فى الإبداع : الخلق وإعادة الخلق
لكل منا ثوابت ومتغيرات، وإن إختلفت من شخص لأخر ، غير أنى أظن أن للمبدع رؤية مختلفة دائما .. فثوابته متغيرة عن الإنسان العادى الذى يراها محدودة جدا ، لينتقل العالم بين خلجات قلبه وعقله إلى متغيرات كثيرة ، يجول فيها ويبتكر مابداخلها مع كل فكرة وكل إحساس يمر به.
يرى بعض المفكرين أن لبعض الكتاب دنياهم وخلقهم متحدين بهذا أقدار الحياة ، فينطقون الجماد ويتحركون مع الزمن أو المكان بلا فواصل أو معايير ثابتة ، بل يخلقون كائنات لاوجود لها فى دنيانا فتصير مثلنا تأكل وتعيش ، وكأنهم خلقوا خلقا جديدا ليس له وجود.
أجدنى مختلفا مع فرضهم هذا ، وأرى أنه مهما تخيل الكاتب فى إبداعه أن له خلقه الخاص الذى فاض فيه من روحه وكيانه ، إنما هو إعادة خلق لما هو كائن ولكن بأشكال مختلفة فرضها عليه واقعه من ماض وتراث تشبع به ، وإن إمتلك بعض الأحلام الخاصة والرؤى المختلفة لكنه لايخرج أبدا من عباءة ماهو موجود ومفروض عليه.
إسمحوا لى أن أعود لكلمات فيلسوف الكتاب توفيق الحكيم فى كتاباته فى هذا الموضوع لأسترشد به وهو يقول (كتاب فن الأدب) : إن الخلق فى الأدب والفن - وربما فى كل شئ- هو أن تنفخ روحا فى مادة موجودة . لاشئ يخرج إذن من لاشئ .. كل شئ يخرج من كل شئ .. ويكمل : إنما الإبتكار الأدبى والفنى : هو أن تتناول فكرة قد تكون مألوفة فتسكب فيها من روحك مايجعلها خلقا جديدا.. إن الفن ليس فى الهيكل ، إنه فى الثوب . والفن هو الثوب الجديد الذى يلبسه الفنان للهيكل القديم . إنه الكسوة المتجددة لكعبة لا تتغير.
نعود لموضوع الثوابت والمتغيرات ، فالحياة خلقها الله بشكل نعيشه جميعا .. بشر من ذكر وأنثى، تحكمنا الطبيعة بقوانينها فى الزمان والمكان وحولنا مخلوقات من حيوان ونبات وجماد فى أرض يابسة أو ماء تحت سماء الخالق .. كلها قد تكون ثوابت لشخص ما ، ولكن هناك من يفكر ويتأمل فيغير من ثوابتها فى تصويره لها جميعا واحدة تلو الأخرى ، بل يتمادى البعض لتصوير ألهة جديدة منها الطيب أو الشرير (لاأميل لهذا) ، ولكنى أراهم مهما غيروا من ثوابت الحياة مازالوا تحت مظلتها مقيدين.


