحدث بها القائلون بالجواز أخطاء ظاهرة وواضحة، لا تخفى على أحد طلب العلم يوما.. وبعض الذين يقولون بهذا لا أشك أنهم يعرفون ويعلمون خطورة ما يقولون، وخطورة ما يؤدي إليه منهجهم.. وإنما هي فتنة!
ولو كان يمكن التعلق بقول الواحد والاثنين وترك قول الجميع، لكان سعد الهلالي إمام العصر، ولكان الخلاف في القاتل السفاح سائغا مقبولا، بل لكان التفريط في الأقصى قولا مقبولا.. فلم تخل مسألة من قول شاذٍّ قيل فيها!!
وكنتُ هممتُ أن أكتب، أو أسجل ردًّا على هذه النقولات التي تعلق بها القائلون، ثم رأيت بعض إخواني ممن هم أعلم وأخبر قد فعلوا بعض ذلك، وبعضهم ينويه.. فأكتفي بأن أتكلم فيما أحسب أنه قد يكون جديدا.
7. إذا كنتَ عزيزي القارئ قد تحملتني ووصلت معي إلى هذا السطر.. فلك عندي مكافأة، ربما تكون مفاجأة أيضا..
إن كل فكرة لها خطوطها الحمراء، وهؤلاء الذين يتصورون أن الإسلام متشدد حين يقصر الشهادة على من مات مسلما، لا ينتبهون في غمرة انفعالهم وتأثرهم بهذا العصر إلى أنهم يقبلون نفس ذلك الأمر ولكن في أشكال أخرى..
خذ عندك هذه الأمثلة البسيطة الساذجة:
- إذا مات لاعب كرة قدم، هل تُكَرِّمه وكالة الطاقة الذرية، لأنه كان على خلق أو لأنه أمتع الجماهير؟!
- إذا قررت دولة قطر مثلا أن تعطي لأسرة كل مواطن متوفى مبلغ مليون ريال، هل سيطالبها أحد أن تعطي هذا المبلغ لكل متوفي صومالي أو بنجلاديشي لأنه أكثر فقرا واحتياجا؟!
- هل تعرف دولة من الدول تسمح بنشر أفكار تخالف مبادئها الأساسية، أو تكوين جمعيات على خلاف قواعدها الدستورية؟!
- لماذا لا يكون نشر أفكار داعش -مثلا- من قبيل حرية الرأي والتعبير؟!.. لماذا لا يكون تمزيق العلم الوطني من قبيل حرية الفكر والمعارضة؟!.. لماذا لا يكون حمل السلاح -في الدول التي تحظر حمله على المواطنين- من قبيل حق الدفاع عن النفس؟!
- في أي دولة يكون من حق الأجنبي الترشح لرئاسة الجمهورية وتولي المناصب الحساسة؟ أو حتى يكون من حقوقه أن يُعفى من الضرائب أو يحصل على المزايا التي يحصل عليها المواطنون؟!
إن كل فكرة، كل دولة، كل ثقافة.. لها خطوطها الحمر، لها قاعدتها الأساسية التي بناء عليها تفرض الولاء والبراء، وتفرض العقوبة، وتمنح المزايا!
لن يمكنك التمتع بمزايا المواطن الأمريكي إلا إن كنت أمريكيا، وستعاقب على مقاتلتك في صفوف أعداء الأمريكان لأنك تخون الوطن، ولن يلتفت أحد إلى رأيك في عدالة هذه الحرب أو غيرها، ولن يقتنع أحد بدوافعك مهما كانت نبيلة إن ارتكبت مخالفة ظاهرة للقوانين الأمريكية.
يتميز الإسلام عن سائر هذه الأفكار والأنظمة في أن قرار انتماءك له هو قرارك أنت.. فأنت لن تكون أمريكيا لأنك تريد هذا، بل لأن الدولة أصدرت قرارا بهذا.. بينما في النظام الإسلامي أنت الذي تختار أن تكون مسلما فتكتسب في تلك اللحظة كل حقوق المسلم، ويكون عليك واجباته أيضا.
الردة عن الإسلام عقوبتها القتل، مثلما خيانة الوطن والتخابر مع أعدائه عقوبتها الإعدام.. في كل الأنظمة ولاء وبراء، ولكن القاعدة هنا هي الدين، والقاعدة هناك هي الدولة.
8. للمزيد في توضيح بعض هذه الأمور، إن كنت ما زلت هنا، وإن كنت ما زلت ترغب في المزيد، انظر:
لماذا حول المسلمون آيا صوفيا إلى جامع
https://melhamy.blogspot.com/2020/07/...
الدولة الإسلامية أم الدولة النيوزيلاندية
https://melhamy.blogspot.com/2019/04/...
تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.. لماذا يتكرر الجدل
ولمحبي الفيديو، تفضلوا:
تهنئة غير المسلمين بأعيادهم
كيف نقرأ تاريخنا بأعين أعدائنا، وكيف يؤثر هذا علينا


