من ليالي الوحدة

عدت في الليل إلى شقتي. تسلقت السلالم حتى الطابق الرابع. همست الرياح بروحها عندما مثلت أمام بابها , و تسلل نور السطح في منور الدرج. لم تكن هذه الليلة من الليالي التي يحرسها القمر , وينير بإطلالته ظلمات الشقة المعتمة. هذه الشقة التي كنت أخاف من النظر إليها ليلاً , عند صعودي ونزولي من السطح , و خصوصا في ليالي الصيف الحارة التي تنقطع فيها الكهرباء. اليوم أنا أسكنها كروح تلبست المكان , و لكنني مازلت أخافها , وما زلت أفضل البقاء فى وسع فضاء سطح المنزل.
هل أطرق الباب على شقتي ؟ . أم أدفع بمفتاحي و أدخلها دون استئذان , و ربما يكون صوت تكات المفتاح استئذاناً كافياً لساكنيها. مازلت أخاف أن أدخلها بغتة فألتقي بأحدهم قد غفل عن قدومي المفاجئ هذا .. أنا لا أريد أن أخيفهم , و لا أريدهم أن يخيفوني .. بالطبع لن أطرق الباب على شقة خالية من البشر , ففضلت أن أتنحنح عند دخولي وأن أسعل بصوت منخفض ؛ فأنا أيضاً لا أريد أن أزعجهم.
فتحت الباب الذي يخفي عتمة الشقة الواسعة , فسحب ظلامها روحي من قلعة صدري الحصينة , و قفز قلبي خائفاً بين رئتين ملأتهما برائحة الشقة العطنة , أغمضت عيناي و دفعت نفسي بأول خطوة فيها , فلم يزداد ظلام الشقة ظلاماً , و لكن زاد ظلام روحي وعقلي .. و لكنني أفضل أن أرى عتمتي الخاصة , من أن أرى سكان عتمة شقتي .. و لسخافة الفكرة عدت ففتحت عيناي , ووجهت النظر إلى الأمام .. نظرت إلى أول غرفة تستقبل باب الشقة , و هي الغرفة الوحيدة التي أطؤها في ليالي الكهرباء المقطوعة.
تحركت متجهاً لغرفتي ببطء شديد , كأنني أتجنب ايقاظ كلب نائم على جانب الطريق .. و أي كلبٍ هذا .. أراه في نهاية الصالة يهرس شيئاً بين فكيه , أسمع زمجرته , و أحياناً أسترق النظر فأرى عينيه البراقتين . و في لحظة لا أشعر بها , أجد نفسي أصوب بنظري إليه . أتأكد من وجوده . لكنه دائما يختفي بسرعة , يلاعبني لعبة الوهم والحقيقة ... و قبل أن أدخل غرفتي الوحيدة .. أراه .. يدور في البيت , يتفقد حاجاتي في الصالة .. هذا الذي تجعلني رؤيته أتجمد خوفاً , و يرتعش جسدي كعصفور يموت في برد الشتاء . تصيح أنفاسي بزفير طويل , و تستنجد كل شعرات جسدي في وقفة ثابتة غير مرتعشة , فلا أعود أشعر بسياقي تحملني , و كأن الشتاء قد عصف باكرا بي هذه السنة ... أنه أنا.. يقف بعيداً في ظلام الصالة... له وجهي و جسدي , لكنه دائما يرتدي قميصي البرتقالي . ترى من هذا ؟ و ما يريد ؟ .... أهو روحي التي تفارقني كل يوم , أم هو توأمي الشرير يخطط لأخذ مكاني ... و ان كان هو الشرير فماذا أكون أنا ؟؟؟
أدفع باب الغرفة خلفي , و أتأكد من احكام اغلاقه بدورتين للمفتاح , انير بموبايلي المتواضع فضاء الغرفة المعتم .. سرير ينام بجانب الجدار و يحتمي به من وحشة الغرفة , مكتب قديم يكسوه الكثير من الكتب الطبية التي ما عدت أطيق النظر في وجوهها .. حاسوبي المحمول فوق المكتب ما زال مفتوحةٌ شاشته الصماء المعتمة , كأنها شاهد قبر كبير على ربوة كتب الطب الكريهة .. هذا العفش القليل هو كل ما تبقى لي من صحبة في يومي , و من ونسٍ في وحشة وحدتي المتجددة.
دفنت نفسي في السرير , أغمضت عيناي هاربا من واقعي , إلى عالم الأموات الذي أطلب فيه راحة يوم مجهد . لقد اعتدت على الأرق قبل النوم , و لكن في هذه الشقة فهو قلق مختلف .. أرق أسمع فيه صوت موسيقى متسللة من الغرفة البعيدة التي لا أدخلها ليلاً أو نهاراً , و أرق أسمع فيه زمجرة كلب كبير يحوم على باب الغرفة من الخارج , و أرق تهمس به الخيالات في أذني , أنتفض من الفراش أتلفت حولي , و أسترق أسمع صوتي أو صوت توأمي يتكلم بالهاتف , و يبدو أنه يحيك مآمرة ما , و ليتها لا تكون ضدي انا , ثم يلمع الشبح كاسبر الأبيض في ركن من زوايا الغرفة , و لكنه لا ينيرها , ففي الوحدة لا ترى غير الظلام , حتى ولو تخيلت نوراً ... ثم أدفن نفسي تحت الغطاء و أكتم أنفاسي لعلي أنام أو أموت.
و لكن لا تنتهي كوابيس اليقظة إلا عندما تبدأ كوابيس النوم , فأستيقظ من نومي مخنوقاً بعدما أمسكت تلك اللاتينية مقطوعة الرأس بتلابيبي و حبستني بين ذراعيها الداميين . أقوم مسرعاً إلى كوب الماء على المنضدة في الغرفة , و بعد أن أتجرع طعمه المر , أستدرك أنه ليس في غرفتي منضدة و ليس عليها كوب ماء , و قبل أن أختنق بما شربته , أستيقظ من نومي مرة أخرى , تبدو لي هذه المرة حقيقية , أقوم من الفراش في نشاط غير حقيقي .. أقف على شباك الغرفة , أراقب القمر الكبير في رحم السماء , ليت نوره ينير قنديله أمل في روحي التعسة , لكنه لم يبقَ هناك أي متسع في صدري إلا للحزن و الألم . لِمَ لا أموت و تنتهي الرواية , لِمَ لا أقفز بعيداً عن الحياة . فأتسلق شباكي و أقفز إلى أسفل , و قبل أن أرتطم بالأرض ينفرج من ظهري جناحي خفاش كبير , فأصيح مذعوراً من الفراش مرة ثالثة , لأجد أمامي أحد سكان شقتي . ذلك الأبيض القصير حليق الرأس الذي سرعان ما يقفز فوق صدري , ويسدد لي لكمات متتالية في وجهي , أدفعه عن نفسي فأدفع اللحاف بين حطام الغرفة التي تداعت فوق رأسي , و حلقت فوقها طائرات الاحتلال , فأقفز من الفراش , لأستيقظ مرة أخرى أجد نفسي ممدد على الأرض.
أتحسس آلام كتفي , و أنتظر يدي الخدرة حتى تعود إلى حالها , أتنهد هواء الغرفة فلا أستنشق سوى غبارها , أزفره بسعلات متقطعة .. أجلس على الأرض بجانب السرير , أتفقد الغرفة بضوء موبايلي لأتأكد أنني عدت من معجزة النوم و الحلم , أطقطق أصابعي فتؤلمني .. أقوم إلى الحمام , أرغب في دفن رأسي تحت الماء البارد , لعلي أفيق من كوابيسي .. أتناسى وجود الأرواح و الأشباح التي تسكن معي , أفتح الباب بعد أن طرقت عليه ليتركني الكلب الجاثم خلفه و يغادر , وعندما فتحت الباب لم يكن هناك ظلاماً , و لكنني وجدتها هي.
هي التي تركتني منذ سنين و لكنها لم تفعل , هي التي تزور أحلامي بين حين و آخر , هي كما أعرفها و لكن تختلف قليلاً هذه المرة , فانا اعتدت رؤيتها كما كانت تشرق كل يوم صاخبة بعشقها للحياة , هي التي تلون الليل بألوان الطيف , هي التي تعزف للحزن نغما يحييه , هي الحزينة التي لا تذبل , هي الضعيفة التي لا تركع , هي النجمة في تجهم الليل , و الزهرة فوق جثة الصحراء , و النسمة في قبر حياتي , و العطر الذي يداعبني , و النغم الذي يراقصني , و آخر ضوء في قلبي , عندما تنطفئ كل أنوار الحياة.
لكنني و لأول مرة أراها بصورتها الجديدة , ترتدي قميصها الأخضر المرسوم عليه طائر البوم .. و ينسدل شعرها الأحمر كالحمم على جانبي وجهها الشاحب, و مات لون عينيها الزرقاوين في جبينها الذي لطخته الدماء .... هذه المرة الأولى التى أراها فيها جثة لا حراك .. لا روح فيها و لا حياة .. تمزق قميصها و تقرحت ذراعيها الناعمين, و طل بياض جسدها من بين الخدوش .. شعرت برغبتي بها , حتى وان كانت على هذا الحال , شعرت بشهوتي المحرمة تعود من جديد , شعرت بالحنين إلى دفئها , شعرت بحاجة جثتي إلى جثتها , فكلانا أموات , لا فرق بيننا .
لكنها اليوم لا تبدو لي كما عودتني , هي الآن جثة أرى فيها أحزاني و أشواقي , خيالاتي و أوهامي , أراها تحمل حباً دفينا , و لكنها تحمل ذنباَ عظيماَ , تحمل ذنبي و جريمتي أنا , تحمل ذكرى السنين , و همسات الأسرار , تحمل عشقاً لم يولد , تحمل الخيانة التي مضت بسببي في طريقها , تحمل ذنب أسرة تفرقت , و عائلة تناحرت , تحمل الأنانية المفرطة التي سحبتنا إلى عمق الهاوية , تحمل ضحكنا و بكائنا. تحمل صدقنا و كذبنا , تحمل قوتنا وضعفنا,
تداعت ثم هوت , استدركت سقوطها و انزلقت التقطها, و بين ذراعاي تلاشت و اختفت ... هي دائما هكذا ترحل مسرعة لا تودعني .... عدت من عالم الأموات إلى عالم الأشباح مرة أخرى... وقمت من كابوس النوم إلى كابوس الحياة ... شعرت بموت روحي ممددة على السرير , فعلمت أنني قد عدت للواقع , و لكنني انتظرت قليلاً فلربما تأخر حلماً ضالاً مازال يحوم في رأسي , فلربما تخرج لي تلك اللاتينية مرة أخرى , أو أجد جثتها تنام بجانبي كما اعتادت , أو ربما تطل علي شجرة الفواكه التي أراها دائما في منامي , و ربما تطل شجرة الشياطين الملعونة تلك التي اعتادت أن تختطفني , و ربما يدخل على كرسي الحمام و يهاجمني , و غيرها كثير من كوابيسي المتكررة , مثل ذلك الكلب الذي خرج من الحلم وأصبح يسكن معي في الشقة , فاعتدت صوت زمجرته لدرجة أنني بدأت أكتبها في تعليقاتي و رسائلي في مواقع التواصل .
و ربما لم يخرجوا من الحلم و من عالم الأموات ذاك ... ربما بعد موتها وجدت أنا طريقي لعالمهم , و فتحت بوابة بين العالمين أتسلل كل يوم لأجد روحها المنسية بين الأرواح , فلماذا لا أستطيع أن أسحبها معي إلى عالمي كما سحبت الكلب و توأمي الغريب و كاسبر و ذلك القصير الأبيض .... لماذا لا يمكن؟؟.. لربما لأنها هي التي ترفض... نعم هي التي ترفض , هي لا تريد أن أنجرف كما فعلت . و لكنها تريدني أن أبقي ذكراها , تريدني أن أتكلم و أعترف.
سأتكلم و سأعترف ....
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 29, 2016 06:50 Tags: اكتئاب, خيال, رعب, عاطفة, عتمة, ليل, وحيد
No comments have been added yet.