حبل الوريد
discussion
رواية حبل الوريد
date
newest »
newest »
فصل من رواية حبل الوريد محمد زهران
أحتضن في صدري الظرف الأصفر الضخم المكتظ بالروشتات والتحاليل والأشعة، وعيناي لم تنزلا عن وجه أمي المشحون بالدموع.. تتجاوب عيناى مع عينيها بدموع ساخنة تنز من عيني الملتهبة بلون الدم.. كل المراهم والقطرات لم تجدِ نفعًا طوال الأشهر الماضية.. أخفيت عن أمي أنني تقريبًا لم أعد أرى بعيني اليسرى، والمشكلة أننى أشعر أن اليمنى فى الطريق، تنز منها دموع ساخنة حمراء بلون الدم، ويغطيها حَمَار اختفى معه نني العين.. أبتسم وأخبرها أنني في أحسن حال.. أتطلع لوجهها باحثًا في عينيها عن دعم يشعرني بأنني بخير وسأجتاز هذه المحنة.. لدىَّ الكثير من الخطط والأحلام للحياة.. من العبث أن أموت الآن هكذا.. بعد طول انتظار في الصالة أخيرًا وبعد منتصف الليل هَلَّ علينا الطبيب اللامع المتأنق نافخًا في وجوهنا وهو يجتازنا نحو غرفة مكتبه، دفقة هائلة من دخان سيجاره الكوبي.. طوال الأشهر الثلاثة الماضية وأنا أحاول إقناع الأطباء بأن من المؤكد أن هناك علاقة بين هذا الانقلاب الدموي الذي يحدث لعيني، وهذه البقع الدموية، والتورم الذي سيطر على ساقي، وهذه القرح الداخلية التى بدأت تصيب القضيب.. أخيرًا بدا على هذا الطبيب الاقتناع.. أترقب انفتاح وانغلاق باب المكتب بيقين أنه عند دخولي سأجتاز بوابة سحرية، فبمجرد إطلاعه على هذه الأوراق سيعرف الطريق الصحيح، ويعطيني بالداخل حقنة تمسح الشهور الماضية وأعود صاغ سليم كما كنت قبلها.. كانت لحظة عبثية.. أقفز من الأتوبيس المتخم بحمولته بمجرد اجتيازه للجزيرة ودخوله على كوبرى قصر النيل، فمواصلةُ الطريق سيرًا على الأقدام أسرع من انتظار أن يصل بي لميدان التحرير.. أجتاز كوبري قصر النيل بمشيتي المهرولة التي لا يجاريني فيها أحد.. أقطع ميدان سيمون بوليفار، تتراءى لى كليتى المقابلة للسفارة الأمريكية، وكثير من الزملاء يهرولون مثلى باتجاه الكلية، وفى لحظة يتوقف الجسد الديناميكي عن الحركة.. لا تقوى قدماى على حمل جسدي النحيل.. لاحظت عليهما تورمًا بسيطًا في الأيام السابقة، ولكنني كنت أتصور أنها تقلبات الشتاء المعتادة.. أتهاوى أرضًا.. أتلمس سمانة ساقى التي خذلتني، يفزعني أنها فجأة قد تضخمت لدرجة تلاصقها بجدار البنطلون الجينز.. الأمتار القليلة الباقية للوصول لمقر الكلية تحولت إلى عدة كيلو مترات لا قبل لي باجتيازها.. توقف الزمن.. لا أعرف مدى الوقت الذي مر بين هذه اللحظة ولحظة وصول زملائي بكرسي من الرعاية الطبية ودخلت الكلية محمولًا على الكرسي.
على الرغم من الألم الجسمانى فأكثر ما كان يؤلمني نظرات الإشفاق في عيون زميلاتي، لم ألتفت لنظرات زملائى الصبيان، فكل ما كان يشغلنى هم البنات، فكل تحركاتى كانت فقط للفت انتباههن وإبهارهن بأنشطتى المتنوعة وتفوقى، شعرت مع نظراتهن وكأنني محمول على الكرسي عاريًا. على الرغم من انقطاع علاقتنا منذ فترة طويلة كانت مارلين هى أول من تلقتنى بعد خروجى من الرعاية، وصدمة الطبيب لى بإن عندى جلطة ولازم أروح لدكتور أوعية ولابد من الراحة التامة: "خير يا محمد فيه أيه؟". " لا أبدًا شوية إرهاق ولازم أروح دلوقتى". هجم علىَّ بعض زملائى يسندوننى حتى توقفنا على باب الكلية وأجلسونى على كرسى بجوار البوابة حتى يستوقفوا لى تاكسى. وأنا ألتفت لداخل الكلية، شعرت بانقباضة فى قلبى وحالة اختناق. شعرت بالدموع الساخنة تبلل وجهى وأنا أرى نظرة مارلين القلقة وقد تسمرت فى وقفتها كتمثال مثبتة نظرتها علىًّ، قرأت فى عينيها أن الأمر خطير.
بدأ الطبيب تقليب الأوراق بلامبالاة من سيقرر مصير حشرة لا يفرق وجودها من عدمه كثيرًا في خط سير الحياة.. أمي تترقب وجهه البارد بفزع، لم تطق الانتظار:" يعنى فيه أمل إن عينه ترجع طبيعي تانى يا دكتور؟". لم يرفع عينيه عن الأوراق وبصوت معدني بارد رد بحيادية: "عينه إيه يا حاجه، دلوقتى الخوف على عينه التانية، والموضوع دلوقتى أكبر من عينيه بكتير.. للأسف دي حالة نادرة اسمها بهجت.. مرض مناعي مالوش علاج.. المرض ده بيهجم على كل أجزاء الجسم، وصعب نعرف هجمته الجاية فين؟ القلب.. المخ.. الكلى.. الكبد.. ربنا يستر.. ربنا يستر.. الحركة ممنوعة تمامًا، دلوقتى عنده نشاط جلطات ممكن فى لحظة تتحرك للقلب أو المخ، مفهوم؟".
يمصمص شفتيه بتصعب من يرى أمام عينيه مشروع وفاة لشاب في بداية الطريق.. انتهى تعاطفه الوظيفي سريعًا.. يجلس على مكتبه، يرجع للخلف وقد استراح بعد أن أصدر حكمه بالإعدام على الشاب دون رأفة بحالة الأم.. يأخذ نفسًا عميقًا من سيجاره الذي لا ينتهي.. الدخان الكثيف يغيِّب ملامح وجه أمي، الذي كنت أبحث فيه عن نقطة ارتكاز، تُكذب ما سمعته أذناى.. القلم يجرى على الروشتة وأنا أحدق في الحروف اللاتينية المعكوسة أمام عيني التي لم يتوقف نزها من الدموع الدموية الساخنة.. أمسح عيني بطرف المنديل لاستجلاء الحروف.. مازلت أنتظر الحل السحري وأتخيل انقلابًا مفاجئًا.. عندي يقين مطلق بالعلم، فعندما ستتحول هذه الحروف لعلب أدوية سيوقف سحرها هذا العدو الخفي الذي يهاجمني.. أيكون هذا هو رد فعل صراخى فى الطريق المقطوع بأطراف البلد مناديًا الله إن كان موجودًا أن يريني آية كما فعل مع إبراهيم؟ يارب آمنت بك، ولكن حقق لي معجزة الآن كمعجزات الشفاء التي كان يصنعها المسيح.. حاولت تلمس وقع الدعوة التى تدور فى صدرى بأن تتمتمها شفتاى.. استغربت وقع الكلمات على شفاهى خاصة مع إصرارى الداخلى على أن تكون مخاطبة الله باللغة الفصحى.. "مفيش علاج حاسم.. هناخد كورتيزون".. " يعنى هيبقى كويس؟". بدأ يكتب الروشتة ببلادة وآلية وألقاها في وجهي، ثم وهو ينهض ليأمرنا بالانصراف، تذكر سؤال أمي فرد مع ابتسامة باردة: "كله بأمر الله يا حاجه"، ثم وهو ينظر إلىَّ: "راحة تامة فى السرير ست أشهر ده ع الأقل وربنا يستر". أمى بفزع: " ودراسته يا دكتور؟". رد بعصبية: " دراسة أيه يا حاجه بقولك حياته فى خطر تقوليلى دراسة، فى ستين داهية الدراسة".
أتأمل الكلمات التي سطرتها منذ ربع قرن بعد عودتنا من زيارة الطبيب الذي ألقى القنبلة في وجه أمي دون رأفة بها.. يسترجع ذهنى تفاصيل المشهد كأنه يحدث أمامى فى التو واللحظة. أتطلع لصورتها الباسمة، أسترجع صورة الوجه الذاهل الذى شاخ فجأة بعد خروجنا من عند الدكتور، أتطلع إليها وهى نائمة على السرير أمامي، وجهها غاضب فى رقدته، وشفتاها تزمجران بأحرف متداخلة غير مفهومة، وكأنها في صراع مع قوى خفية لا أراها.. أرى سرسوب الدموع ينز من العين المغلقة.. على الرغم من تماسكي أمامها لم أستطع النوم فجلست وكتبت الكلمات السابقة التي شعرت بالراحة بعد كتابتها.. خرجت للصالة.. الشقة التى أسكن بها تحوى كوريدور طويل يفتح على الصالة، يتراص على الجانب الأيسر أربع غرف مستقلة، يقابلهم على الجانب الأيمن الحمام ثم المطبخ بعدهما امتداد عرضى للصالة، يحوى هذا الركن صالونًا مذهبًا قديمًا لاستقبال الضيوف.. غرفتى كانت الأخيرة بنهاية الصالة فى مواجهة الصالون، ونشترك جميعًا فى المطبخ والحمام. كانت الغرف فاخرة وتحوى كل الكماليات كشقة مستقلة بها المكتب والسرير والدولاب والتلفزيون والثلاجة، ولارتفاع سعر إيجارهاـ ميه وعشرين جنيه شهريًاـ لم يسكنها إلا اثنان، أنا ومنعم الويتر بمينا هاوس، وفى العام الأول كان ثالثنا "سمير" والذى ترك الغرفة فى العام التالى وسكن بالمدينة الجامعية ليوفر لكى يستطيع الزواج من سلوى وهما فى الدراسة. لم أكن أخاف من منعم عند إحضار بنات للشقة، بل كان يعاملهن بكل ود، ويبتهج بحضورهن ليمسك علىَّ ذلة يهددنى بها أمام أمى إذا تجرأت وفضحته أمام أهله الذين نادرًا ما يأتون لزيارته، فمنعم مالوش إلا فى الرجالة، ومع كل إجازة نهاية الأسبوع يعود برجل غالبًا ما يكون سائحًا أجنبىًا يصطاده من مينا هاوس، يقضى معه الويك إند، حاول معى كثيرًا متحدثًا عن أن هذا الأمر له لذة لا يعرفها إلا من جربها، فلأجرب، لكننى المهووس بالأنثى لا يمكننى حتى تخيل امكانية علاقة جنسية بين رجلين، لكن انتهينا لأن نصبح صديقْيْن محايديْن، وإن كان لا يمل من إغوائى باحضار بنات لى، ويعدنى بالمزيد إن طاوعته. ساهم هو أكثر من مرة بالفعل فى أن يصطاد لى بنات شاردات من مينا هاوس يبتن معى، وللصراحة فقد كانت اختياراته شديدة التميز كأنثى تفهم جيدًا أذواق الرجال. لا أنسى من بينهن هذه الفتاة التى كانت شاردة فى مينا هاوس تبحث عن مأوى وأتى بها منعم، كانت فتاة عشرينية، سمراء تميل للقصر، جسمها ليس به غلطة، الجسد الملفوف الأكثر امتلاءًا فى نصفه السفلى، والرجلين المخروطة والثدى النافر المنتصب بلا ترهل.. عرفنى عليها وخرج بحجة إنه نازل يشترى حاجة من تحت، وغمزنى وهو يخرج وعلى الباب: " إنت وشطارتك بقى". سألتها إن كانت تشرب قهوة معى كبداية للتعارف، وأنا أقلب القهوة على شعلة البوتاجاز الصغيرة، بدأت تقليب الخطط فى ذهنى لكيفية بداية الغزو. عند عودتى للغرفة، بادرت هى بقولها: "عايزه أقول لك حاجة يا محمد، أنا قرفانه من الموضوع ده، يا ريت تسيبنى على راحتى، لو غصبت عليه هاطاوعك عشان اللقمة والنومة، بس صدقنى هيبقى غصب عنى. انت باين عليك شاب مؤدب، طبعًا إنت فاهمنى. يا ريت تعاملنى زى أختك فى الكام يوم اللى هقعدهم عندك".. الصراحة شعرت بالخجل، ابتسمت وقلت لها مداعبًا: "هو للدرجة دى باين عليَّه؟ وبالفعل طوال اليومين لم أحاول لمسها، مع إن بهجت كان راضى عنى وقتها والحالة بمب. فى اليوم الثالث طلبت منى توصيلها لموقف أحمد حلمى فأحد المعارف دبر لها عمل دائم بالسويس وهى تريدنى أن أذهب معها لتشعر هذا الشخص بأن لها أهل. قمت بتوصيلها وسمعت الكلمة العبيطة وهى تعرِّفه علىَّ : " محمد ابن خالتى". كان الرجل فى حوالى الأربعين شعرت من نظرة عينيه أنه قواد محترف، وتذكرت حمدى أحمد فى فيلم "القاهرة تلاتين" فشعرت أنه قد نبتت لى من مؤخرة رأسى عدة قرون، وأشفقت على المسكينة " إيمان" ـ الذى أعتقد أنه لم يكن اسمها الحقيقى ـ من المصير المجهول الذى ينتظرها. سبقنا القواد نحو سيارات الأجرة بالموقف، وأشار إليها لتلحق به، وجدت بعينيها نظرة امتنان، وهى تصافحنى مودعة، وشبت على أطراف أصابع قدميها لتقبلنى، فانحنيت لها، وبصدق قلت لها وأنا أودعها: " بيتنا مفتوح ليكى دايمًا يا إيمان، لو حصل أى حاجة تضايقك، هتلاقى أخوكى فى انتظارك.
طرقت على منعم باب غرفته، فتح سريعًا: "ابن حلال.. أنا عارف إن الحاجه هنا، نام معايا النهاردا، وما تخافش هكون والله فى منتهى الأدب، لا هلعب هنا ولا هنا".. " لا ياعم يفتح الله، والله ما أمن لك لو حتى إيه، أنا بس مخنوق يا منعم وعايز أقعد معاك شويه.. سهران؟".. "ولو ما كنتش سهران أسهر لك، أنا بكره عمومًا شفتى مسائى.. تعالى تعالى".. حدق مليًّا فى عينى: "الدكتور قال لكم إيه؟".. " سيبك من الدكتور دلوقتى وتعالى نتكلم فى أى حاجة تانية".. نهض فى اتجاه تلاجته: " أما انت بجد ابن حلال مصفى، النهاردا مسرب من الفندق ربع إزازة ويسكى إكسترا مستوردة مش منقوع الصرم بتاعنا، إدهانى نزيل أمريكى مجدع تحس كأنه ابن بلد " مايكل" ها أعرفك عليه آخر الأسبوع ده، هييجى يقضى الويك إند معايا".. "دا الزبون الجديد؟ يا بنى إبعد عن الأمريكان خد بالك الإيدز منتشر اليومين دول خصوصًا وسط الأمريكان".. "يا عم سيبك كل دى يا بنى إشاعات"، ثم وهو يستخرج زجاجة الويسكى من الثلاجة ويلوح لى بها: "والله عديتها من الأمن بعد ما غمزتهم بحتة بخمسه وصادروا نصها، دى كانت نص إزازه بحالها.. عندك تلج؟".. نسيت متاعبى وبهجت والدكتور وحديثه الكارثى وأمى، وتهلل وجهى بالفرحة وأنا أفرك يداى: "حالًا أجيب التلج".. يااااه.. مر الزمن بالسرعة دي؟.
فصل من رواية حبل الوريد محمد زهران
أحتضن في صدري الظرف الأصفر الضخم المكتظ بالروشتات والتحاليل والأشعة، وعيناي لم تنزلا عن وجه أمي المشحون بالدموع.. تتجاوب عيناى مع عينيها بدموع ساخنة تنز من عيني الملتهبة بلون الدم.. كل المراهم والقطرات لم تجدِ نفعًا طوال الأشهر الماضية.. أخفيت عن أمي أنني تقريبًا لم أعد أرى بعيني اليسرى، والمشكلة أننى أشعر أن اليمنى فى الطريق، تنز منها دموع ساخنة حمراء بلون الدم، ويغطيها حَمَار اختفى معه نني العين.. أبتسم وأخبرها أنني في أحسن حال.. أتطلع لوجهها باحثًا في عينيها عن دعم يشعرني بأنني بخير وسأجتاز هذه المحنة.. لدىَّ الكثير من الخطط والأحلام للحياة.. من العبث أن أموت الآن هكذا.. بعد طول انتظار في الصالة أخيرًا وبعد منتصف الليل هَلَّ علينا الطبيب اللامع المتأنق نافخًا في وجوهنا وهو يجتازنا نحو غرفة مكتبه، دفقة هائلة من دخان سيجاره الكوبي.. طوال الأشهر الثلاثة الماضية وأنا أحاول إقناع الأطباء بأن من المؤكد أن هناك علاقة بين هذا الانقلاب الدموي الذي يحدث لعيني، وهذه البقع الدموية، والتورم الذي سيطر على ساقي، وهذه القرح الداخلية التى بدأت تصيب القضيب.. أخيرًا بدا على هذا الطبيب الاقتناع.. أترقب انفتاح وانغلاق باب المكتب بيقين أنه عند دخولي سأجتاز بوابة سحرية، فبمجرد إطلاعه على هذه الأوراق سيعرف الطريق الصحيح، ويعطيني بالداخل حقنة تمسح الشهور الماضية وأعود صاغ سليم كما كنت قبلها.. كانت لحظة عبثية.. أقفز من الأتوبيس المتخم بحمولته بمجرد اجتيازه للجزيرة ودخوله على كوبرى قصر النيل، فمواصلةُ الطريق سيرًا على الأقدام أسرع من انتظار أن يصل بي لميدان التحرير.. أجتاز كوبري قصر النيل بمشيتي المهرولة التي لا يجاريني فيها أحد.. أقطع ميدان سيمون بوليفار، تتراءى لى كليتى المقابلة للسفارة الأمريكية، وكثير من الزملاء يهرولون مثلى باتجاه الكلية، وفى لحظة يتوقف الجسد الديناميكي عن الحركة.. لا تقوى قدماى على حمل جسدي النحيل.. لاحظت عليهما تورمًا بسيطًا في الأيام السابقة، ولكنني كنت أتصور أنها تقلبات الشتاء المعتادة.. أتهاوى أرضًا.. أتلمس سمانة ساقى التي خذلتني، يفزعني أنها فجأة قد تضخمت لدرجة تلاصقها بجدار البنطلون الجينز.. الأمتار القليلة الباقية للوصول لمقر الكلية تحولت إلى عدة كيلو مترات لا قبل لي باجتيازها.. توقف الزمن.. لا أعرف مدى الوقت الذي مر بين هذه اللحظة ولحظة وصول زملائي بكرسي من الرعاية الطبية ودخلت الكلية محمولًا على الكرسي.
على الرغم من الألم الجسمانى فأكثر ما كان يؤلمني نظرات الإشفاق في عيون زميلاتي، لم ألتفت لنظرات زملائى الصبيان، فكل ما كان يشغلنى هم البنات، فكل تحركاتى كانت فقط للفت انتباههن وإبهارهن بأنشطتى المتنوعة وتفوقى، شعرت مع نظراتهن وكأنني محمول على الكرسي عاريًا. على الرغم من انقطاع علاقتنا منذ فترة طويلة كانت مارلين هى أول من تلقتنى بعد خروجى من الرعاية، وصدمة الطبيب لى بإن عندى جلطة ولازم أروح لدكتور أوعية ولابد من الراحة التامة: "خير يا محمد فيه أيه؟". " لا أبدًا شوية إرهاق ولازم أروح دلوقتى". هجم علىَّ بعض زملائى يسندوننى حتى توقفنا على باب الكلية وأجلسونى على كرسى بجوار البوابة حتى يستوقفوا لى تاكسى. وأنا ألتفت لداخل الكلية، شعرت بانقباضة فى قلبى وحالة اختناق. شعرت بالدموع الساخنة تبلل وجهى وأنا أرى نظرة مارلين القلقة وقد تسمرت فى وقفتها كتمثال مثبتة نظرتها علىًّ، قرأت فى عينيها أن الأمر خطير.
بدأ الطبيب تقليب الأوراق بلامبالاة من سيقرر مصير حشرة لا يفرق وجودها من عدمه كثيرًا في خط سير الحياة.. أمي تترقب وجهه البارد بفزع، لم تطق الانتظار:" يعنى فيه أمل إن عينه ترجع طبيعي تانى يا دكتور؟". لم يرفع عينيه عن الأوراق وبصوت معدني بارد رد بحيادية: "عينه إيه يا حاجه، دلوقتى الخوف على عينه التانية، والموضوع دلوقتى أكبر من عينيه بكتير.. للأسف دي حالة نادرة اسمها بهجت.. مرض مناعي مالوش علاج.. المرض ده بيهجم على كل أجزاء الجسم، وصعب نعرف هجمته الجاية فين؟ القلب.. المخ.. الكلى.. الكبد.. ربنا يستر.. ربنا يستر.. الحركة ممنوعة تمامًا، دلوقتى عنده نشاط جلطات ممكن فى لحظة تتحرك للقلب أو المخ، مفهوم؟".
يمصمص شفتيه بتصعب من يرى أمام عينيه مشروع وفاة لشاب في بداية الطريق.. انتهى تعاطفه الوظيفي سريعًا.. يجلس على مكتبه، يرجع للخلف وقد استراح بعد أن أصدر حكمه بالإعدام على الشاب دون رأفة بحالة الأم.. يأخذ نفسًا عميقًا من سيجاره الذي لا ينتهي.. الدخان الكثيف يغيِّب ملامح وجه أمي، الذي كنت أبحث فيه عن نقطة ارتكاز، تُكذب ما سمعته أذناى.. القلم يجرى على الروشتة وأنا أحدق في الحروف اللاتينية المعكوسة أمام عيني التي لم يتوقف نزها من الدموع الدموية الساخنة.. أمسح عيني بطرف المنديل لاستجلاء الحروف.. مازلت أنتظر الحل السحري وأتخيل انقلابًا مفاجئًا.. عندي يقين مطلق بالعلم، فعندما ستتحول هذه الحروف لعلب أدوية سيوقف سحرها هذا العدو الخفي الذي يهاجمني.. أيكون هذا هو رد فعل صراخى فى الطريق المقطوع بأطراف البلد مناديًا الله إن كان موجودًا أن يريني آية كما فعل مع إبراهيم؟ يارب آمنت بك، ولكن حقق لي معجزة الآن كمعجزات الشفاء التي كان يصنعها المسيح.. حاولت تلمس وقع الدعوة التى تدور فى صدرى بأن تتمتمها شفتاى.. استغربت وقع الكلمات على شفاهى خاصة مع إصرارى الداخلى على أن تكون مخاطبة الله باللغة الفصحى.. "مفيش علاج حاسم.. هناخد كورتيزون".. " يعنى هيبقى كويس؟". بدأ يكتب الروشتة ببلادة وآلية وألقاها في وجهي، ثم وهو ينهض ليأمرنا بالانصراف، تذكر سؤال أمي فرد مع ابتسامة باردة: "كله بأمر الله يا حاجه"، ثم وهو ينظر إلىَّ: "راحة تامة فى السرير ست أشهر ده ع الأقل وربنا يستر". أمى بفزع: " ودراسته يا دكتور؟". رد بعصبية: " دراسة أيه يا حاجه بقولك حياته فى خطر تقوليلى دراسة، فى ستين داهية الدراسة".
أتأمل الكلمات التي سطرتها منذ ربع قرن بعد عودتنا من زيارة الطبيب الذي ألقى القنبلة في وجه أمي دون رأفة بها.. يسترجع ذهنى تفاصيل المشهد كأنه يحدث أمامى فى التو واللحظة. أتطلع لصورتها الباسمة، أسترجع صورة الوجه الذاهل الذى شاخ فجأة بعد خروجنا من عند الدكتور، أتطلع إليها وهى نائمة على السرير أمامي، وجهها غاضب فى رقدته، وشفتاها تزمجران بأحرف متداخلة غير مفهومة، وكأنها في صراع مع قوى خفية لا أراها.. أرى سرسوب الدموع ينز من العين المغلقة.. على الرغم من تماسكي أمامها لم أستطع النوم فجلست وكتبت الكلمات السابقة التي شعرت بالراحة بعد كتابتها.. خرجت للصالة.. الشقة التى أسكن بها تحوى كوريدور طويل يفتح على الصالة، يتراص على الجانب الأيسر أربع غرف مستقلة، يقابلهم على الجانب الأيمن الحمام ثم المطبخ بعدهما امتداد عرضى للصالة، يحوى هذا الركن صالونًا مذهبًا قديمًا لاستقبال الضيوف.. غرفتى كانت الأخيرة بنهاية الصالة فى مواجهة الصالون، ونشترك جميعًا فى المطبخ والحمام. كانت الغرف فاخرة وتحوى كل الكماليات كشقة مستقلة بها المكتب والسرير والدولاب والتلفزيون والثلاجة، ولارتفاع سعر إيجارهاـ ميه وعشرين جنيه شهريًاـ لم يسكنها إلا اثنان، أنا ومنعم الويتر بمينا هاوس، وفى العام الأول كان ثالثنا "سمير" والذى ترك الغرفة فى العام التالى وسكن بالمدينة الجامعية ليوفر لكى يستطيع الزواج من سلوى وهما فى الدراسة. لم أكن أخاف من منعم عند إحضار بنات للشقة، بل كان يعاملهن بكل ود، ويبتهج بحضورهن ليمسك علىَّ ذلة يهددنى بها أمام أمى إذا تجرأت وفضحته أمام أهله الذين نادرًا ما يأتون لزيارته، فمنعم مالوش إلا فى الرجالة، ومع كل إجازة نهاية الأسبوع يعود برجل غالبًا ما يكون سائحًا أجنبىًا يصطاده من مينا هاوس، يقضى معه الويك إند، حاول معى كثيرًا متحدثًا عن أن هذا الأمر له لذة لا يعرفها إلا من جربها، فلأجرب، لكننى المهووس بالأنثى لا يمكننى حتى تخيل امكانية علاقة جنسية بين رجلين، لكن انتهينا لأن نصبح صديقْيْن محايديْن، وإن كان لا يمل من إغوائى باحضار بنات لى، ويعدنى بالمزيد إن طاوعته. ساهم هو أكثر من مرة بالفعل فى أن يصطاد لى بنات شاردات من مينا هاوس يبتن معى، وللصراحة فقد كانت اختياراته شديدة التميز كأنثى تفهم جيدًا أذواق الرجال. لا أنسى من بينهن هذه الفتاة التى كانت شاردة فى مينا هاوس تبحث عن مأوى وأتى بها منعم، كانت فتاة عشرينية، سمراء تميل للقصر، جسمها ليس به غلطة، الجسد الملفوف الأكثر امتلاءًا فى نصفه السفلى، والرجلين المخروطة والثدى النافر المنتصب بلا ترهل.. عرفنى عليها وخرج بحجة إنه نازل يشترى حاجة من تحت، وغمزنى وهو يخرج وعلى الباب: " إنت وشطارتك بقى". سألتها إن كانت تشرب قهوة معى كبداية للتعارف، وأنا أقلب القهوة على شعلة البوتاجاز الصغيرة، بدأت تقليب الخطط فى ذهنى لكيفية بداية الغزو. عند عودتى للغرفة، بادرت هى بقولها: "عايزه أقول لك حاجة يا محمد، أنا قرفانه من الموضوع ده، يا ريت تسيبنى على راحتى، لو غصبت عليه هاطاوعك عشان اللقمة والنومة، بس صدقنى هيبقى غصب عنى. انت باين عليك شاب مؤدب، طبعًا إنت فاهمنى. يا ريت تعاملنى زى أختك فى الكام يوم اللى هقعدهم عندك".. الصراحة شعرت بالخجل، ابتسمت وقلت لها مداعبًا: "هو للدرجة دى باين عليَّه؟ وبالفعل طوال اليومين لم أحاول لمسها، مع إن بهجت كان راضى عنى وقتها والحالة بمب. فى اليوم الثالث طلبت منى توصيلها لموقف أحمد حلمى فأحد المعارف دبر لها عمل دائم بالسويس وهى تريدنى أن أذهب معها لتشعر هذا الشخص بأن لها أهل. قمت بتوصيلها وسمعت الكلمة العبيطة وهى تعرِّفه علىَّ : " محمد ابن خالتى". كان الرجل فى حوالى الأربعين شعرت من نظرة عينيه أنه قواد محترف، وتذكرت حمدى أحمد فى فيلم "القاهرة تلاتين" فشعرت أنه قد نبتت لى من مؤخرة رأسى عدة قرون، وأشفقت على المسكينة " إيمان" ـ الذى أعتقد أنه لم يكن اسمها الحقيقى ـ من المصير المجهول الذى ينتظرها. سبقنا القواد نحو سيارات الأجرة بالموقف، وأشار إليها لتلحق به، وجدت بعينيها نظرة امتنان، وهى تصافحنى مودعة، وشبت على أطراف أصابع قدميها لتقبلنى، فانحنيت لها، وبصدق قلت لها وأنا أودعها: " بيتنا مفتوح ليكى دايمًا يا إيمان، لو حصل أى حاجة تضايقك، هتلاقى أخوكى فى انتظارك.
طرقت على منعم باب غرفته، فتح سريعًا: "ابن حلال.. أنا عارف إن الحاجه هنا، نام معايا النهاردا، وما تخافش هكون والله فى منتهى الأدب، لا هلعب هنا ولا هنا".. " لا ياعم يفتح الله، والله ما أمن لك لو حتى إيه، أنا بس مخنوق يا منعم وعايز أقعد معاك شويه.. سهران؟".. "ولو ما كنتش سهران أسهر لك، أنا بكره عمومًا شفتى مسائى.. تعالى تعالى".. حدق مليًّا فى عينى: "الدكتور قال لكم إيه؟".. " سيبك من الدكتور دلوقتى وتعالى نتكلم فى أى حاجة تانية".. نهض فى اتجاه تلاجته: " أما انت بجد ابن حلال مصفى، النهاردا مسرب من الفندق ربع إزازة ويسكى إكسترا مستوردة مش منقوع الصرم بتاعنا، إدهانى نزيل أمريكى مجدع تحس كأنه ابن بلد " مايكل" ها أعرفك عليه آخر الأسبوع ده، هييجى يقضى الويك إند معايا".. "دا الزبون الجديد؟ يا بنى إبعد عن الأمريكان خد بالك الإيدز منتشر اليومين دول خصوصًا وسط الأمريكان".. "يا عم سيبك كل دى يا بنى إشاعات"، ثم وهو يستخرج زجاجة الويسكى من الثلاجة ويلوح لى بها: "والله عديتها من الأمن بعد ما غمزتهم بحتة بخمسه وصادروا نصها، دى كانت نص إزازه بحالها.. عندك تلج؟".. نسيت متاعبى وبهجت والدكتور وحديثه الكارثى وأمى، وتهلل وجهى بالفرحة وأنا أفرك يداى: "حالًا أجيب التلج".. يااااه.. مر الزمن بالسرعة دي؟.
all discussions on this book
|
post a new topic

فى روايته "حبل الوريد" يمضى بنا الكاتب محمد زهران فى كهوف ذاته الحزينة التى يحاصرها الموت ليستخرج منها مشاعر متباينة: ألم وخوف، تسليم وانكسار، حب ونشوة، يأس وإحباط، أمل وانطلاق، يقين وإيمان، تجديف وتمرد... مستخدما لغة سردية راقية تدور بين الفصحى والعامية بطريقة المونولوج الجنائزى الذى يتخلله حوار يتناسب تماما وحالة الكاتب النفسية.
يعتمد الكاتب كثيرا على تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) التى أجاد توظيفها جاعلا فى استرجاعاته استرجاعات أخرى متداخلة، بما سمح له أن يستخدم تقنية تداخل الأحداث بخفة وورشاقة وحيوية، كما أجاد الكاتب لعبة الضمائر التى خلقت مفارقة الالتفات البلاغية.
وأكثر الكاتب من استخدام تعبير (ابن تمانتاشر) وهذا التعبير يشير إلى تمسكه بهذا السن الذى كان حدا فارقا بين استقباله لشباب مفعم بالأمل وإصابته بمتلازمته المرضية (بهجت) والتى أجاد وصفها وتتبعها طبقا لما هو مقرر عند الأطباء، وصار مرضه جزءا منه، فكأنهما - ولسوء حظه - وجهان لعملة واحدة!!
(1)
الرواية تنكأ علاقتنا بالموت القادم، فتصف وبجودة عالية أليمة مشاعر اليائس المقبل على الموت، بمونولوجات جنائزية حزينة (أسلم أمرى رغما عنى لله، ففى مثل هذه الأمور لا يعد الهدوء والتسليم بطولة، بل هو الأمر الواقع الذى لا أملك غيره، أغمض عينىّ، ويلهث لسانى بقراءة المعوذتين)
هو هاجس الموت القديم الذى يحاصر حاضره ومستقبله (الموت يسيطر علىّ منذ طفولتى خاصة عند حلول الليل، أما بعد العملية فأصبح هو المسيطر ليل نهار، ومع الاستيقاظ أعتبر أن هذه هى المرة الأخيرة) وهو امتداد لما كان يلاحقه منذ طفولته (الولد الذى يحب الحلويات وأمه ومشاهدة التليفزيون يصعب عليه أن يتحول يوما لعدم، فيأتى يوم لا يصحو فى الصباح ويتناول الشاى بالحليب مع البقصماط الذى تصبره أمه بهم حتى تعد الفطار، ولن يجد "سته" التى اعتاد على مشاغبتها بألعابه الشيطانية)
هو هاجس الموت المرير الذى ينغص عليه كل شىء حتى رقدة موته غير المطمئنة (ينتابنى يقين أننى سأموت ليلا أثناء نومى، وأختنق ويضيق صدرى عندما أرانى ممددا على السرير، وتحاول زينب إيقاظى فلا أستيقظ، أتخيل فزعها، وأضع سيناريوهات لكيفية تصرفها فى هذه الحالة، يااه أتمنى أن أحضر هذا المشهد، تنتابنى الغصة عندما أتذكر أنه سيأتى يوم لا أصحو فيه ثانية، ولا أتناول الإفطار والعصير وبعدهما القهوة)
وصار موته هو الحقيقة الثابتة، أما حياته فهى استثناء؛ هى عمر صناعى!! (عدت للحياة ساعة تمنحنى عمرا صناعيا مدته أسبوع، عقد مؤقت يجدد أسبوعيا لمواصلة الحياة)
وصارت أحاسيسه أحاسيس ميت، هو ضيف على هذه الحياة (عارف يعنى إيه إحساس إنك ضيف على الدنيا ومش من أهلها، بتحس بالامتنان لأقل شىء تديهولك، شرة المية، اللقمة، لعبة الجنس، بتحس إنك بتاخد حق شخص غيرك)
وأصبح مصيره متعلقا بالمجهول (عينيك على شفايف الدكتور مستنى منه كلمة هتحدد مصيرك)
وأمله الوحيد فى مجرد المماطلة لمزيد من الأيام (كل ما أملكه الآن هو المماطلة قدر الإمكان، لاكتساب عدة أيام إضافية، ربما هى أيامى الأخيرة، وزاد تماطلى حتى تجاوز العام)
لقد تبطن الموت كاتبنا تبطنا حارا حتى إنه يصف غرفة العمليات وصفا رائعا موحيا أليما، وكأنه يصف مشاعر المرضى جميعا، ويذكرنا برؤية الشاعر أمل دنقل فى "أوراق الغرفة 8" (الغرفة بياضها شديد النصوع، رائحة الديتول تحاصرك من كل الاتجاهات، الجدران الأربعة تغادر أماكنها، تحكم السيطرة حول جسدى، الجدران تنقلب تابوتا يتهاوى بسرعة البرق مخترقا طبقات الأرض إلى الأعماق السحيقة، أرانى ممدا بجوار أبى، لحظة خاطفة تلاشى كل ما حولى، ظلام دامس، أتسمع أنفاس أبى الراقد إلى جوارى)
وها هو يصف زميلا له فى قسم الغسيل الكلوى بعد موته (انكمش الجسد فى السرير، وكأنه جسد طفل فى السابعة، الانكماشة تأخذ الوضع الجنينى، جزء الوجه الذى يظهر من أسفل البطانية لا يمكن أن أقول عليه وجها شاحبا، بل وجها رأيت فيه الموت، تشعر وكأنه قطعة لحم خرجت منها الروح، قطعة متيبسة من عظم عليه طبقة جلدية لونها ابيض مشرب بأول درجات الرمادية، صوت أنين مكتوم يخرج من الوجه الذى انمحت منه جميع التعبيرات، كومة الجلد والعظم مستسلمة لرقدة الجاذبية الأرضية...) والمر فى نهاية المطاف لا يعدو بالنسبة للأطباء الذين اعتادوا مثل هذه الأمور (مر الأمر ببساطة ويسر)
والحقيقة إن الكاتب قد وصل بوصفه الرائع الموحى وبسرده الدقيق لمشاعره إلى حالة شبقية مؤلمة معا، ربما هى التى قادته إلى نوع من الإصرار الذى يبدأ فى قوله (أعيش بالغسيل نصف حياة، ولكن نصف الحياة أفضل من لا حياة) هو إصرار يقوده إلى التشبث بالمتاح (أتشبث بكل ما أوتيت من عزيمة فانا لا أملك غيرها، والبديل المتخيل ما هو إلا عدم) (هل ستسلم جسدك بسهولة لجاذبية أمنا الأرض، وتسلمها طواعية هذا الجسد ليتحول لتراب) هذا الإصرار هو الذى جعله ينظر إلى شباب ميدان التحرير بعين الرضى (شكل الولاد فى الميدان على شاشة الجزيرة والأون تى فى والسى إن إن يفرح) وهو تعبير لا يخلو من نقد لاذع لما كان عليه إعلامنا الرسمى وقت أحداث 25 يناير المجيدة.
(2)
وكان من الطبيعى أن تنتاب الكاتب حالات من التجديف، بعد أن توحد بشخصية المريض الذى يفقد الأمل فى كل شىء يائسا من كل شىء (يعزينا أحيانا أنه ستكون لدينا فرصة أخرى نخلد فيها ونعوض ما فاتنا، فكرة فرعونية جهنمية لا أثق فيها، فما أشعر به هو ان كل ما نملكه هو هذه الحياة البائسة، تجربة عبثية مريرة)
ويوغل فى التجديف الذى لا يخلو من استجداء بضعفه (ماذا سيفعل الإله بكل هذه الأكوام من الأرواح التى ستتناثر حول قدميه منذ بدء الخليقة وحتى يوم القيامة؟ خدم؟ يكفيه هؤلاء الملائكة الرجال مفتولو العضلات المحيطون بعرشه فى انتظار إشارة منه لتحقيق أى طلب يريد)
ثم ينطلق من التجديف إلى التسخط بناموس الكون وقضائه وقدره (غريب أمر هذا الإنسان المتكيف مع كل ما يمر به الواجد للرب دائما مبررات لكل افعاله اللامنطقية)
والحقيقة فإن لحظات التسخط والتجديف قد يصعب أن يسلم منها أى أحد عندما يمر بمثل تلك الظروف القاسية - وكلٌ بمقدار - وحينما تمر هذه اللحظات على الواحد منا فإنه يسارع بإخفائها وقمعها مستغفرا ربه، أما الفنان فربما يسارع بتسجيل لحظاته التجديفية التى ربما قد تكشف عن عمق إيمانه، وهذا ماحدث لكاتبنا الذى رغم كل ذلك التسخط لما يفوق احتمال البشر فإننا نجده يتمسك بخالقه قارئا المعوذتين فى حالاته الحرجة، وهو نفسه الذى يزور السيدة زينب مستشعرا لحظات إيمانية عميقة، ولا يفوتنا سبب اختياره للسيدة زينب - دون غيرها - لما فى دلالة اسم زينب من حب ينعكس على زوجه التى تحمل الاسم نفسه، وكأنه يحمل سر ثباته الدائم.
(3)
وإزاء إحباطات الكاتب الموغلة فى كل شبر من جسده كان لا بد من ظهور لا مبالاته فى كل ما يدور من حوله (زهدت فى المكتبة، ولم تعد عندى الرغبة فى القراءة لفترات طويلة كما كان الحال فى الماضى) (مللت هذه الأحاديث الخائبة، ملعون أبو السياسة ع اللى شغالين فيها، لعبة وسخة)
(4)
والكاتب يكثر من مراجعة مذكراته وتدويناته الشخصية، لأنه يرى حياته فى ماضيه، يتمسك بهذا الماضى.. يحييه من جديد ليستزيد من حيوات أخرى تعوضه عن موت قادم محقق (تأخذنى النشوة وياخذنى التقمص، فأرانى إلها يعيد نفخ الحياة فى هذه الأزمنة الميتة، تتتابع الصور المتلاحقة أمام عينى) (فى لحظات الضيق أفرش الكراسات على الأرض من حولى، أتامل ما سطرته من جمل، تتراقص الأسطر أمام عينى، وتدب فيها الحياة، تعاود اللحظة سخونتها، تنكسى العظام لحما، أحاول تلمس الكلمات بأطراف أصابعى وكأننى إله يلمس العدم فيمنحه الحياة، كن فيكون، لحظات حية اقتنصتها من عمر الزمن ومنحتها الخلود على الورق)
وهو بهذا الماضى ينتصر على الموت وعلى العدم (نهضت من على الأرض ألف وأدور حول الكراسات المتناثرة والصور، كملاكم منتشى بتغلبه على خصمه وطرحه أرضا)
وإذا كان بمراجعته مذكرات ماضيه قد أحيا زمنا مات، فإنه لا جرم يستطيع أن يستقبل زمنا آتيا (تحررت روحى من دفقة اعترافات الأمس، جسدى بخفة طائر)
وهذا ما حدا بعض السطحيين من السذج أن يقولوا إن الكاتب يقص علينا سيرته الذاتية، وما دروا أن أى كتابة هى نوع من السيرة الذاتية بصورة أو بأخرى، وأدب السيرة الذاتية كما عرفناه يختلف عن هذا تمام الاختلاف (مذكرات روسو، أيام طه حسين) ، والذى يبدو لى هو ضرورة أن نكف عن تتبع الأدباء وملاحقتهم بأصداء سيرهم التى سنلاقى منها نفحات ولفحات سردية تتفاوت طولا وقصرا، ونرى أن القارىء لا يعنيه غير الصدق الفنى بتوحد الكاتب بحالته الروائية، وهو ما نجح فيه الكاتب الفنان محمد زهران، الذى مارس لعبة مطابقة أسماء أبطال روايته بشخصيات واقعية إمعانا فى توحده بحالته الروائية!!
(5)
والكاتب يرصد موبقات المجتمع التى توغلت فى كل مناحيه من علاقات آثمة، ومن جنس وشذوذ وعربدة وتطرف وخيانة وغدر، ومن نظرة سفلية للمرأة حينا ودونية احيانا أخرى.
الكاتب يدق أجراس الخطر لنحترس من القادم.. الكاتب يضع كل هذه المثالب فى براويز يجسمها لنراها جيدا، أما الحلول فهى فى أيدينا، وليس من شأن الفنان أن يقدم حلولا.
(6)
والكاتب يبدو لنا وقد أخذ موقفا سلبيا من المرأة، بعرضه نماذج أنثوية كثيرة سيئة تتسم بالغدر والخيانة والوضاعة أو بسهولة تنازلها عن شرفها، والكاتب فى كل ذلك كان شريكا لها فى كل هذا السوء مثلما كان ضحية، لكنه بدلا من التمسك بزينب الوفية نجده لا يقدرها حق قدرها، يخونها ولا تُظهر له أثر خيانته، هى لا تلمح شيئا - وهى الذكية - وكأنها لا تعلم!! فكأن خياناته وخيانتهن فى مقابل وفائها يجعلها قديسة وسط خاطئين!!
وربما تظهر بصورة متعنتة برفضها إحضار مكتبته، لكنه الآن قد أدرك كل شىء (رفضت زينب أن تحضر أى قطعة أثاث من الشقة القديمة... فهى تريد أن تخلق بداخلى الهدف للصراع من أجل البقاء) إنه حب حقيقى يتجسد بمواقفه، حب لم تصوره السينما، حب زوجة حقيقى لزوجها.
ولذا فالكاتب يرى نفسه وقد (ارتكب فعل الخيانة فى حق زينب) زينب الحقيقة الوحيدة فى حياته (فتشت عن نقطة ارتكازى زينب) ، ونرى أنه يزورها عندما يزور مقام (السيدة زينب) يستمد من اسم حبيبته مددا من نوع آخر ، فاختيار الاسم لم يكن مصادفة.
وها هو يجلد نفسه كى يصل إلى حقيقته الحاضرة الغائبة يحبها حبا حقيقيا (انهمرت هليها تقبيلا، ولم أراع ألا أوقظها، استيقظت مفزوعة تسألنى عما بى، وأنا أردد لها كالمحموم مفيش حاجة عادى وحشتينى)
والحقيقة إن الكاتب بما كتبه عن نماذج المرأة قد أراد تجسيد وفاء زينب وطهرها بإظهار عوار الأخريات عوارا متصلا بعواره الذى يبوح بوحا يمزج بين جسده وروحه فى أنين بائح، لينطلق من أنينه إلى رؤية عاشق حقيقى لمعشوقة حقيقية (هناك الكثير الذى يستحق أن يعيش من أجله، وسأصارع من أجل البقاء لأحقق لزينب كل أحلامها)
خالد البوهى