التأله.. الأب جورج فلورفسكي



إتِّباع الآباء: كان استهلال التحديدات العقيدية بعبارات مشابهة لعبارة "إتِّباع الآباء القديسين" مألوفاً في الكنيسة القديمة. فجمع خلكيدونية استهل قراراته بهذه الكلمات. والمجمع المسكوني السابع ابتدأ قراره المتعلق بالأيقونات المقدسة بطريقة موسّعة فقال: "إننا نتبع تعليم الآباء القديسين الذي أوحى به الله ونتَّبع تقليد الكنيسة الجامعة". فتعليم (didaskalia) الآباء هو المرجع النموذجي والرسمي. لكن هذا كان أكثر من "احتكام إلى القِدَم"، لأن الكنيسة شدّدت منذ البدء على ديمومة إيمانها واستمراريته على مر العصور. هذه الوحدة منذ أيام الرسل كانت إشارة جلية إلى الإيمان الصجيج وأمارة له. لكنَّ "القِدَم" في حدّ ذاته لم يكن برهاناً كافياً للإيمان الحقيقي، بل إن الرسالة المسيحية كانت "الجِدة" المؤثرة في "العالم القديم" والدعوة إلى التجديد الجذري. فالقديم زال وانقضى وصار كل شيء جديداً. أمّا الهرطقات فكانت قادرة على الاحتكام أيضاً إلى الماضي وعلى الاستشهاد بسلطان بعض "التقاليد". والواقع أنها تمسكت في أغلب الأحيان بالماضي فالإنسان يبقى دائماً هو هو، أي إنه كائن مخلوق. لكنه في يسوع المسيح، الكلمة المتأنس، وعده الله وأعطاه المشاركة الفعلية في ما هو إلهي، أي في الحياة الأبدية غير الفاسدة. إن الميزة الرئيسية للتألّه، عند آباء الكنيسة، هي الخلود واللافساد، إذ لله "وحده الخلود" (1تيمو6: 16). لكن الإنسان يُقبل الآن في "اتحادٍ" صميم بالله بواسطة المسيح وبقوة الروح القدس. وهذا الاتحاد هو أكثر بكثير من اتحاد "خلقي" ومن كمال بشري. وحدها لفظة "التألّه" تقدر أن تُترجم ترجمة وافية فرادة الوعد والعطاء. فهي تعيقنا وتربكنا إذا ما فكّرنا فيها من خلال المقولات "الوجودية" والكيانية. الإنسان لا يقدر أن "يصير" إلهاً، لكنَّ الآباء كانوا يفكرِّون على المستوى "الشخصي" ويرجعون إلى سرّ الاتحاد الشخصي. "التألّه" مواجهة شخصية، إنه هذا الاتصال الحميم للإنسان بالله الذي يخترق فيه الحضور الإلهي كل الوجود الإنساني. لكن المشكلة الباقية هي: كيف تنسجم هذه العلاقة مع التعالي الإلهي، وهل يلاقي الإنسان الله حقاً في هذه الحياة على الأرض؟ وهل يلاقي الإنسان الله حقاً ويقيناً في حياة الصلاة الحاضرة؟ أم هل نحن فقط بصدد "مقدرة مستقبلية" (action in distans)؟ ما قاله الآباء الشرقيون هو أن ارتقاء الإنسان في العبادة يوصله إلى ملاقاة الله وإلى مشاهدة مجده الأزلي. لكن إذا كان الله "يسكن في النور الذي لا يُدنى" فكيف نقدر أن نلاقيه؟ كانت المفارقة الظاهرية حادة بصورة خاصة في اللاهوت الشرقي الذي التزم دوماً الاعتقاد بأن الله "لا يُدرك" كلياً (akataliptos) وأنه لا يُعرف في طبيعته أو جوهره. هذا الاعتقاد عبّر عنه بقوة الآباء الكبادوكيون، في صراعهم ضد الأفنوميين، وعبّر عنه القديس يوحنا الذهبي الفم في مباحثه الرائعة "في عدم إدراكنا لله" (Peri Akataliptou). فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يدنو من الله في جوهره، وإذا كان اتحاده بجوهره مستحيلاً فكيف يكون "التأله" ممكنا؟ يقول الذهبي الفم: "من يبتغِ إدراك جوهر الله يشتمه"، والقديس أثناثيوس ميّز بين جوهر الله وقواه فقال: "هو موجود بصلاحه في كل الأشياء، لكنه يبقى خارجها بطبيعته الخاصة" (في مقررات مجمع نيقية 2). هذا المفهوم وسّعه بدقة الكبادوكيون. فقال القديس باسيليوس إن الإنسان لا يقدر أن يدنو من "جوهر الله" (ضد أفنوميوس 1: 14). إننا نعرف الله في قواه فقط ومن خلالها: "نحن نقول إننا نعرف إلهنا من قواه وأفعاله لكننا لا نعطي وعداً بأننا ندنو من جوهره، لأن قواه تنحدر إلينا، أمّا جوهره فيبقى بعيداً" (الرسالة 234 ضد أمفيلوخيوس). لكنّ هذه المعرفة لا تكون حدساً أو استدلالاً، إذ إن قواه تنحدر إلينا. وفي تعبير القديس يوحنا الدمشقي، هذه القوى إعلان عن الله نفسه: "الإشراق الإلهي والقوة" (العرض الدقيق للإيمان الأرثوذكسي 1: 14). فحضوره حقيقي ولا يكون فقط مثل "حضور الممثِّل فيما يفعله". ورغم التعالي المطلق في الجوهر الإلهي تعلو هذه الطريقة السرية للحضور الإلهي على كل فهم، لكنّ هذا التعالي لا يجعلها غير أكيدة بالنسبة للعقل.
في هذا المجال يستند القديس غريغوريوس بالاماس إلى تقليد قديم. فالله الذي لا يُداني يدنو من الإنسان "بقواه" سرِّياً. هذه الحركة الإلهية تُحدث اللقاء، فهي "حركة نحو الخارج" على حدّ قول مكسيموس المعترف (تعليق على كتاب الأسماء اللإلهية 1، 5).
يبدأ القديس غريغوريوس التمييز بين "النعمة" و "الجوهر" فيقول : "لا تكون الإنارة الإلهية المؤلِّهة جوهر الله، بل قوته" (الفصول الفلسفية واللاهوتية 68- 69). هذا التمييز اعترفت به الكنيسة رسمياً في المجمعين الكبيرين اللذين عُقدا في القسطنطينية سنة 1341 وسنة 1351. حتى إنها أبسلت من ينكر هذا التمييز. وهذه الإبسالات التي أصدرها مجمع سنة 1351 أُدرجت في خدمة أحد الأرثوذكسية في كتاب التريودي. فاللاهوتيون الأرثوذكسيون إذاً مُلتزمون بهذا القرار. بما أن الجوهر الإلهي لا يُدانى فمصدر التأله الإنساني وقوته لا يعودان إلى الجوهر الإلهي، بل إلى "نعمة الله"، لأن "القوة الإلهية المؤلِّهة التي يتألَّه بها المشاركون فيها هي نعمة إلهية لا جوهر إلهي" (المصدر نفسه 92-93). فما النعمة (Kharis) جوهراً (Ousia)، بل هي "النعمة الإلهية غير المخلوقة والقوة غير المخلوقة" (المصدر نفسه 69). لكنَّ هذا التمييز لا يحمل انقساماً أو انفصالاً (المصدر نفسه 127). إن القوى تصدر عن الله وتظهر كيانه ووجوده ولفظة "تصدر" (proiene, προιεναι) تشير إلى التمييز لا إلى الانفصال. "وإن اختلفت نعمة الروح عن طبيعتها، لكنها لا تنفصل عنها" (ثيوفانيس ص. 940). يفترض تعليم القديس غريغوريوس عمل الله الشخصي، أي إن الله يتحرك باتجاه الإنسان ويحتضنه "بنعمته" وفعله، من دون أن يغادر "النور الذي لا يُدانى" المقيم فيه أبداً. فكان الهدف الأسمى من تعليمه اللاهوتي الدفاع عن حقيقة الخبرة المسيحية، لأن الخلاص أكثر من غفران، فهود تجديد حقيقي للإنسان. وهذا التجديد لا يتمّ من خلال التحرر من بعض القوى الطبيعية الموجودة في طبيعة الإنسان المخلوقة، بل من خلال "قوى" الله نفسه الذي يلاقي الإنسان ويوحِّده مع ذاته. والحق، أن تعليم القديس غريغوريوس يؤثِّر في كل المنهج اللاهوتي وفي جسم العقيدة المسيحية. فهو يبدأ بالتمييز الواضح بين "طبيعة" الله و"إرادته". وهذا التمييز كان من ميزات التقليد الشرقي، على الأقل ابتداء من القديس أثناثيوس. في هذا المجال يمكن طرح السؤال التالي: هل ينسجم هذا التمييز مع "بساطة" الله؟ أم هل ننظر إلى هذا التمييز كتخمينات عقلية ضرورية لنا، لا أهمية وجودية لها؟ لقد هاجمه أعداءه من هذه الزاوية، لأنهم كانوا يعتبرون أن كيان الله بسيط وأن كل صفاته متطابقة. وأوغسطين ابتعد أيضاً عن التقليد الشرقي في هذا المجال، ولذلك يظهر تعليم بالاماس غير مقبول إذا قسناه بالفرضيات الأوغسطينية. وبالماس نفسه توقّع الاعتراضات التي يمكن أن تنتج عن تمييزه الأساسي فقال إنه إذا لم يقبله المرء لاستحال التمييز بوضوح بين "ولادة" الابن و"خلق" العالم، كونها من أعمال الجوهر. وهذا يقود إلى خلط وتشويش عقيدة الثالوث. وكان القديس غريغوريوس بالماس متشدداً في هذه النقطة إذ قال: "إذا لم تختلف القوة الإلهية في شيء عن الجوهر الإلهي، كما يعتقد أعداؤنا الذين يهذون من يشاطرهم الرأي، فلن يختلف فعل الخلق الذي ينتمي إلى الإرادة في شيء عن الولادة والانبثاق اللذين ينتميان إلى الجوهر. وإذا لم يختلف الخلق عن الولادة والانبثاق فلن تختلف المخلوقات في شيء عن المولود والمنبثق. وبهذه الطريقة لن يختلف ابن الله والروح القدس عن المخلوقات، وتصبح المخلوقات كلّها "من مواليد الله ومبثوقاته" وتتألَّه الخليقة ويُدرج الله بين المخلوقات. لذلك عندما أظهر كيرلس الموقَّر الفرق بين جوهر الله وقوته قال إن الولادة تنتمي إلى الطبيعة الإلهية حين أن الخلق ينتمي إلى قوته الإلهية. وهذا ما أظهره بوضوح عندما قال: "ما الطبيعة والقوة شيئاً واحد". إذا كان الجوهر الإلهي لا يختلف عن الخلق والصنع. إن الله الآب يخلق بالابن في الروح القدس. ولذلك يلد الله ويبثق، وفق رأي أخصامنا ومن يوافقهم، بالابن في الروح القدس" (الفصول 96-97). هنا اقتبس بالماس مقطعاً كيرلس الإسكندري، لكنَّ القديس كيرلّس كان يردد ما قاله القديس أثناثيوس الذي أكَّد، في دحض الآريوسية، الفارق الكبير بين الجوهر (أو الطبيعة) والإرادة. الله موجود قبل أن يفعل وهناك نوع من "الضرورة" في الكيان الإلهي، لكنها لا تكون ضرورة إكراه أو قدر، بل ضرورة الوجود نفسه، الله هو ما هو، فهو حرّ الإرادة كلياً. هو لا يُكرِهُهُ أحد على فعل الأشياء التي يقوم بها. لذلك تكون الولادة دائماً "بحسب الطبيعة"، أمَّا الخلق فيكون "عمل الإرادة" (ضد آريوس 3، 64-66). هذان البعدان، بُعد الوجود وبُعد الفعل، يختلفان، بل يجب أن نميِّز بينهما بوضوح. ومما لا شك فيه هو أن هذا التمييز لن يعرِّض "البساطة الإلهية" للخطر، لأنه تمييز حقيقي لا مجرَّد صورة منطقية. لقد وعى بالماس أهمية هذا التمييز فكان في هذا المجال خليفة أثناثيوس الكبير وخليفة أساقفة كبادوكية الكبار حقاً. اقترح البعض مؤخراً أن نَصِفَ لاهوت القديس غريغوريوس بعبارات حديثة كعبارة "اللاهوت الوجودي". والواقع أن لاهوته يختلف جذرياً عن كل المفاهيم الحديثة التي تدلّ عليها عادة هذه العبارة. وفي أي حال فإنه قاوم بقوة كل أنواع "اللاهوت الجوهري" (Essentialist) الذي فشل في تفسير حرية الله ودينامبية إرادته وحقيقة عمله الإلهي، وأرجع هذه النزعة إلى أوريجنس. فهذا هو المأزق الكبير الذي وقع فيه الميتافيزيقيون اللاشخصانيون اليونانيون. وإذا كان هناك مجال لميتافيزيقيا (ماورائية)  مسيحية فيجب أن تكون ميتافيزيقية الأشخاص. انطلق بالماس من تاريخ الخلاص ومن التاريخ الكتابي القائم على الأعمال الإلهية، هذا التاريخ الذي بلغ أوجه في تجسد الكلمة وفي تمجيده بالصليب والقيامة. أمّا إذا تحدَّثنا عن تاريخ الإنسان المسيحي الذي يسعى إلى الكمال فإننا نراه يرتقي درجة درجة حتى يلاقي الله في رؤية مجده. كان وصف لاهوت القديس ايريناوس "بلاهوت الوقائع" مألوفاً. ولذلك نقدر أن نصف لاهوت بالماس بأنه "لاهوت الوقائع" أيضاً، وذلك بقوة التبرير نفسه. وفي أيامنا هذه نحن نقتنع أكثر فأكثر بأن "لاهوت الوقائع" هو وحده اللاهوت الأرثوذكسي السليم. فهو لاهوت كتابي وآبائي يلائم كليّاً فكر الكنيسة. لذلك يمكننا أن نعتبر القديس غريغوريوس بالماس مرشدنا ومعلِّمنا في سعينا إلى التكلّم في اللاهوت من قلب الكنيسة.    
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 01, 2018 05:39
No comments have been added yet.