إلى هذه الذكرى العطرة

كانت أمي، رغم إنها مش متعلمة لا هي ولا أبويا الله يرحمهم، لكن كان عندها الكثير من الخير والوعي والإحساس بالأشياء من حولها. هي توفت وأنا دون العاشرة لكن بفتكر كل القيم اللي كانت بتتجسد في أفعالها قبل أقوالها. كان إيمانها مش فالدين بس، لكن في كل فعلها هو تجسيد لأن "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". وكنت أشوفها بتتعامل مع أبويا وإخواتي وجيرانا والناس اللي أفقر مننا ازاي وأقول إنها أحن وأهدى إنسان في الدنيا كلها. أبويا اللي وداني الكُتّاب عشان أحفظ القرآن لكن أمى اللي كان نفسها أكتر إني أختم القرآن وأبقى حامل لكتاب الله (وهذه حمولة وخلق ومسئولية كبيرة لمن يدركها) وكانت بتخليني أحفظها على قد ما تقدر عشان تعرف تصلي وتتأمل، وكمان عشان تفرح بثمرة كفاحها مع أبويا في تعليمي وتربيتي على حب العلم. واتممت المصحف بعد وفاتها بسنة وألزمت نفسي كل عام من وقتها بتخصيص ختمة قرآن لروحها في ذكراها السنوية (وطبعا لروح وذكرى أبويا في نفس ختمتها دي). أمي هي اللي علمتني الاستيقاظ في الفجر يوميا وعدم اهدار الوقت قدر الإمكان. وهي اللي كانت (من غير ما تقول) بتصحى قبلنا كلنا وقبل ميعاد شغلها وتحط طبق في البلكونة فيه مية وطبق تاني فيه شوية قمح أو أي حبوب صغيرة متاحة عندنا.. ومرة قلقت قبل ما هي تصحيني وقمت مفزوع ادور عليها وشوفت اللي بتعمله وسألتها، قالتلي ده عشان احنا في الصيف وممكن الطير الأخرس ده ييجي يشرب أو ياكل أو ياخد شوية ضل عندنا. (يومها بالليل ربطت رجلها ورجلي بفتلة عشان متقومش قبلي، وقامت برضه من غير ما أحس بيها :) ) وزي أي طفل صغير كنت بفرح بلبس المدرسة وجزمة المدرسة الجداد، وساعات أشوط الطوب في الشارع أو نلعب كورة ببذرة الدوم بعد ما ناكلها. كان أبويا بيزعل مني لأن وضعنا كان بسيط جدا ومش محتمل أكتر من جزمة في السنة (وربنا عالم إنها كانت تقيلة حتى عليهم) لكن أمي بحس صوفي وفطري جواها كانت بتحاول تعلمني إني أراعي ربنا في التعامل مع كل الأشياء.. يعني الجزمة مش هتقدر تشتكي لربنا من قسوتي عليها؛ لكن لما اتعامل برفق مع كل حاجة هكون إنسان طيب وربنا يحبني أكتر واستحق فعلا أكون شخص كويس. وكانت بتقولي على حديث سمعته من أبوها وهي بتسأله عن حاجة، فقالها يعني بالرفق والسكينة يا بنتي. وكمل قبل ما تسأله (عن الحاجات اللي بتضايق ساعات) فقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله". الرفق ده اللي كان سلوك أمي مش مجرد كلام أو توجيه، أصبح سلوكي في هذا الوقت المبكر.. بقيت أدخل البيت وأقلع جزمتي وأطبطب عليها وأنيمها تحت الكنبة :) وبقيت بعمل كده مع كل حاجة بستخدمها (مش حرص لكن رفق) وأنا ماسك الكتاب بقراه برفق، وأنا بفتح باب الشقة برفق، وأنا بنزل ساعات من البيت أيام الأجازة رفقا بالمروحة.. يمكن عدت سنين علي وكان مش ده سلوكي في بعض المواقف؛ لكن مع العمر برجع للنبع الأصيل ده وبعيد اكتشاف نفسي وبدعي بالرحمة لأمي (وأبي) طبعا.
أما أبي العزيز من يوم وفاة أمي ليوم وفاته، وبين التاريخين 19 سنة، مفيش أسبوع فات في كل المدة الطويلة دي من غير ما كنا نروح السوق ونشتري برتقان أو الفاكهة الموجودة أو حتى (ملبس وأرواح) ونفرقه على العيال الصغيرة في الشارع رحمة ونور على ذكرى أحن وأطيب إنسانة في حياتنا.
3 likes ·   •  2 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on August 09, 2017 06:05
Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Abu Hasan (last edited Sep 16, 2017 09:15AM) (new)

Abu Hasan محمد عبيد رحمها الله ووالدك
وأطال عمرك في طاعته


message 2: by [deleted user] (new)

ورحم أمواتنا جميعا
وبارك فيك يا صديقي العزيز


back to top