التأله للقديس أثناسيوس الرسوليّ (الجزء الثاني)


يتجه القديس أثناسيوس في توضيح كيفية حصولنا على التبني بغاية الاختصار والدقة، باعتبار أن عملية التبني لا تعني إطلاقاً دخول شيء جديد على حياتنا من خارجنا وبعيداً عنا، ولكن بواسطة حصولنا على “الاتحاد” به أي بشخصه هو، باتصال عضوي كاتصال الرأس بأعضاء الجسم، وليس كمجرَّد علاقة تحكمها المشيئة أو العواطف أو ارتباط معنوي. وأهم ما في منهج أثناسيوس من جهة علاقتنا بالمسيح أنه دائماً أبداً يؤكِّد على حقيقة الاتحاد الذي يتم بين المسيح وبيننا، وعلى الحياة الإلهية التي نحصل عليها فيه. ويوضِّح دائماً أن هذا الاتحاد وهذه الحياة هما بآن واحد برهان وثمرة مباشرة للاهوت المسيح ومساواته للآب، وأيضاً برهان لقيامته من الأموات التي أكملها في جسم بشريته لحسابنا. فحقيقة لاهوت المسيح وحقيقة اتحادنا به هما الأساس الذي بنى عليه أثناسيوس حقيقة الخلاص وكل ما يتعلَّق بالخلاص، كالتبني وقبول الحياة الأبدية مع الله ونوال صفات المسيح والشركة في مجده كميراث في الآب. وينتهي من هذا إلى أن بنوَّة البشرية لله بواسطة المسيح صارت أمراً حتمياً بسبب ابن الله، وهو الابن الوحيد الذي صار إنساناً، أي أن التبني هو ثمرة التجسُّد الإلهي. التبني عقيدة أساسية محبوبة للغاية عند أثناسيوس، وهي جزء أساسي في عملية التألُّه، أو حصيلة وثمرة أساسية للتألُّه أي الاتحاد بالله. فحينما نتحد بالكلمة المتجسِّد (نتألَّه)، نصير أبناء الله بالتبني. بل إن بمجرَّد اتخاذ الله الكلمة أو كلمة الله لجسدنا خاصة له ليظهر فيه كإنسان، صرنا في الحال بمقتضى قرابتنا ونسبنا له أبناءً بالتبعية. وأثناسيوس يؤكِّد موضِّحاً أن التجسُّد الإلهي تمَّ لكي يمنح الله للإنسان حالة التبني، على أساس أنه كان يستحيل على الإنسان الحصول على التبني ليس بسبب الخطية في الأساس ولكن بسبب أن طبيعته المخلوقة غير مؤهَّلة للتبني من تلقاء ذاتها. صحيح أنه يتحتَّم أن تُرفع الخطية أولاً - التي اقتحمت طبيعته - ويبطل فعلها القاتل للنفس، قبل أن يحصل الإنسان على التبني، ولكن إمكانية حصول الإنسان على التبني كان من المستحيل بلوغها بدون تجسُّد الكلمة. وهذه الحاجة الأساسية للتجسُّد الإلهي تُنسب - بحسب أثناسيوس - إلى حقيقة أننا مخلوقون عاجزون تماماً بحسب طبيعتنا أن نحصل على بنوَّة الله التي ترفع الخليقة من حالة العبودية والموت إلى حالة الشركة في الطبيعة الإلهية وبلوغ حرية البنين، الأمر الذي أسَّسه ابن الله في جسده أولاً لحسابنا. لذلك لا يملُّ أثناسيوس مئات المرَّات وهو يكرِّر: [إن ابن الله صار إنساناً لكي يصير بني البشر أبناءً لله] [لا يوجد تبنِّي بدون “الابن الحقيقي” لأن هو نفسه يقول: «ليس أحد يعرف مَنْ الابن إلاَّ الآب، ولا مَنْ هو الآب إلاَّ الابنُ، ومَنْ أراد الابن أن يُعلن له» (لو 22:10)، وعلى ذلك فإذا كان كل الذين يُدعون أبناءً لله وآلهة (نالوا الاتحاد بالله) - بالنعمة - سواء في الأرض أو في السماء (أرواح تكمَّلت في الإيمان) قد نالوا التبني والتألُّه “في الكلمة”، ولأن الكلمة هو ابنٌ، فواضح أنه مصدر كل بنوَّة لأنه ابن قبل الكل، وأنه حقـًّا هو الابن الوحيد، وأنه إله حق من إله حق.](
([1]) Contra Arian, 1, 39, P.G. vol. 26, 93, cited by Merch. ([2]) Contra Arian, II, 69, 70, P.G. vol. 26, 293-6; cited by Merch. ([3]) Ibid., P.G., vol. 26, p. 296. ([4]) Contra Arian., II, 59, P.G. vol. 26, 273, cited by Merch.  ([5])Contra Arian., III, 57, P.G. vol. 26, 444, cited by Merch. ([6]) Contra Arian, III, 33, P.G. vol. 26, 393, cited by Merch. ([7]) Contra Arian, III, 34, P.G. vol. 26, 379. ([8]) See: The Whole Christ, by Merch, p. 275. ([9]) Contra. Ar. II, 74. ([10]) Contra Arian, III, 22, P.G. vol. 26, 368, 369 cited by Merch. ([11]) Contra Arian, III, 22, P.G. vol. 26, 368. ([12]) Contra Arian, Discourse III, ch. 25:10, 19-25. ([13]) See: The Whole Christ, by Merch, p. 277. ([14]) Ibid. p. 278. ([15]) Apologia pro fuga, 13; P.G. 25, 661, cited by Nerch. ([16]) Contra Arian, 1, 21, P.G. vol 26, 96, 97, cited by Merch. ([17]) Mohler, Athanas. der Grosse und die Kirche. Mainz 1827. p. 122. ([18]) إلى سيرابيون. رسائل الروح القدس 31:1.
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 01, 2018 05:18
No comments have been added yet.