أن تقرأ نصا لبشرى خلفان يعني التالي: أن تكون مستعدا للتحدي ففي نهاية النص أنت بين اختيارين أما أنك فهمت ما ترمي اليه الكاتبة أو أنك وقعت في ورطة الحيرة بين النهاية غير المتوقعة، وفضولك لمعرفة ما وراء النص من ايماءات انسانية على درجة عالية من العمق. أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تكون بمزاج رائق وبجو هادئ، يسمح لك بتذوق الكلمات المنسابة بخفة و جمال وكأنك تتذوق حلوى «الماشميلو»! أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تختفي من يومك، لتجد نفسك على أرض أخرى حقولها مزروعة بالمشاعر المرهفة، القادرة على تطويع أعند الأفكار، وتشكيلها بحرفنة لتصل كفراشة شعرية للجهة المقابلة حيث يجلس القارئ في بيت افتراضي أعلى التلة! في اصدارها الثالث «صائد الفراشات الحزين» تبدو بشرى، وقد كونت لنفسها عالما قصصيا خاصا على درجة عالية من الحرفنة و التميز. أبطال نصوصها الاثنى عشر شخصيات ليس من السهولة الالتقاء بهم في يومك. يعيشون حالاتهم بتفرد، يقاسمونك اسرارهم الصغيرة جهرا، لا يهبونك مفاتيح ألغازهم بسهولة، وغير منتظر منهم البوح الكامل لتفاصيل يخفونها عمدا. «أحيانا كانت تتمنى لو أن لها ذاكرة تصويرية تسمح لها بتسجيل حدوث بعض هذه الأمور الصغيرة بالألوان، لأنها ولسبب ما لم تكن تحب استعادتها بالأبيض والأسود، كما يحدث مع شريط الذكريات. هذه أمور يجب أن تسجل باللون والرائحة، وبتسجيل بطيء أيضا،حتى تتمكن من اعادة خلق المتعة مرارا و تكرارا». كل الوجوه في «صائد الفراشات الحزين» كانت مشعة باختلافها، أبطال بشرى شخصيات متطرفة في مشاعرها، وذات حكايات شديدة الخصوصية، فهايدي الأفريقية التي تعيش في لندن ما زالت تحن لكوخها الفقير، والست منى الأرملة ما زالت ترقب الاستاذ أحمد وهي تحتسي الشاي كل صباح، رغم عن النهاية التي أدخلها بها كاتب القصة، والفتاة ذات العينين المغمضتين على الفراغ كانت تصعد مع حزم الضوء نحو الأعلى، وسالم بن مرهون عاد لحياته بعد أن نسي المفتاح ذات ليلة معلقا في القفل، وليلى التي لا يعرف أحد محل اقامتها عمرت في صندوق ألعابها عالما صغيرا من الأشياء المهملة، وعائشة الطفلة التي قتلتها العودة ما زالت القرية تسمع أصوات نواح حبال أرجوحتها، وهدى التي تبحث في البومات الصور عن أناس في خلفية الصورة وجودهم العابر خلق ندوبا مخفية حبسها المصور في الاطار الى الأبد،و الشاعر المتهم بقتل الفتاة المحبة لأغاني الجاز لم يفهم أحد لماذا وجدت خصلة من شعرها بين أوراق ديوانه الأخير؟ّ! كل النصوص كانت مكتوبة بلغة جميلة مشبعة بالعذوبة والهدوء والاكتناز. مشغولة بأناة وعمق يميزه القارئ منذ الوهلة الأولى. «في ما بعد سألوه عن الكلام الذي دار بينهما في الشرفة، فتشوا جيوبه بحثا عن بقايا الحب الذي كان يطعمه الحمامات التي وقفت على كتفها في احدى قصائده. سألوه عن خطوط الحظ والشباب والصحة والعمر في كفها التي شوهد يدرسها في المقهى المطل على البحر قبل اختفائها بليلة واحدة». عادة في كل مجموعة قصصية اقرأها وتعجبني يكون لدي نص مفضل فيها، في «صائد الفراشات الحزين» أحببت اجواء البطلة القريبة مني في «أمور صغيرة عابرة» كما تغلغلت روحي الي قصة الجنون في «تلك المرأة» ووجدتنى مبهورة بالنضج الفني في قصة «تكسر»،كقارئة احترت أيهما نصي المفضل و هو أمر نادر الحدوث! الغلاف كان ترجمة فاقعة لعنوان المجموعة وهو الحلقة الضعيفة الوحيدة من وجهة نظري في عمل مكتمل من بدايته الى نهايته.بالنسبة للعنوان لم يكن هناك صائد حزين ولا فراشات تم ذكرها في المجموعة، لماذا اختارت بشرى عنوانا خارج النصوص؟!هل الفراشات المقتربة من الضوء، والمنتحرة بدنوها من النار هم أبطالها الذين أجادت تلوين ملامحهم، وأطلقتهم كفراشات ملونة ترفرف أجنحتها في فضاء ساحر؟! أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تتعرف على واحدة من أكثر التجارب العمانية تفوقا في القصة القصيرة.
* المقاطع من «صائد الفراشات الحزين» للقاصة العمانية بشرى خلفان، دار الانتشار العربي 2010
أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تكون بمزاج رائق وبجو هادئ، يسمح لك بتذوق الكلمات المنسابة بخفة و جمال وكأنك تتذوق حلوى «الماشميلو»!
أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تختفي من يومك، لتجد نفسك على أرض أخرى حقولها مزروعة بالمشاعر المرهفة، القادرة على تطويع أعند الأفكار، وتشكيلها بحرفنة لتصل كفراشة شعرية للجهة المقابلة حيث يجلس القارئ في بيت افتراضي أعلى التلة!
في اصدارها الثالث «صائد الفراشات الحزين» تبدو بشرى، وقد كونت لنفسها عالما قصصيا خاصا على درجة عالية من الحرفنة و التميز. أبطال نصوصها الاثنى عشر شخصيات ليس من السهولة الالتقاء بهم في يومك. يعيشون حالاتهم بتفرد، يقاسمونك اسرارهم الصغيرة جهرا، لا يهبونك مفاتيح ألغازهم بسهولة، وغير منتظر منهم البوح الكامل لتفاصيل يخفونها عمدا.
«أحيانا كانت تتمنى لو أن لها ذاكرة تصويرية تسمح لها بتسجيل حدوث بعض هذه الأمور الصغيرة بالألوان، لأنها ولسبب ما لم تكن تحب استعادتها بالأبيض والأسود، كما يحدث مع شريط الذكريات. هذه أمور يجب أن تسجل باللون والرائحة، وبتسجيل بطيء أيضا،حتى تتمكن من اعادة خلق المتعة مرارا و تكرارا».
كل الوجوه في «صائد الفراشات الحزين» كانت مشعة باختلافها، أبطال بشرى شخصيات متطرفة في مشاعرها، وذات حكايات شديدة الخصوصية، فهايدي الأفريقية التي تعيش في لندن ما زالت تحن لكوخها الفقير، والست منى الأرملة ما زالت ترقب الاستاذ أحمد وهي تحتسي الشاي كل صباح، رغم عن النهاية التي أدخلها بها كاتب القصة، والفتاة ذات العينين المغمضتين على الفراغ كانت تصعد مع حزم الضوء نحو الأعلى، وسالم بن مرهون عاد لحياته بعد أن نسي المفتاح ذات ليلة معلقا في القفل، وليلى التي لا يعرف أحد محل اقامتها عمرت في صندوق ألعابها عالما صغيرا من الأشياء المهملة، وعائشة الطفلة التي قتلتها العودة ما زالت القرية تسمع أصوات نواح حبال أرجوحتها، وهدى التي تبحث في البومات الصور عن أناس في خلفية الصورة وجودهم العابر خلق ندوبا مخفية حبسها المصور في الاطار الى الأبد،و الشاعر المتهم بقتل الفتاة المحبة لأغاني الجاز لم يفهم أحد لماذا وجدت خصلة من شعرها بين أوراق ديوانه الأخير؟ّ!
كل النصوص كانت مكتوبة بلغة جميلة مشبعة بالعذوبة والهدوء والاكتناز. مشغولة بأناة وعمق يميزه القارئ منذ الوهلة الأولى.
«في ما بعد سألوه عن الكلام الذي دار بينهما في الشرفة، فتشوا جيوبه بحثا عن بقايا الحب الذي كان يطعمه الحمامات التي وقفت على كتفها في احدى قصائده. سألوه عن خطوط الحظ والشباب والصحة والعمر في كفها التي شوهد يدرسها في المقهى المطل على البحر قبل اختفائها بليلة واحدة».
عادة في كل مجموعة قصصية اقرأها وتعجبني يكون لدي نص مفضل فيها، في «صائد الفراشات الحزين» أحببت اجواء البطلة القريبة مني في «أمور صغيرة عابرة» كما تغلغلت روحي الي قصة الجنون في «تلك المرأة» ووجدتنى مبهورة بالنضج الفني في قصة «تكسر»،كقارئة احترت أيهما نصي المفضل و هو أمر نادر الحدوث!
الغلاف كان ترجمة فاقعة لعنوان المجموعة وهو الحلقة الضعيفة الوحيدة من وجهة نظري في عمل مكتمل من بدايته الى نهايته.بالنسبة للعنوان لم يكن هناك صائد حزين ولا فراشات تم ذكرها في المجموعة، لماذا اختارت بشرى عنوانا خارج النصوص؟!هل الفراشات المقتربة من الضوء، والمنتحرة بدنوها من النار هم أبطالها الذين أجادت تلوين ملامحهم، وأطلقتهم كفراشات ملونة ترفرف أجنحتها في فضاء ساحر؟!
أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تتعرف على واحدة من أكثر التجارب العمانية تفوقا في القصة القصيرة.
* المقاطع من «صائد الفراشات الحزين» للقاصة العمانية بشرى خلفان، دار الانتشار العربي 2010