لماذا غابت كتب الشعر لمصلحة الروايات العالمية؟ مشاركة: د.علياء الداية

"الشعر يتطلّب من القارئ نوعاً من اليقظة للدخول في عالم حلم الشاعر"... من مشاركتي في موضوع:

لماذا غابت كتب الشعر لمصلحة الروايات العالمية؟.. أزمة في الشعر أم في القراءة... وندرة المتابعين؟
إعداد: زيد قطريب
صحيفة تشرين

المشوار يبدأ من تحت جسر فيكتوريا حيث تتربع بسطة كتب شهيرة تعرض أحدث الروايات العالمية التي تمت ترجمتها إلى العربية.
كتب أنيقة مغلفة بالنايلون تحمل أغلفتها أسماء لها سمعتها في المشهد العالمي بدءاً من باولو كويلهو وإيزابيل الليندي، وصولاً إلى كازانتزاكي وهمنغواي وغابرييل غارسيا ماركيز.. وانطلاقاً من هذا المكان باتجاه الحلبوني أو البرامكة تحت الجسر، فإن المشهد يكادُ لا يختلف تقريباً، إنها الروايات العالمية المترجمة التي تستولي على الواجهة على حساب كتب الشعر التي تغيب أو تكون نادرة في أقل توصيف، إلى درجة أن العابر يتمنى أن يعثر على كتاب للماغوط أو درويش أو فايز خضور أو أدونيس أو سعدي يوسف..
إنه الشعر أو «ديوان العرب» وسجل مآثرهم وتاريخهم، يترجل عن رفوف المكتبات ويغيب عن البسطات لمصلحة فنون أخرى معظمها تمت ترجمته من ثقافات أخرى!. هل المسألة مرتبطة بمآزق الشعر التي ما فتىء يشير إليها النقد؟، أم إن مزاج القراء قد تغير؟، هل بات الشعر متشابهاً جداً إلى درجة تصح فيه مقولة «كثر الشعر وقلّ الشعراء» لذلك هجره الناس على عكس ما كانوا يفعلون في السابق عندما كانوا يتابعونه في كل شطر وبيت؟. في المقابل، فإن المهتم سينتبه إلى حضور بعض الكتب المرتبطة بجذب أهواء المراهقين العاشقين، مثل أشعار الحب عند نزار قباني بدافع الحصول على مبيعات عالية وربح وليس بعامل الاهتمام بالشعر سواء من قبل البائع أو الشاري أو القارئ إن صح التعبير!.
لا يختلف أحد أن تقنيات «الريزو» قد سهلت موضوع السطو على الكتب العالمية من أجل الحصول على «مرابح» بأقل تكلفة، لكن المشكلة هنا ليست في موضوع التكلفة المادية المتحكمة بذوق القارئ أولاً، لأن البائع يهرع لإرضاء طلب القراء بغض النظر عن العناوين، لكن النتيجة تقول إن إقبال المهتمين أكبر على الروايات العالمية تقابله ندرة في قراءة الشعر ومحاولة تتبع إصداراته، والدليل غياب معروضات الشعر عن واجهات مكتبات الأرصفة والمكتبات العامة الشهيرة بشكل كامل تقريباً.

في هذا الإطار، تقول الكاتبة القصصية الدكتورة علياء الداية إن سبب الإقبال على قراءة الرواية يعود إلى كونها عملاً أدبياً ينجح بسهولة في إقحام المتلقي في عالمه المتخيل، وشغله بفضول لمتابعة حيوات شخصياته ومصائرهم. وكثيراً ما يكون الأسلوب الشائق لبعض روايات «الأكثر مبيعاً» أو «الأكثر قراءة» فخاً يقع فيه القارئ الهاوي أو المتخصص، قبل أن يكتشف عيوب هذا العمل أو بساطته المفرطة أو اندراجه في خانة المكرر، سواء أكان العمل الروائي مترجماً أم عربياً.

من جانب آخر، يرى الشاعر زياد الجبيلي جانباً نقدياً في هذا الموضوع المتصل بغياب الشعر وهو يتصل بحال قصيدة النثر ومحاربتها خلال عقود طويلة، الأمر الذي غيب هذا الفن بشكل عام، يقول زياد: «عصرنا ليس عصر تراجع الشعر على حساب تقدم الرواية، إنه العصر الذي تلا عصر تهميش قصيدة النثر على حساب أرباب الحداثة الأولى في القرن العشرين، أعتقد أن هذا ما أسهم في تكريس مقولة (إنه عصر الرواية)، الرواية كانت تزحف ببطء مستغلة الانقسام الداخلي في البيت الشعري بين مجددٍ ومحافظ، هل للشعر بيت؟، مستحيل، إنه جبهةٌ مشتعلة دائماً، هذا تماماً ما حصل خلال أكثر من عشرين عاماً، هذه الحرب انعكست سلباً على القارئ العادي، القارئ المعني فقط بشعر الحماسة والقضايا الكبرى كشعر محمود درويش على سبيل المثال».

الشاعر مهتدي غالب رأى جانباً مختلفاً يتصل بطغيان الميديا وغياب الاهتمام بالشعر على صعيد الجوائز وأعمال الدعاية المختلفة حيث يغلب الاحتفاء بالرواية.. يقول مهتدي: «الأمر معقد ويرتبط بالميديا الإعلامية التي تسوق للرواية بشكل غريب، ونحن نعرف في هذه الظروف الاقتصادية بسعي القارئ للانتقائية في القراءة، فلا يغامر بقراءة شيء لم يسمع عنه.. إضافة إلى غياب الجوائز الكبرى للشعر كما الرواية فهناك البوكر العربي والعالمي.. ولا يوجد إلا مسابقات الشاشة للشعراء، فتبدو هذه البرامج الدعائية الاستهلاكية تعويضاً شعرياً للمتلقي».

المسألة تبدو متعددة الجوانب ومتشعبة الأسباب حيث ترى الدكتورة علياء الداية، وهي المدرِّسة في جامعة حلب، أن آلية تلقف الشعر وكتابته تختلف تماماً عن النص الروائي، فهو يتطلب قارئاً يعشقه قبل كل شيء إضافة إلى موضوع الاتصالات الحديثة وتأثير المسموع والمرئي على حساب المطبوع.. تقول علياء: «أما الشعر، فهو يحتاج بذل مجهود أكبر وقصديّة لقراءته، ويتطلّب من القارئ نوعاً من اليقظة للدخول في عالم حلم الشاعر! لا يخلو عصر من وجود الشعراء، ونحن نلمس حضور الشعر في حياة الناس، من خلال مظهر يومي مسموع هو الأغنية، فلا وجود لأغنية من دون كلمات، غير أن حضور الكلمة المطبوعة والمقروءة ليس بالانتشار المسموع ذاته.
ويمكن تقسيم الأسباب إلى ثلاثة، أحدها هو انشغال الناس بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فمن خلالها يقعون في وهم التفاعل مع الشاشة وقضاء الوقت، من دون تحقيق تطوير حقيقي في الشخصية، بل مجرد تداول للمعلومات، وهذا يتم على حساب القراءة الجادة. والسبب الثاني هو تسرع بعض الشعراء في إصدار أعمالهم أو الدوران ضمن مجموعة محدودة من الكلمات والتعبيرات، ما يجعل الشاعر يكرر نفسه في عدة قصائد في الديوان الواحد، أو عبر أكثر من نتاج شعري له، أما السبب الثالث فهو التقصير الذي قد نجده لدى دور النشر والمكتبات ومؤسسات الجوائز، هناك الكثير من الأعمال الشعرية الجديرة بالاهتمام والقراءة، وبإمكان دور النشر أن تتحلى بالجرأة في تبني بعض هذه الأعمال ونشرها في معارض الكتب، وهذا ينطبق على المكتبات التي لها دور كبير في ترويج الشعر من خلال عرضه وتوافره أولاً فأولاً على رفوفها مهما طال به الزمن، فهو ليس سلعة تجارية لا بد من بيعها قبل وصول منافس جديد! أما مؤسسات الجوائز التي يفوز فيها سنوياً العديد من الشعراء المتميزين على اختلاف المراحل العمرية لهم، ففرصة قراءة هذه القصائد تضيع في كثير من الأحيان بسبب عدم طباعة الأعمال، أو اقتصار نشرها على نطاق ضيق، وعدم توافرها إلكترونياً عبر مواقع الجائزة. ومن الجدير ذكره أن بسطات الكتب ومواقع التحميل الإلكترونية المجانية هما أشبه ببورصة للكتاب، وبيئة خصبة لدراسة تيار التلقي وارتباطه بحركة الإبداع».

هموم الشعر تبدو متشعبة أكثر ومتنوعة أيضاً في نظر الشاعر مهتدي غالب الذي ربط القضية في جانب منها بموضوع النشر والطباعة، حيث يعمد الشاعر إلى طباعة عدد محدود من النسخ تكفي المقربين منه فقط، وذلك بسبب غياب المقدرة المالية على تحمل الأعباء.. يقول غالب: «الشعر يعاني كثيراً وكذلك الشعراء.. فالشاعر يطبع عدداً محدوداً من النسخ تكفي من يعرفه فقط، ودور النشر العربية عموماً تتبع التسويق لا القيمة الإبداعية.. كما أن الشعر كان الأكثر تعرضاً وتأثراً بالكتابة الفيسبوكية التي جعلت كل من يكتب كلمتين يصبح علَمَاً، حيث أصبح الأكثر استسهالاً في الكتابة هو الشعر».

في كل الأحوال، لا تبدو وسائل الإعلام بريئة مما يعصف بالشعر من مطبات وأزمات، خاصة فيما يتصل بتعدد ألوان الكتابة الشعرية، وتشجيع أنواع محددة من الشعر على حساب أنواع أخرى يراها التراثيون أو الميالون إلى الكلاسيكيات أنها خرجت على ماضي الأجداد، ولذلك لابد من وأدها وعدم إتاحة الفرصة أمامها للظهور.. يقول الجبيلي: «الإعلام الثقافي فضل تصدير الرواية على أنها الجنس الأدبي (الصرعة) على إلقاء الضوء باتجاه قصيدة النثر باعتبارها التطور المنطقي والطبيعي للشعر الرؤيوي والمعرفي الذي كانت تحمله قصيدة الستينيات، النثر الذي لا يحتفي بالقضايا الكبرى، فنظروا إليه وكأنه جنسٌ غبي، أو بسيط، أو أن شعراءه لا يملكون الموهبة حتى، كل هذا انعكس بطبيعة الحال على القارئ المؤدلج سلفاً على المطولات الحماسية الذي بطبيعته سيبقى جاهزاً لأية أدلجةٍ حديثة، فصار يتكلم ويفكر بلسان هذا الإعلام، لن أقول إن ما كتب من شعر خلال فترة صعود الرواية لا يستحق القراءة، هذا قطعاً مرفوض».
يعود الجبيلي إلى تاريخ الحركة الشعرية ويحاول إجراء المكاشفات حول تطور النص الشعري مقابل النص الروائي، يقول: «الستينيون بمواضيعهم وقضاياهم أصبحوا مملين، والحداثيّون الجدد يقرؤون من قبل المتخصصين والمتخصصين فقط (شعراء أو مشاريع شعراء) بغض النظر عن قيمتهم، الرواية أصبحت شرطاً بدهياً في كل بيتٍ يدعي القراءة، ربما لأن حجمها أكبر من ديوان الشعر، ويأخذ حيزاً أكبر، عندما أتحدث هكذا، أنا لا أهاجم أورويل أو كونراد أو كونديرا أو حتى ماركيز، لكني أنحاز رغماً عن أنفي إلى كيتس وويتمان وبورخيس و لوتريامون.. الرواية تُقرأ مرة واحدة فقط، أما الشعر فيقرأ كل يوم، وكل يوم سترى فيه شيئاً جديداً، ربما لهذا خُلق لجيلٍ أحدث».

البحث في هموم الشعر قد يتشعب إلى جوانب تاريخية وإبداعية وثقافية كثيرة، فالجميع يعلم أن حصة الفرد العربي من القراءة سنوياً تثير الشفقة إذا ما نظرنا إلى بلدان متقدمة في هذا المجال، كذلك الأمر بالنسبة للمستوى الاقتصادي وما تمكن تسميته بالخيبات الكثيرة التي حصدها الناس من الثقافة المحلية النظرية التي جعلتهم يتغنون بالمفاهيم من دون أن يعيشوها.. كل هذا ربما يمكن أن يضاف إلى ما قيل في هذا الصدد، لكن ما لم يحدث تاريخياً هو اندثار الشعر أو تلاشيه لمصلحة أي فن آخر.. يقول النقاد: في كل عصر هناك من يعمل لمجد الشعر من دون قصديّة مسبقة، بل بقدريّة صعبة على التفسير!.

صحيفة تشرين ـ دمشق، 05/05/2016
رابط إلكتروني للموضوع:
http://www.tishreen.news.sy/tishreen/...
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on May 05, 2016 12:00 Tags: شعر-رواية-كتب-نشر-قراءة
No comments have been added yet.


علياء الداية's Blog

علياء الداية
علياء الداية isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow علياء الداية's blog with rss.