احمد زكي فنان من جيل السينما الواقعية

يظهر نوعا من الكساد والكسل في الساحة النقدية السينمائية والفنية رغم وجود عشرات المهرجانات الكبيرة والمئات من المهرجانات الفنية الصغيرة لكن إلا القليل جدا ويُعبر البعض عزوفهم عن الكتابة بسبب ضعف المحتوى ويفضل غالبية النقاد أن يكونوا ضيوفا على الفضائيات وبرامجها الفنية والحديث مع كاميرات الأبسطة الحمراء بالمهرجانات، هناك أعمالا وفنانين وفنانات خالدات، أفلام لا تنسى وشخصيات نسيهم النقد والنقاد رغم أن مواقع التواصل الاجتماعي أحيت مئات الأفلام التي ظلت لسنوات طويلة مكرتنة ومخزونة في علب أشرطة الفيديو، هنا وفي هذا المقال سنحاول تسليط بعض الضوء على الفنان المصري الراحل أحمد زكي والذي نراه حيا منيرا في عشرات الأفلام التي لعب فيها شخصيات لا تموت.
نحتاج أحيانا لمعرفة الفنان وخاصة طفولته كونها ستظهر في أعماله ونشاطه الإبداعي وهنا لا يختلف نوع النشاط، كتابة، رسما، اخراجا أو تمثيلا وهذه النقطة كثيرة الحساسية والأهمية وتحتاج إلى الكثير من التأمل والدراسة التحليلية كوننا تعودنا على الوصف والظاهر ونتخوف من العمق والتفكيك، سنحتاج لأكثر من موضوع لمناقشة أحمد زكي كنموذجا إبداعيا فنيا يستحق التكريم والذكر وأن نتعلم منه.
اليتيم
تربى أحمد زكي يتيما حيث فقد والده وعمره سنة واحدة وبعد سنوات قليلة اضطرت أمه للزواج بحسب عادات الأرياف بذلك فقد والدته أيضا وهنا يعبر فنانا في حوار له عن هذه الحالة القاسية دفعته للتأمل المستمر في ذاته وتأمل ما يحيط به وهي حاله يصفها بمصاحبة مشاعرة باستمرار وهي أيضا مؤلمة وهي كانت كدافع للتميز في الدراسة وبذلك حاول بعمل صداقات لتعويض الأهل.
الاسمر الميكانيكي الريفي
في ثانوية الزقازيق الصناعية تفجرت ابداعاتة كممثل وكان أحد دوافعه وجود مسرحا مدرسيا نشطا وخلال ثلات سنوات خاض تجارب كثيرة في التمثيل ثم الاخراج وبعد تخرجه تقدم لمعهد الفنون المسرحي والذي كانت له شروطه الفنية المعقدة جدا وتمكن أحمد زكي من تجاوز كل الاختبارات ويعتبر أن قبوله بالمعهد خطوة هامة في حياته فالولد الاسمر الميكانيكي الريفي سوف تتغير ليتحول إلى ايقونة فنية عربية خالدة.
هناك من يبالغ بأهمية مسرحية “مدرسة المشاعبين” وتأثيرها في حياة الفنان أحمد زكي وهو عبر عنها بأنها صورة بمجلة أي تشير إليه كممثل وكان سعد اردش اختاره وهو طالب بالمعهد وكان دوره محدودا وكذلك مسرحية “العيال كبرت”، وبحسب رأيه أنها تجربة جيدة لكن الشخصية لم تحقق طموحه ولذلك اعتذر عن استكتمال المسرحية.
أحلام شخصية لم تتحقق
كان حلم أحمد زكي أن يتزوج ويكون لديه ستة أولاد وبنات على الأقل وكان يتمنى أن يجد زوجة تكون ربة بيت وتمنى أن يعيش طويلا ويرى أولاده وبناته كبارا ويعوض سنوات اليتم والحرمان.
قال زكي في أحد الحوارات الصحفية أن الغباء كان السبب في فشل زواجه مع الفنانه هالة فؤاد وتحدث في هذه النقطة في حوار اخر ووضح أن الحب جعل هالة تقتنع بالتنازل عن الفن لصالح الحياة الزوجية،
وكشف أن مع الحمل أحست أنها بحاجة للفن ثم تدخلت أطراف من العائلة ووصف نفسه أنه كان قاسيا وندم على ذلك، وخاض أحمد زكي علاقة عاطفية أخرى ولكن شروطه اعاقت زواجه.
من المسرح إلى السينما
ابتعد أحمد زكي عن المسرح وخاض تجارب سينمائية جميلة وبرر ذلك أن شروطه بالمسرح فهو كان لا يريد فقط العمل وكان يصف نفسه بعاشق المسرح لكنه لم يجازف مع نصوص ومواضيع ضعيفه حتى لا يفشل حبه مع المسرح.
بدأت رحلة زكي السينمائية بادوار ثانوية بعدة أفلام ( العمر لحظة، وراء الشمس، الأسكندرية لية..الخ)، ثم بدأت مرحلة البطولة مع محمد خان في فيلم طائر على الطريق ثم تحول أحمد زكي إلى أحد أهم نجوم السينما المصرية
وهو كان يدين بهذا الفضل له ولكل الجيل الذي عمل معهم وقد عمل 6 أفلام قوية ومثيرة مع عاطف الطيب وعمل كذلك عدة أفلام مع علي بدرخان ومع أهم المخرجين في جيله وكان أحمد زكي يرى أن الجيل الذي عمل معه وهو كانت رؤيتهم أن الفنان يعبر عن الواقع وهمومه وليس بيع الوهم وفي مسيرته الفنية شاهدنا أحمد زكي بعدة شخصيات تظل محفورة بذاكرتنا مثل المحامي الفاسد، الصعيدي، الهارب، الوزير الفاسد، الدجال وزعيم العصابة الديكتاتور، وكذلك شخصيات سياسية مهمة كالسادات وناصر كما جسد شخصية عبدالحليم حافظ وكلها شخوص رصدت هموم الشارع.
السينما كانت هي الحلم الذي تبحث عنه الناس في الأفلام الأولى ولكن مع المتغيرات وظهور الواقعية ونزول الكاميرا للشارع هنا على السينما أن تحقق الدهشة والتعبير عن الألم الإنساني.
حدثت له مشكلة حيث تم ترشيحه في فيلم الكرنك ولكن تم التخلي عنه بسبب الموزع الذي رفضه خوفا من فشل الفيلم ووصف شكله أنه قبيح وسببت له الحادثة بصدمة قاسية حيث سببت له المشكلة في خسارة ثلاثة أفلام كان تعاقد لبطولتها لكن إيمانه بالفن جعله ينهض ولا ينكسر.
رؤية إنسانية لمفهوم الفن السينمائي
من الأراء المهمة لدى أحمد زكي أن الفن يجب أن يكون معينا ومصورا للحياة والمجتمع بتفاصيله الصغيرة والكبيرة وهو أيضا عليه أن يبعث التفاؤل ويحل قضايا ويناقش مشاكل مجتمعية وأن يكون موجها للجميع وعلى الفنان أن يشعر بالسعادة حيث أنه قد يتعرض كصدمات.
عمل أحمد زكي عدة أفلام مع سعاد حسني وكان يعتبرها توئم روحه وفي وصفه لها بأحد الحوارات يصفها أنها فنانة عبقرية متواضعة ومثابرة فهي العاشقة للتمثيل والتي تجتهد في كل دور مهما كان وكأنها تمثل لأول مرة.
نجد أفلام كثيرة غنى فيها أحمد زكي مثل فيلم البيضة والحجر وغيره لكنه لم يعتبر نفسه مغنيا ولم يجازف بالغناء وهذه الأغاني في أفلامه كان يعتبرها أغاني الشخصيات وجاءت للتعبير عن حالة ولها دلالاتها الدرامية أو لحاجة خلق إيقاع فرائحي أو ترفيهي خفيف وليس لهدف كشف موهبة الغناء له كأحمد زكي فهو ممثل وليس مغنيا، نجد أن أحمد زكي لم يكن يرى نفسه ذلك النجم الوحيد وما سواه لا شيء وفي أحاديثه وحواراته نجده تحدث بلطف عن أي فنان أو مخرج حتى الذين كان قد اختلف معهم فنيا فهو لم يسفه ولم ينقص من قدر غيره وهذا جعله محل احترام وتقدير الجميع ولعلنا نتذكر التعاطف الشعبي المصري والعربي معه في فترة مرضه ثم الحزن والصدمة يوم موته وأحسسنا بهذه الصدمة مرة ثانية يوم موت هيثم أحمد زكي، لم يعش أحمد زكي ليرى نجله ممثلا محبوبا، لم يتحقق حلمه بعيال كثيرة ولكن أحمد زكي ترك سيرة عطرة وشخصيات حية لا نمل من العودة لمشاهدة أفلامه وهو نموذجا فريدا ومهما للتعلم منه كممثل حيث لم يغامر بالكتابة أو الأخراج وفشل كمنتج، شخصية فنية قدمت ادوارا وشخصيات مثيرة ونحتاج أن ندرس أفلامه بشكل أكثر جدية وتعمقا.
حميد عقبي's Blog
- حميد عقبي's profile
- 2 followers

