للوهلة الأولي، ذهب بي التفكير بعيداً، وأنا أمعن في غلاف العمل، أرض قفر، أو صحراء قاحلة، وأربع من الأشجار عارية، عرضة للسكون والهمود، في فضاء كان ـ علي ما يبدو ـ قبل ذلك عاتياً، تناهبته الغبار والرياح، ربّما بعد معركة ضارية خسر فيها الطرفان المتحاربان ! لتقع عيناي علي العنوان بعد ذلك، عنوان مباشر، مخاتل علي نحو ما، لكنه يفتقد للدهشة، دهشة العناوين التي تقوم بوظيفة سيميائية ومعرفية علي حدٍّ سواء. لكنني، وبعد أن أنهيتُ قراءة العمل، الذي لم أنهه في جلسة واحدة طبعاً، تساءلتُ: ماذا لو قُيِضَ لكائنٍ استكشافي، أو كائنٍ فَارٍ من جحيم كوكب آخر، اللجوء أو زيارة هذا الكوكب، كوكب الأرض الغريب والعجيب علي حدٍّ سواء، ووقعت بين يديه مصادفة رواية " جنود الله " للروائي السوري فواز حداد؟! يقيناً.. سيحصل ذلك الكائن، علي معلومات مهولة وصادمة ومؤسفة، قوية وأكيدة ودامغة، عن هذا الكوكب المغرق منذ الأزل ـ منذ أشهر حادثة موت بين قابيل وهابيل ـ في نزيف الدم، المصحوب بالصراع والاقتتال والحروب، سيستغرب ذلك الكائن كل ذلك الألم والإيلام والعنف المدوّي، سيستغرب فوق ذلك الكم الكبير من الظلم والخيانة والتنكيل والجور والحيف، ليس هذا وحسب، بل سيذرف دمعة حرّي، ويرحل من ثم إلي كوكبه، مثقلاً بالشوق والحنين إليه، حتي لو كان الكوكب الذي ينحدر منه هو جهنم بناره وسعيره. لا لأن الرواية تصوّر ـ كما قد يتبادر إلي الأذهان بعد القراءة مباشرة ـ قتامة الواقع فقط، واقع الحرب والانكسار والخيبة، بل لأن الرواية حاولت جاهدة أن تشذب ذلك الواقع، فلم تستطع إلا قول الحقيقة، الحقيقة وحدها، لأن الواقع أمرّ بكثير مما قد يؤرخ أو يدبج بين دفتي كتاب.
فواز حداد في روايته "جنود الله " الصادرة حديثاً، عن دار رياض الريس، والمقسمة إلي ثلاثة أجزاء: " طريق آخر إلي الجنة ـ رسائل من بغداد ـ وحافة الجحيم." يدين ويعري الانقسامات المذهبية والطائفية، يصرخ بكلّ ما أوتي من قوة، ليطرح أسئلته الإشكالية، التي يحرص عليها بشدة في أعماله الروائية الأخيرة، إزاء غرائبية وفجائعية وغورية ولا واقعية الأحداث المرهقة والممرضة والممضة التي تشهدها الساحة العربية والعالمية، برؤية فلسفية حكيمة حيناً، متأملة وحالمة حيناً آخر، مستندة علي أرضية ثقافية ومعارفية بادية للعيان: من نحن؟ لماذا الحروب؟ إلي أين المصير؟. يطرح كلّ ذلك وأكثر، لينفض بحبره ما تأتي له من الغبار عن المشهد، المشهد السديمي، الداكن والمغبر، المشهد المغرق في بؤسه وسوداويته منذ أبد الآبدين، هو الذي تأتي له في عمله هذا، وعن قربٍ، القيام برحلة روائية وإبداعية، محفوفة بالمخاطر بكل المقاييس، لينبش في واقع مأسويّ، أو مصير مضبب، وما يتخلل تلك الرحلة من حسابات تنصبّ كل منها في خانة تختلف عن الأخري، وتتراوح بين الندم والحسرة والخسارة والموت أيضاً، الموت المفجع والمروع، عبر سارد علماني أَوكل له مهام السرد، يُفجع بخبر ذهاب ابنه البكر سامر، كي يتطوع في صفوف المجاهدين، لصد خطر الهجوم الأمريكي الذي أودي بسكينة وأمن العراق، هذا البلد الذي استنزفت خيراته الحروب الكثيرة المدمرة، والذي ما إن يتماثل للشفاء من آثار حرب ما، حتي يتعرض لأخري، أشد فتكاً وضراوة. سامر هذا، العاشق الذي كانه، والطالب الجامعي الذي يدرس ببيروت، يلتحق بالمقاومة، محدثاً شرخاً في الأسرة، الأسرة المتماسكة في بداياتها، والمفككة علي نحو ما بعد طلاق والديه، فالوالد اليساري السابق، الذي يدين الإرهاب من خلال أبحاثه التي يكتبها في نشوء الجماعات الإسلامية وخطرها، الذي يقول كلمته ويمضي، المتحرر تماماً من رهاب الدين والسياسة والإيمان والعادات والتقاليد الاجتماعية، يقرر أن يلتحق بابنه، لكي ينقذه مما أقدم عليه من قرار أقرب للطيش، لكنه.. وبعد سلسلة طويلة من المغامرات، حوادث وقصص مرعبة ولا مألوفة، لقاءاته بضباط أمريكيين سهلوا له دخول العراق بجواز سفر أمريكي، ناهيك عن لقاءه بالزرقاوي، بعد كل ذلك يُختطف، ويصدم بحقيقة ابنه، الذي بات واحداً آخر، يتحاوران عن جدوي مقاومة كهذه، تكون النتيجة حقيقة مروعة، لا ينصاع فيها الابن لما يقترح الوالد عليه، بل يتشدق ليطلب منه أن يعود من حيث أتي، فالله قد اختار له مصيره، وينبغي عليه أن يكمل ما بدأه دون إملاءات أو توصيات من قبل أحد، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما قال له. وعندما يسأله الوالد ما إذا كان هناك نص في القرآن يدعو لما أقدم عليه، يرد عليه بأن الله اصطفاه لهذا الأمر، والحياة في الآخرة هناء وصفاء ونهر سلسبيل وحور عين، يثور عليه الوالد، ويسأله ما إذا كان أحدهم قد ذهب إلي الجنة ثم عاد وأخبرهم بكل تلك الحقائق التي جاء علي ذكرها.؟ يرد عليه سامر، الذي تحول اسمه إلي عبد الله السوري، تيمناً بأبي مصعب الزرقاوي: لو لم تكن والدي، لكان لي معك شأن آخر... أنت ملحد !.
يعود الأب إلي دمشق فاقد الذاكرة، بعد أن تعرض مخبأ ابنه السري للقصف، والمداهمة، فيفترقان إذاك، هو يعود إلي دمشق، ويذهب ابنه إلي مصيره المجهول: " بلد لا مكان فيه للعقل أو الرحمة، بل للخيانة والوشاية والخطف والذبح والقتل علي الدين والطائفة والهوية والاسم. ولقد شاء حظي أن أعود منه فاقد الذاكرة. ربّما تعطلت ذاكرتي، أو أنني عملت علي تعطيلها. لم يكن هذا سيحصل لولا يقيني أنني اخترت ركناً قصياً لا تطاله الحقائق ولا الأوهام." لم يفلح الأب فيما سعي إليه إذن، لم يستطع فوق ذلك أن يثني ابنه، فلذة كبده، عن قراره، حاول وكافح وناضل طويلاً، ليقنعه بالحجة والمنطق والبرهان، كي يسترده إلي حياته السابقة، لكنه كان عنيداً، أصم عن كل شيء، مؤمناً بهدفه فقط، وهو مواصلة المقاومة والجهاد ودحر العدو، هدف آمن به حتي آخر رمق من دمه، لقد بات أميراً، ويلقب بـ عبد الله السوري، تأتي له رؤية الزرقاوي، والالتقاء به، الذي نصبه بدوره أميراً، يقتصر عمله علي التواصل مع الجماعات وصفوف المقاومة عبر الانترنيت، بات أميراً، والمنضوون تحت لواءه يتقيدون بكل حرف يقوله لهم، بات خطيباً مفوهاً أيضاً، له قدرة كبيرة علي الإقناع، يتحدث لهم عقب كل صلاة عن الآخرة، عن عظمة ما يقومون به من أعمال، عن الحياة الرغيدة التي سينعمون بها في الآخرة بعد كل تفجير أو عملية انتحارية يقومون بها.
لكن.. أين التشويق في عمل كهذا أو فكرة كهذه.؟ وهذا صحيح، لكن براعة الحداد لا تتجلي هنا، فمتنه الروائي سبق وقرأناه في الصحف والمجلات، ناهيك عن متابعته فصلاً فصلاً في القنوات الفضائية، وغيرها من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، الأمر هنا مختلف قطعاً، له علاقة بأدوات الحداد الروائية في هذا العمل، وهو الأمر الذي افتقدت إليه، بشكل أو بآخر، رواياته السابقة: " المترجم الخائن وعزف منفرد علي البيانو " ، فواز حداد في هذه الرواية فاق ـ كما يري كاتب هذه السطور ـ كِبَار وأعتي الروائيين في تقنيتي الخيال والوصف، بغض النظر عن قناعاته طبعاً، إذ كيف له أن يؤنسن الوهم، ثم يجعل منه بطلاً محاطاً بهالة ملائكية وهو يعيث فتكاً وخراباً بمصائر وأقدار الناس في حله وترحاله؟. نعم.. بغض النظر عن كلّ ذلك، فقد امتلك في عمله هذا، ناصية الخيال والتذكر والاستذكار والاسترجاع والأرشفة، فهذا الرجل الذي يقيناً لم يزر العراق، إبان سقوطها بأيدي الأمريكان، أجاد أيّما إجادة في تخيل المشهد المرّ برّمته، ومن ثمّ سكبه في قالب روائي مدهش، إنه يأتي علي سرد أصغر وأشد التفاصيل الدقيقة، بدقة متناهية، أقرب لمشاهد سينمائية، لتستحيل تلك التفاصيل في المُجتبي إلي معمار روائي متين، وإلي سردٍ ينثال عذوبة ورقة، إذا ما استوجبت الضرورة الفنية ذلك، ثم لا يلبث أن يتحول السرد ذاته إلي سرد صاخب وعنيف، مدجج بقاموس لغوي دموي، وهو يعرج علي الأحداث التي تتطلب عنفاً وتصحراً لغوياً لا يقل شأناً عن عنف وتصحر الواقع، الواقع الغامض والملتبس، سعياً وبحثاً ونبشاً في مصير مجهول أرعن. فمن ذكر أسماء المدن والقري والأحياء والشوارع والمقاهي، إلي كيفية التطوع في صفوف المقاومة، فالتدرب المستميت علي استخدام السلاح والقنابل والأحزمة الناسفة، مروراً بالأقبية والأوكار والجبال والمخابئ، التي يحتمي بها أولئك المجاهدون، ومن ثم قيامهم بعمليات تفجيرية أو انتحارية ما في الأسواق أو المدارس والساحات العامة، مروراً كذلك بالخراب والدمار والكوارث التي تنجم عن تلك العمليات التي تسمي فدائية أو استشهادية، وما ينجم عن ذلك كله من تشريد وضياع وفتنة وتهجير لأناس أبرياء، يتحولون بلحظة قدرية، مجنونة وطائشة، إلي متهمين ومشوهين وضحايا ومعطوبين ومشلولين وجثث متفحمة، عبر جمل واصفة ومعبرة وواخزة، ناهيك عن مفردات منتقاة بعناية فائقة لتكبير ذلك المشهد البعيد، المشهد المصغر جداً، ومن ثم رؤيته بالعين المجردة وحدها، دون حاجة إلي عدسات أو تلسكوبات. مشهد الخراب والدمار والفتك والقمع وانتهاك المحرمات الإنسانية والعمرانية والجغرافية والآثارية لهذا البلد الشامخ العريق الذي استحال إلي مزرعة تتقاسم خيراته أشد وألد الأعداء من الخارج والداخل في الآن ذاته.
من هم جنود الله في هذه الرواية الطويلة علي نحو ما، ذات الصبغة الإشكالية؟ ومن هم رسل المحبة؟ ثم ما جدوي هذا الصراع؟ من هم المستفيدون منه؟ ومن هم المتضررون؟ وقبل كل ذلك: لماذا الحرب أساساً؟!. قائمة طويلة جداً من الأسئلة التي سيصعق بها القارئ وهو يقرأ هذا العمل الذي حاول كاتبه قدر الإمكان أن يكون منصفاً في تمرير رسائله، تلك الرسائل المشفرة، الداعية في أُسّها العميق إلي لمّ الشمل الإنساني في هذه المعمورة المتحاربة دوماً وأبداً. يقيناً.. فالفاتك والغازي والمدمر ليسوا جنوداً بأي شكل من الأشكال، ولا يعتبر مقاوماً أو شهيداً أو بطلاً أو مدافعاً عن حق من الحقوق الكثيرة، ذلك الانتحاري أو المفخخ والمفجر، هم مخربون كما تقول الرواية، شأنهم في ذلك شأن الغازي والفاتك والمغتصب، لكن.. ماذا عن الجرحي والمعطوبين والمشوهين والمشلولين؟ هؤلاء هم جنود الله الحقيقيون، هم رسل المحبة، الذين يستحقون الحياة، لأنهم وحدهم من لم تنطل عليهم اللعبة، أو الآلة الإعلامية الجوفاء، الآلة الشعاراتية المضللة، إذ لم ينجرفوا إلي مستنقع الحرب، ثم إنهم باختيارهم موقفاً محايداً، لم يؤيدوا قطعاً المغتصب والمدمر، آثروا العيش في أرضهم، وماتوا كذلك في تلك الأرض. جنود الله هم الذين لا يطمعون في خيرات الآخرين، ولا يعترفون بالانقسامات المذهبية والطائفية، هم من تجمعهم، علي مختلف مشاربهم وأهواءهم، الأديان وتوحدهم، هم الأطفال، ثمار العلاقة القائمة علي المحبة والرقي والسمو.
حاول الحداد ألا يبخس الحقائق حقها، تحدث عن الظلم والعدل، عن الأحرار والأشرار، عن المضطهدين والغزاة، وهو وإن أدان الحروب، فقد نجح في دعوته لفتح نافذة الانفتاح والتواصل، وهو وإن رفض المقاومة، فلم يتوان عن ذكره لبعض المغررين بهم، الذين انساقوا ربّما بالجبر والإكراه إلي فعل المقاومة. فالسارد المفجوع، الرافض للحرب، صَادقَ الميجور ميلر، الضابط الأمريكي، بعد أن تحاورا تحت القصف، كما تعاطف علي الدرجة ذاتها مع الشاب الجزائري، الرافض للمقاومة، الذي كان يعمل تحت قيادة ابنه سامر، والذي فجر نفسه تحت التهديد، بأن آثر تفجير نفسه في مكان قصي عن الناس، كي لا يتسبب بمقتل أحدهم، بعد أن سرب للتنظيم أنه يفكر في العدول عن قراره، والعودة من ثم إلي بلاده، لكنه لم يتمكن من كل ذلك، لأنه استحال إلي حطام... وجثة متفحمة.
جنود الله رواية إشكالية، ببصمة خاصة، وخاصة جداً، رواية لم تكتب تحت الطلب، رغم ما اعتراها في بعض الفصول من أحكام قيمة، أو هموم وقضايا عصرية، خالها الحداد شائكة، لكن يشفع لها ــ أي الرواية ــ أنها حاولت جاهدة أن تضع اليد علي الجرح، ليلتئم بشكل أو بآخر، وعلي نحو ما نجحت في مسعاها هذا، لأن كتابات من هذا النوع، تفترض في كاتبها أن يتقن السير بين الألغام، تستلزم رضاً عاماً، مواكبة ومهادنة لوعي جمعي، بمختلف تياراته وقناعاته وآراءه، وهنا تتبدي الاستحالة جلية، في القدرة علي التوفيق، بين ما تؤمن به، وما يؤمن به الغير، لأن الكاتب الملتزم، المقتنع بآرائه وأفكاره وإبداعه، لا ينساق لما يقوله الآخرون، أو ما يؤمنون به، فله رؤيته الخاصة، قناعاته التي يؤمن بها، نبشاً فتحليلاً وتأويلاً، وهنا، هنا تحديداً، تتعدد وتختلف الدراسات والأطروحات التي تتناول أعمالاً كهذه، بين مؤيد ومفند، أو بين رافض ومرحب...
** منشور في صحيفة "الزمان" في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني
فواز حداد في روايته "جنود الله " الصادرة حديثاً، عن دار رياض الريس، والمقسمة إلي ثلاثة أجزاء: " طريق آخر إلي الجنة ـ رسائل من بغداد ـ وحافة الجحيم." يدين ويعري الانقسامات المذهبية والطائفية، يصرخ بكلّ ما أوتي من قوة، ليطرح أسئلته الإشكالية، التي يحرص عليها بشدة في أعماله الروائية الأخيرة، إزاء غرائبية وفجائعية وغورية ولا واقعية الأحداث المرهقة والممرضة والممضة التي تشهدها الساحة العربية والعالمية، برؤية فلسفية حكيمة حيناً، متأملة وحالمة حيناً آخر، مستندة علي أرضية ثقافية ومعارفية بادية للعيان: من نحن؟ لماذا الحروب؟ إلي أين المصير؟. يطرح كلّ ذلك وأكثر، لينفض بحبره ما تأتي له من الغبار عن المشهد، المشهد السديمي، الداكن والمغبر، المشهد المغرق في بؤسه وسوداويته منذ أبد الآبدين، هو الذي تأتي له في عمله هذا، وعن قربٍ، القيام برحلة روائية وإبداعية، محفوفة بالمخاطر بكل المقاييس، لينبش في واقع مأسويّ، أو مصير مضبب، وما يتخلل تلك الرحلة من حسابات تنصبّ كل منها في خانة تختلف عن الأخري، وتتراوح بين الندم والحسرة والخسارة والموت أيضاً، الموت المفجع والمروع، عبر سارد علماني أَوكل له مهام السرد، يُفجع بخبر ذهاب ابنه البكر سامر، كي يتطوع في صفوف المجاهدين، لصد خطر الهجوم الأمريكي الذي أودي بسكينة وأمن العراق، هذا البلد الذي استنزفت خيراته الحروب الكثيرة المدمرة، والذي ما إن يتماثل للشفاء من آثار حرب ما، حتي يتعرض لأخري، أشد فتكاً وضراوة. سامر هذا، العاشق الذي كانه، والطالب الجامعي الذي يدرس ببيروت، يلتحق بالمقاومة، محدثاً شرخاً في الأسرة، الأسرة المتماسكة في بداياتها، والمفككة علي نحو ما بعد طلاق والديه، فالوالد اليساري السابق، الذي يدين الإرهاب من خلال أبحاثه التي يكتبها في نشوء الجماعات الإسلامية وخطرها، الذي يقول كلمته ويمضي، المتحرر تماماً من رهاب الدين والسياسة والإيمان والعادات والتقاليد الاجتماعية، يقرر أن يلتحق بابنه، لكي ينقذه مما أقدم عليه من قرار أقرب للطيش، لكنه.. وبعد سلسلة طويلة من المغامرات، حوادث وقصص مرعبة ولا مألوفة، لقاءاته بضباط أمريكيين سهلوا له دخول العراق بجواز سفر أمريكي، ناهيك عن لقاءه بالزرقاوي، بعد كل ذلك يُختطف، ويصدم بحقيقة ابنه، الذي بات واحداً آخر، يتحاوران عن جدوي مقاومة كهذه، تكون النتيجة حقيقة مروعة، لا ينصاع فيها الابن لما يقترح الوالد عليه، بل يتشدق ليطلب منه أن يعود من حيث أتي، فالله قد اختار له مصيره، وينبغي عليه أن يكمل ما بدأه دون إملاءات أو توصيات من قبل أحد، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما قال له. وعندما يسأله الوالد ما إذا كان هناك نص في القرآن يدعو لما أقدم عليه، يرد عليه بأن الله اصطفاه لهذا الأمر، والحياة في الآخرة هناء وصفاء ونهر سلسبيل وحور عين، يثور عليه الوالد، ويسأله ما إذا كان أحدهم قد ذهب إلي الجنة ثم عاد وأخبرهم بكل تلك الحقائق التي جاء علي ذكرها.؟ يرد عليه سامر، الذي تحول اسمه إلي عبد الله السوري، تيمناً بأبي مصعب الزرقاوي: لو لم تكن والدي، لكان لي معك شأن آخر... أنت ملحد !.
يعود الأب إلي دمشق فاقد الذاكرة، بعد أن تعرض مخبأ ابنه السري للقصف، والمداهمة، فيفترقان إذاك، هو يعود إلي دمشق، ويذهب ابنه إلي مصيره المجهول: " بلد لا مكان فيه للعقل أو الرحمة، بل للخيانة والوشاية والخطف والذبح والقتل علي الدين والطائفة والهوية والاسم. ولقد شاء حظي أن أعود منه فاقد الذاكرة. ربّما تعطلت ذاكرتي، أو أنني عملت علي تعطيلها. لم يكن هذا سيحصل لولا يقيني أنني اخترت ركناً قصياً لا تطاله الحقائق ولا الأوهام." لم يفلح الأب فيما سعي إليه إذن، لم يستطع فوق ذلك أن يثني ابنه، فلذة كبده، عن قراره، حاول وكافح وناضل طويلاً، ليقنعه بالحجة والمنطق والبرهان، كي يسترده إلي حياته السابقة، لكنه كان عنيداً، أصم عن كل شيء، مؤمناً بهدفه فقط، وهو مواصلة المقاومة والجهاد ودحر العدو، هدف آمن به حتي آخر رمق من دمه، لقد بات أميراً، ويلقب بـ عبد الله السوري، تأتي له رؤية الزرقاوي، والالتقاء به، الذي نصبه بدوره أميراً، يقتصر عمله علي التواصل مع الجماعات وصفوف المقاومة عبر الانترنيت، بات أميراً، والمنضوون تحت لواءه يتقيدون بكل حرف يقوله لهم، بات خطيباً مفوهاً أيضاً، له قدرة كبيرة علي الإقناع، يتحدث لهم عقب كل صلاة عن الآخرة، عن عظمة ما يقومون به من أعمال، عن الحياة الرغيدة التي سينعمون بها في الآخرة بعد كل تفجير أو عملية انتحارية يقومون بها.
لكن.. أين التشويق في عمل كهذا أو فكرة كهذه.؟ وهذا صحيح، لكن براعة الحداد لا تتجلي هنا، فمتنه الروائي سبق وقرأناه في الصحف والمجلات، ناهيك عن متابعته فصلاً فصلاً في القنوات الفضائية، وغيرها من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، الأمر هنا مختلف قطعاً، له علاقة بأدوات الحداد الروائية في هذا العمل، وهو الأمر الذي افتقدت إليه، بشكل أو بآخر، رواياته السابقة: " المترجم الخائن وعزف منفرد علي البيانو " ، فواز حداد في هذه الرواية فاق ـ كما يري كاتب هذه السطور ـ كِبَار وأعتي الروائيين في تقنيتي الخيال والوصف، بغض النظر عن قناعاته طبعاً، إذ كيف له أن يؤنسن الوهم، ثم يجعل منه بطلاً محاطاً بهالة ملائكية وهو يعيث فتكاً وخراباً بمصائر وأقدار الناس في حله وترحاله؟. نعم.. بغض النظر عن كلّ ذلك، فقد امتلك في عمله هذا، ناصية الخيال والتذكر والاستذكار والاسترجاع والأرشفة، فهذا الرجل الذي يقيناً لم يزر العراق، إبان سقوطها بأيدي الأمريكان، أجاد أيّما إجادة في تخيل المشهد المرّ برّمته، ومن ثمّ سكبه في قالب روائي مدهش، إنه يأتي علي سرد أصغر وأشد التفاصيل الدقيقة، بدقة متناهية، أقرب لمشاهد سينمائية، لتستحيل تلك التفاصيل في المُجتبي إلي معمار روائي متين، وإلي سردٍ ينثال عذوبة ورقة، إذا ما استوجبت الضرورة الفنية ذلك، ثم لا يلبث أن يتحول السرد ذاته إلي سرد صاخب وعنيف، مدجج بقاموس لغوي دموي، وهو يعرج علي الأحداث التي تتطلب عنفاً وتصحراً لغوياً لا يقل شأناً عن عنف وتصحر الواقع، الواقع الغامض والملتبس، سعياً وبحثاً ونبشاً في مصير مجهول أرعن. فمن ذكر أسماء المدن والقري والأحياء والشوارع والمقاهي، إلي كيفية التطوع في صفوف المقاومة، فالتدرب المستميت علي استخدام السلاح والقنابل والأحزمة الناسفة، مروراً بالأقبية والأوكار والجبال والمخابئ، التي يحتمي بها أولئك المجاهدون، ومن ثم قيامهم بعمليات تفجيرية أو انتحارية ما في الأسواق أو المدارس والساحات العامة، مروراً كذلك بالخراب والدمار والكوارث التي تنجم عن تلك العمليات التي تسمي فدائية أو استشهادية، وما ينجم عن ذلك كله من تشريد وضياع وفتنة وتهجير لأناس أبرياء، يتحولون بلحظة قدرية، مجنونة وطائشة، إلي متهمين ومشوهين وضحايا ومعطوبين ومشلولين وجثث متفحمة، عبر جمل واصفة ومعبرة وواخزة، ناهيك عن مفردات منتقاة بعناية فائقة لتكبير ذلك المشهد البعيد، المشهد المصغر جداً، ومن ثم رؤيته بالعين المجردة وحدها، دون حاجة إلي عدسات أو تلسكوبات. مشهد الخراب والدمار والفتك والقمع وانتهاك المحرمات الإنسانية والعمرانية والجغرافية والآثارية لهذا البلد الشامخ العريق الذي استحال إلي مزرعة تتقاسم خيراته أشد وألد الأعداء من الخارج والداخل في الآن ذاته.
من هم جنود الله في هذه الرواية الطويلة علي نحو ما، ذات الصبغة الإشكالية؟ ومن هم رسل المحبة؟ ثم ما جدوي هذا الصراع؟ من هم المستفيدون منه؟ ومن هم المتضررون؟ وقبل كل ذلك: لماذا الحرب أساساً؟!. قائمة طويلة جداً من الأسئلة التي سيصعق بها القارئ وهو يقرأ هذا العمل الذي حاول كاتبه قدر الإمكان أن يكون منصفاً في تمرير رسائله، تلك الرسائل المشفرة، الداعية في أُسّها العميق إلي لمّ الشمل الإنساني في هذه المعمورة المتحاربة دوماً وأبداً. يقيناً.. فالفاتك والغازي والمدمر ليسوا جنوداً بأي شكل من الأشكال، ولا يعتبر مقاوماً أو شهيداً أو بطلاً أو مدافعاً عن حق من الحقوق الكثيرة، ذلك الانتحاري أو المفخخ والمفجر، هم مخربون كما تقول الرواية، شأنهم في ذلك شأن الغازي والفاتك والمغتصب، لكن.. ماذا عن الجرحي والمعطوبين والمشوهين والمشلولين؟ هؤلاء هم جنود الله الحقيقيون، هم رسل المحبة، الذين يستحقون الحياة، لأنهم وحدهم من لم تنطل عليهم اللعبة، أو الآلة الإعلامية الجوفاء، الآلة الشعاراتية المضللة، إذ لم ينجرفوا إلي مستنقع الحرب، ثم إنهم باختيارهم موقفاً محايداً، لم يؤيدوا قطعاً المغتصب والمدمر، آثروا العيش في أرضهم، وماتوا كذلك في تلك الأرض. جنود الله هم الذين لا يطمعون في خيرات الآخرين، ولا يعترفون بالانقسامات المذهبية والطائفية، هم من تجمعهم، علي مختلف مشاربهم وأهواءهم، الأديان وتوحدهم، هم الأطفال، ثمار العلاقة القائمة علي المحبة والرقي والسمو.
حاول الحداد ألا يبخس الحقائق حقها، تحدث عن الظلم والعدل، عن الأحرار والأشرار، عن المضطهدين والغزاة، وهو وإن أدان الحروب، فقد نجح في دعوته لفتح نافذة الانفتاح والتواصل، وهو وإن رفض المقاومة، فلم يتوان عن ذكره لبعض المغررين بهم، الذين انساقوا ربّما بالجبر والإكراه إلي فعل المقاومة. فالسارد المفجوع، الرافض للحرب، صَادقَ الميجور ميلر، الضابط الأمريكي، بعد أن تحاورا تحت القصف، كما تعاطف علي الدرجة ذاتها مع الشاب الجزائري، الرافض للمقاومة، الذي كان يعمل تحت قيادة ابنه سامر، والذي فجر نفسه تحت التهديد، بأن آثر تفجير نفسه في مكان قصي عن الناس، كي لا يتسبب بمقتل أحدهم، بعد أن سرب للتنظيم أنه يفكر في العدول عن قراره، والعودة من ثم إلي بلاده، لكنه لم يتمكن من كل ذلك، لأنه استحال إلي حطام... وجثة متفحمة.
جنود الله رواية إشكالية، ببصمة خاصة، وخاصة جداً، رواية لم تكتب تحت الطلب، رغم ما اعتراها في بعض الفصول من أحكام قيمة، أو هموم وقضايا عصرية، خالها الحداد شائكة، لكن يشفع لها ــ أي الرواية ــ أنها حاولت جاهدة أن تضع اليد علي الجرح، ليلتئم بشكل أو بآخر، وعلي نحو ما نجحت في مسعاها هذا، لأن كتابات من هذا النوع، تفترض في كاتبها أن يتقن السير بين الألغام، تستلزم رضاً عاماً، مواكبة ومهادنة لوعي جمعي، بمختلف تياراته وقناعاته وآراءه، وهنا تتبدي الاستحالة جلية، في القدرة علي التوفيق، بين ما تؤمن به، وما يؤمن به الغير، لأن الكاتب الملتزم، المقتنع بآرائه وأفكاره وإبداعه، لا ينساق لما يقوله الآخرون، أو ما يؤمنون به، فله رؤيته الخاصة، قناعاته التي يؤمن بها، نبشاً فتحليلاً وتأويلاً، وهنا، هنا تحديداً، تتعدد وتختلف الدراسات والأطروحات التي تتناول أعمالاً كهذه، بين مؤيد ومفند، أو بين رافض ومرحب...
** منشور في صحيفة "الزمان" في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني