مع ذلك فإنَّ ما حَدَثَ البارحةَ كان أمراً صغيراً بإمتيازٍ، أمراً عَرَضِيّاً يَحْدُثُ دائماً، حتَّى إنَّهُ لا يجبُ أنْ يُحْدِثَ أيَّ تأثيرٍ، لكنَّه، وللغرابةِ وحدَها، أحْدَثَ تأثيراً، تأثيراً غريباً جدّاً، فهو لم يَكْتَفِ فقط بإستبدال الهدوء بالصَّخبِ، بل أيضاً أضفّى على الجَوِّ كثافةً ما تُشْبهُ الرُّطوبةَ في ثِقَلِها، لكنَّها ليست الرُّطوبةَ، فهي أشْبَهُ بالإمتلاء الذي تُحسُّ به في فمها عندما تبتلعُ قطع حلوى "الماشملو" الإسفنجية الكثيفة الناعمة التي تبعث فيها الإحساس بأن كل المجسات الدقيقة على لسانها وكل خلايا فمها راضيةٌ تماماً، راضيةٌ ومُمتلئة.
بشرى خلفان كاتبة قصة وروائية من سلطنة عمان صدر لها رفرفة - مجموعة قصصية غبار- نصوص صائد الفراشات الحزين- مجموعة قصصية مظلة الحب والضحك- نصوص حبيب رمان - مجموعة قصصية الباغ- رواية مديرة مختبر السرديات العماني كتبت المقال الاسبوعي في جريدتي الوطن العمانية والرؤية.
مدهش هذا العالم السردي، المليء، الزاخر، الكثيف والخفيف في آن .. مدهش وغرائبي أحياناً، يقارب الحلم ولكنه يبقى على عتبة الواقع، وكان التأرجح بين الفانتازيا والواقعية رشيقاً ولذيذاً وينم عن حرفية " خطيرة " تتمتع بها بشرى خلفان ..
أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تختفي من يومك، لتجد نفسك على أرض أخرى حقولها مزروعة بالمشاعر المرهفة، القادرة على تطويع أعند الأفكار، وتشكيلها بحرفنة لتصل كفراشة شعرية للجهة المقابلة حيث يجلس القارئ في بيت افتراضي أعلى التلة!
في اصدارها الثالث «صائد الفراشات الحزين» تبدو بشرى، وقد كونت لنفسها عالما قصصيا خاصا على درجة عالية من الحرفنة و التميز. أبطال نصوصها الاثنى عشر شخصيات ليس من السهولة الالتقاء بهم في يومك. يعيشون حالاتهم بتفرد، يقاسمونك اسرارهم الصغيرة جهرا، لا يهبونك مفاتيح ألغازهم بسهولة، وغير منتظر منهم البوح الكامل لتفاصيل يخفونها عمدا.
«أحيانا كانت تتمنى لو أن لها ذاكرة تصويرية تسمح لها بتسجيل حدوث بعض هذه الأمور الصغيرة بالألوان، لأنها ولسبب ما لم تكن تحب استعادتها بالأبيض والأسود، كما يحدث مع شريط الذكريات. هذه أمور يجب أن تسجل باللون والرائحة، وبتسجيل بطيء أيضا،حتى تتمكن من اعادة خلق المتعة مرارا و تكرارا».
كل الوجوه في «صائد الفراشات الحزين» كانت مشعة باختلافها، أبطال بشرى شخصيات متطرفة في مشاعرها، وذات حكايات شديدة الخصوصية، فهايدي الأفريقية التي تعيش في لندن ما زالت تحن لكوخها الفقير، والست منى الأرملة ما زالت ترقب الاستاذ أحمد وهي تحتسي الشاي كل صباح، رغم عن النهاية التي أدخلها بها كاتب القصة، والفتاة ذات العينين المغمضتين على الفراغ كانت تصعد مع حزم الضوء نحو الأعلى، وسالم بن مرهون عاد لحياته بعد أن نسي المفتاح ذات ليلة معلقا في القفل، وليلى التي لا يعرف أحد محل اقامتها عمرت في صندوق ألعابها عالما صغيرا من الأشياء المهملة، وعائشة الطفلة التي قتلتها العودة ما زالت القرية تسمع أصوات نواح حبال أرجوحتها، وهدى التي تبحث في البومات الصور عن أناس في خلفية الصورة وجودهم العابر خلق ندوبا مخفية حبسها المصور في الاطار الى الأبد،و الشاعر المتهم بقتل الفتاة المحبة لأغاني الجاز لم يفهم أحد لماذا وجدت خصلة من شعرها بين أوراق ديوانه الأخير؟ّ!
كل النصوص كانت مكتوبة بلغة جميلة مشبعة بالعذوبة والهدوء والاكتناز. مشغولة بأناة وعمق يميزه القارئ منذ الوهلة الأولى.
«في ما بعد سألوه عن الكلام الذي دار بينهما في الشرفة، فتشوا جيوبه بحثا عن بقايا الحب الذي كان يطعمه الحمامات التي وقفت على كتفها في احدى قصائده. سألوه عن خطوط الحظ والشباب والصحة والعمر في كفها التي شوهد يدرسها في المقهى المطل على البحر قبل اختفائها بليلة واحدة».
عادة في كل مجموعة قصصية اقرأها وتعجبني يكون لدي نص مفضل فيها، في «صائد الفراشات الحزين» أحببت اجواء البطلة القريبة مني في «أمور صغيرة عابرة» كما تغلغلت روحي الي قصة الجنون في «تلك المرأة» ووجدتنى مبهورة بالنضج الفني في قصة «تكسر»،كقارئة احترت أيهما نصي المفضل و هو أمر نادر الحدوث!
الغلاف كان ترجمة فاقعة لعنوان المجموعة وهو الحلقة الضعيفة الوحيدة من وجهة نظري في عمل مكتمل من بدايته الى نهايته.بالنسبة للعنوان لم يكن هناك صائد حزين ولا فراشات تم ذكرها في المجموعة، لماذا اختارت بشرى عنوانا خارج النصوص؟!هل الفراشات المقتربة من الضوء، والمنتحرة بدنوها من النار هم أبطالها الذين أجادت تلوين ملامحهم، وأطلقتهم كفراشات ملونة ترفرف أجنحتها في فضاء ساحر؟!
أن تقرأ لبشرى خلفان يعني أن تتعرف على واحدة من أكثر التجارب العمانية تفوقا في القصة القصيرة.
لأول مرة أقرأ لبشرى خلفان، وقد وجدتها فنانة في صياغة نصوصها، في التعبير عن المشاعر، في التصوير (خاصةً التصوير) لرسم الأحداث والمشاهد والشخصيات.. فنانة، مبدعة، قادرة ومتمكنة من تذويب حروفها كي تتشكل على هيئة القصة التي تكتبها.. هي لا تكترث كثيراً بالحدث في القصة، ولا بالعقدة والحل (هذه سلبية ومزيّة في ذات الوقت) هي تكتب هذه الأمور متوارية بين السطور، القارئ هنا يقرأ شعراً منظوماً ومسبوكاً باحترافية، يتلذذ بما يراه من عبارات (فقلمُ بشرى يرسم أكثر مما يكتب)، لكنه - القارئ - لا يحصل على قصة ذات حدث واضح ملموس، ولو شئنا الوصف الدقيق، سنقول إن أحداثَ قصص بشرى أحداثٌ فلسفيةٌ أو نفسية، ولعلها روحية بمعنى أدق، تكتبها بأسلوب الأدب الوصفي.
حسناً، لن أدَّعي أنني أحببت القصص كلها، لكن أسلوب الكاتبة هو المثير للإعجاب حقًّا.
قصة [إطار] مثلاً لن تجد فيها أكثر من امرأة تتصفح ألبوم صور، لكن سرد الكاتبة هو الحدث، لغتها هو الحدث، مشاعر البطلة هو الحدث.
وقصة [Jazz] عن شاب أحب فتاة فغابت عنه، القصةُ أسئلةٌ عن غيابها، لكنهم في أسئلتهم لم يسألوه عن ذاته.
[يحدث أيضاً] قصة لا يحدث فيها شيء، مجرد يوم عاديٍّ من أيام مدير تنفيذي، يخرج إلى عمله صباحاً، تُشيِّعه أمه بدعواتها، يقوم بأعماله الروتينية، ويعود مساءً لتستقبله دعوات أمه من جديد.. كما اتفقنا، قصة وصفية تتفنن الكاتبة في وصف هذه اليومية الاعتيادية.
في [تَكَسُّر] أعجبني التصوير الرائع للموقفين الجميلين في القصة، وكأنك تشاهد مشهداً مصوَّرا.
لن أتحدث طبعاً عن كل قصة على حدا، غير أنني أقول إن القصص التي أعجبتني (كقصة وليس كأسلوب فقط) هي: [نوم/ سكون/ تلك المرأة/ البيت أعلى التلة/ إفك].
أما [تلك المرأة]، فمنذ الصفحة الأولى خمَّنتُ أن المرأة في القصة ليست امرأة، قلت في نفسي هي وردة في مزهرية، ثم حينما ذُكر الدكان قلت إنها تمثال لامرأة، ثم حينما وُصفت أكثر قلت هي حيوان؛ لعله كلب، فلما تعمقتُ في الوصف رأيتها لوحة مرسومة لامرأة.. خرجت من القصة بهذا التصور الأخير، رغم أنه لا يليق بجنونِ "صممتُ لك هذا المنزل بنصف قطر ثلاثة أمتار، كي لا أبتعد عنك أبدًا"!.. وحتى الآن لستُ واثقاً من تخميني الأخير هذا.
وأما [البيت أعلى التلة] فهي ثاني أجمل قصص الكتاب.
القصة التي تفوز بالمركز الأول عندي هي [إفك]، التي يمكنني القول إنها أجمل الجميع على الإطلاق، والرائع أنها وُضعت كمسكِ الختام، أو فلنقل: كوَرِسِ الختامِ ومائه الورديِّ الجبليِّ، وهو ما يعبِّر عن الرائحةِ التي تحملها القصة؛ رائحةٍ مليئة بالنشوة والحب والمشاعر، ومُفعمةٍ بأريج الماضي والحكايات القديمة والأساطير التي عشقناها قديماً، وما زلنا نعشقها حتى اليوم.
قصص جميلة جدًّا من صميم الواقع مع بعض الخيال الذي زاد القصص قوّةً وزانها سِحرًا. أَعجبني تحريك الكلمات على عكس معظم الكتب القِصصية أعجبتني جدًّا القِصّة الأخيرة على الرّغم مِن الموت والحزن، سردها جذل جميل وحبكتها خفية القُطب ونهايتها موجعة تكسرُ قلبَ قارئها. سأقرأ كلَّ ما تكتبه الكاتبة بشرى