فيلم ” ثلاثة وجوه “: نداء الحرية للمخرج الإيراني جعفر بناهي

رغم مصادرة جواز سفر المخرج الإيراني جعفر بناهي ومنعه من السفر ومزاولة إنتاج أفلام إلا أنه يبتكر أساليب عبقرية ليخلق أفلاما تصل للعالمية وفيلم ثلاثة وجوه الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته 71 لعام 2018 من الأفلام التي تثير فينا الإحساس أننا مع مخرج سينمائي يتحدى معوقات الإنتاج وينحت في وجداننا سينما تشبه الشعر، تتجاوز الدراما، ترسم لوحات فنية وإيقونات لتصور العمق الإنساني، كما يتفنن بأساليب سينمائية تدعونا للتأمل في هذا الفن الساحر ومراجعة فهمنا للسينما كفن وفكر ووسيلة تعبير إبداعية خطرة.



البعض يتحدث عن هذا الفيلم ليركز على قضية نظرة المجتمع الإيراني للممثلة وهي فعلا قضية طرحت بقوة ولكن تخلل الفيلم أكثر من حكاية وكان للمكان حضوره الساحر بدلالات وأساليب تعبر عن أحلام وقلق ساكنيه من القرويين الذين يشعرون بالعزلة ويتمسكون بالحلم رغم قسوة الواقع وشظف المعيشة كما إنهم يقيدون أنفسهم بعادات وتقاليد قديمة رغم أن فوق كل بيت ستلايت وأكثر بحسب تعبير أحدهم فأجهزة الستلايت أكثر من البشر الساكنين بهذه القرى الصغيرة المتناثرة على الجبال، يأتي رأي مرضية الفتاة الحالمة أن تكون ممثلة وتحكي للمخرج جعفر بناهي أن لا قانون هنا يمكن أن يحمي فتاة مثلها أو يفهمها فالناس هنا إبتكروا قواعد مرورية ذكية للتغلب على وعورة الطريق والتقليل من الحوادث المرورية لكن لا يمكن قبول مجرد مناقشة عادات وتقاليد ومفهوم الشرف والحكم بالموت على أي فتاة تخرج عن طوع العائلة.


تكون البداية تشويقية مقلقة حيث نرى فيديو للشابة مرضية تناشد الفنانة والممثلة الإيرانية المشهورة (بهناز جعفري) وتقول أنها حاولت أن تتصل بها ولم تجد أي رد وأنها تحبها وتريد التسجيل بمعهد الفنون في طهران لكن عائلتها ترفض وسوف يزوجونها وتمنت لو أن بهناز المحبوبة من أهلها تلبي ندائها وتدعم رغبتها ولكنها تشعر بالإحباط لذا تقرر الإنتحار بأحد الكهوف، تضع مرضية الحبل على عنقها ثم نرى صورا مهتزة وسقوط الهاتف.

تتوالى الأحداث ونرى بهناز جعفري وهي بسيارة يقودها جعفر بناهي بطرق جبلية وعرة وتؤكد جعفري أنها لم تستلم إستغاثة مرضية ولا أي اتصال وتسال بنهاي إن كان الفيديو حقيقيا أو خدعة ما ويبدو من تحليل بنهاي أنه صور بشكل مباشر ويبدو واقعيا يخلو من خدع إحترافية، تكون بهناز قلقة وتوبخ نفسها وتتمنى معرفة الحقيقة، يصلان إلى القرية حيث لا تظهر مظاهر الحزن أو ملامح حدوث كارثة لكن الشك يتصاعد بأن تكون عائلة مرضية تخفي جريمة قتلها خاصة بعد التأكد بوجود فتاة تسمى مرضية وأن مجرد ذكر اسمها يبدو مزعجا بالقرية، نكتشف أن مرضية حية وأنها فعلت هذه التمثيلية لتأتي جعفري وتنقذها، تغضب جعفري وتقرر العودة لطهران لكنها تتراجع لتساعد مرضية، كما يكتشف بناهي بوجود ممثلة قديمة تسمى شهرزاد وهي تعيش بعزلة ومنبوذة بسبب تاريخها الفني، هنا يتضح لنا معنى ثلاثة وجوه ووضعية كل ممثلة وحكايتها رغم أننا لا نرى شهرزاد ونسمع حكايتها إلا أننا نتعاطف معها ونشعر بوجعها.


أعتمد المخرج على الاضاءة الطبيعية واللقطات الطويلة خاصة بالمشهد الثاني ومن خلال نوافذ السيارة تفنن بناهي بخلق اطارات تشكيلية مدهشة، حركة الكاميرا ناعمة وسلسة، نحن مع مخرج لا يملك تقنيات كبيرة وربما امكانيات محدودة ورغم هذا فهو يقودنا بذكاء ليتوغل بنا في عالم واقعي فيه ما فيه من ألم وحلم وقلق.

في المقبرة نرى امرأة مسنة تفترش قبرها وتعلق فانوسا لينير لها بالليل وهي تخاف عذاب القبر وثعابين العذاب، يناقشها بناهي ويسألها لماذا تخاف عذاب القبر إذا كانت لم تفعل الشر؟ ترد المرأة أنها ربما لم تفعل شيئا يمكن أن يخلدها، رغم بساطة المشهد إلا أنه يدخل بنا لقضايا فكرية وإيدلوجية باللغة التعقيد كأننا مع المخرج السويدي انغمار بيرغمان ومناقشة معنى الإيمان حيث يحتفي بالبسطاء ويراهم أكثر قدرة على الحلم الطفولي والاعتقاد بأله قدير يمكنه أن يسعدهم في الحياة الأبدية بعد الموت ويجعل لهم جنة إذا رضي عنهم ويخافون أن يغضبوه حتى لا يزج بهم إلى النار، بناهي يلامس عدة قضايا إيدلوجية وفكرية في هذا الفيلم بمجتمع طفولي مهمش وفي نفس الوقت فهو ذكوري وكلمة الشرف تعني الكثير.


أعتمد بناهي على صوت الطبيعة وضجيج الحياة اليومية وسكون الليل ولم يتدخل بشكل مباشر لصنع مؤثرات كون ما يخلقه المكان أكثر بلاغة وقوة، كما أن الحوارات كانت بسيطة غير مبالغ بها تعبر عن أهل القرية فذلك الرجل الكبير في العمر والذي رزق بطفل ذكر يتمنى أن يكون مستقبل ابنه أفضل وبعيدا عن هذا المكان المقفر ويظن أن حمل الجزء من الجلد الذي اقتطع عند ختان ولده ودفنه بجامعة أو مكان جيد قد يتحول ابنه لمهندس أو طبيب، حلم طفولي أو خرافة قديمة المهم أن هنالك أمل على الأقل.


نرى أيضا ثورا انزلق وأصبح عاجزا يحاول صاحبه أن يسعفه وهو يتحدث عنه بفخر ومبالغة ليصفه بالثور الخارق وقوي الباءة وأن بوسعة التزواج مع عشر بقرات بالليلة الواحدة وهو ينتظر قدوم عربات محملة بابقار من مختلف النواحي، يتحدث صاحب الثور عن المشكلة حيت يتمنى إنقاذه ويآسف لألم الثور ولا يقبل ذبحه ليستفيد من لحمه، هنا تطرح الحكاية بمشهد بسيط دون مبالغة يترك لنا المخرج أن نفهم ما نحب فهمه دون توضيحات ما إذا كان للحكاية مغازي سياسية مثلا أو اجتماعية لمجتمع ذكوري تنهكه أوضاع حياتية واقتصادية وسياسية مرتبكة، قوة كل حكاية صغيرة أنها تأتي بعفوية لتضع أسئلة متشعبة وحساسة عن الواقع والمستقبل لهؤلاء وللمجتمع الإيراني، هذه القرى النائية المهمشة والمنسية لها حكاياتها والناس تحب أن تحكي وتتمنى أن نستمع إليهم ونراهم، حيث يأتي أكثر من شخص إلى بناهي وجعفري ويريدون استضافتهم فهم يرغبون بالكلام، يعتذر المخرج ويعدهم بزيارة ثانية كأنه يفكر بالعودة لمثل هذه الأماكن وربما نسمع ونرى مستقبلا أفلاما تغوص بقضايا وأمكنة مهمشة كأن هنا تفكير بماهية السينما ومن هم الناس الذين يستحقون أن نرحل معهم ونحاورهم.


أن تكون واقعيا ليس مجرد عرض الواقع الظاهر على السطح بل الغوص بدواخل النفس الإنسانية، هنا جعفر بناهي يتحرك ويقود سيارته حيث تظل الكاميرا بعدة مشاهد تلتقطها من داخل السيارة أو من وجهة نظر المخرج الذي قد يخرج ليركض أو يمشي ويراقب ما يحدث فقد نسمع جزء من الحوار ويحول نظره للوحة طبيعية أو ينظر لمكان فالبيت الصغير المعزول هو شهرزاد المنبوذة والتي استسلمت لقدر العزلة والتهميش وكأنه سجنا اجباريا أيضا يصعب عليها الخروج منه.

بناهي هنا يتمرد ويخاطر كل مرة ويصور فيلما جديدا ويبتكر حيالا لتهريبه ما تجعل أفلامه ناجحة هو هذه الرغبة بخلق سينما بامكانيات متقشفة والاعتماد الأكبر على ممثليين غير محترفين والبحث عن أمكنة تلعب دورا مهما وتصبح مشخصة ومعبرة وليس مجرد ديكورات صماء فكل زاوية تنطق بمعاني بليغة تتفجر بالشعر، بالسحر وقبل وبعد ذلك بالبعد الإنساني.



تم إنتاج هذا الفيلم بإحساس فني جذاب للغاية وإيقاع تشويقي مدهش بحيث تكون المشاهدة متعة من البداية إلى النهاية، نُحسّ بالشعر الرائع بقوالب صورية، ببراعة يمزج المخرج الإيراني بين الواقع والخيال والتشوهات ويفضح المجتمع الذكوري المتسلط، نتلمس تأثيرات المعلم الراحل عباس كياروستامي وشغفه بالطرق الريفية كأن بناهي يكرم معلمه ويؤكد على أساليبه حيث كان جعفر بناهي مساعدا لكياروستامي في العديد من الأفلام التي تم تصوير بعض مشاهدها خلف الزجاج الأمامي وعلى الطرق الضيقة والمتعرجة في مقاطعات نائية.

يحضر بناهي كممثل يجسد بناهي نفسه حيث إنه يتصل بأمه ببداية الفيلم يطمأنها أنه لا يصور فيلما جديدا وهو فقط في سفر مع صديقة بمنطقة نائية وقد ينقطع التواصل معها، هنا كأنه إن ما سنراه ليس صناعة ولا خداعا ولا مزاولة لمهنة بل لذة ورغبة لاستكشافات روحية وهي رحلة لم يخطط لها ولم يعد لها عدتها وجاءت لتلبية نداء إنساني.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on February 02, 2020 14:03
No comments have been added yet.


حميد عقبي's Blog

حميد عقبي
حميد عقبي isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow حميد عقبي's blog with rss.