إلياس إلياس discussion


5 views
إلياس.. رواية الهذيان. مي التلمساني

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Ahmad (last edited Feb 25, 2015 06:11PM) (new) - rated it 5 stars

Ahmad Abdulatif إلياس : رواية الهذيان
مي التلمساني
جريدة الأخبارـ أغسطس 2014

أعجبني في رواية الكاتب أحمد عبد اللطيف الأخيرة، إلياس (دار العين، 2014)، خروجها بشكل راديكالي وغير مسبوق عما هو مألوف في شكل السرد الخطي المتصاعد، فلا زمن محدد للرواية ولا نقطة انطلاق مكانية بعينها تسمح للقاريء بوضع النص المسرود في سياقاته المعتادة، تاريخية أو جغرافية أو ثقافية أو قومية. الرواية، وبطلها جماع من شخصيات تحمل رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة نفس الاسم، هي رواية متعددة السياقات والمرجعيات، وهي مدهشة بهذا المقياس من حيث حرية الكاتب التامة في قص ولصق شذرات من العالم في نص واحد، تتجاور وتتحاور وتسعى من خلال عودة الفصل المرقم برقم (1) إلى ربط ما هو تاريخي أو أرشيفي (الفصول من 2 إلى 17) بما هو إنساني وعابر للتاريخ (خمسة عشر فصلا تحمل الرقم 1)تسمح بتأسيس أسطورة إلياس التي تتماهي أحيانا مع أسطورة الكاتب أو الإنسان: "لا يحركني حدث لأني إلياس. لا يحركني حدث لكن سأكتب الحدث. سأكتب الحدث لأني كاتب قصة. كاتب قصة فاشل لكن كاتب قصة. أكتب للمجلات مقابل مكافأة. وبالمكافأة أعيش. بالمكافأة أواجه الجوع. بالمكافأة أواجه الموت من الجوع. لكن لا أكتب من أجل المكافأة. أكتب لأني أكتب..."
تحاول الرواية في الوقت نفسه أن تقوض مركزية السارد المعرفية،فإلياس يعرف ولا يعرف ما يقول أو يكتب. يعرف ولا يعرف كيف يصف مشاعره، أفكاره، قراءاته، أحداث التاريخ التي ينخرط فيها على مر العصور، مشاهد الأفلام التي يجد نفسه ممثلا فاشلا فيها، انخراطه في العالم وعزوفه عنه بالسكون أو بالكتابة، إلخ. إلياس يهذي من بداية الرواية حتى نهايتها وهو حين يفعل إنما يهذي العالم، بنظرة لا تخلو من بطولة مهزومة أو انهزام بطولي. يهذي ويستكشف وينقل بحياد وبتلعثم وبإصرار قدرا من المعرفة ينفيها ويؤكدها في الوقت ذاته: "أرفض تغيير العالم. لا أرفض تغيير العالم. لكن أعرف أن العالم لن يتغير." هكذا يفقد السرد بطله المحوري ويؤكد وجوده في ذات الوقت، لأن البطل العارف لم يعد يعرف، أو لم يعد قادرا على إقناع قارئه بقدرته المعرفية، أو على أقل تقدير لم يعد يسعى للإقناع. ولو شئنا لقلنا إنه يسعى للانخراط في موجة هائلة قوامها الكلمات والأفكار والمشاعر والرؤى والهواجس التي تصنع عالمه الروائي الواقعي بمرارة، المأساوي بهدوء، بحرمترامي الاطراف يدعونا للخوض فيه على نفس الموجة، من وسطها، لا من بدايتها ولا من نهايتها.
التكرار سمة من سمات الهذيان يعتمده الكاتب لرسم شخصية إلياس والكتابة عن "إلياسيتها"، يصاحبه انفتاح النص التام على كافة احتمالات الإثبات والنفي، القبول والرفض، الانكار والإثبات، بشكل قد يرهق القاريء وينتقص من متعة القراءة أحيانا. يستعين الكاتب بالجمل القصيرة المكررة التي تفصل بينها النقطة لخلق إيقاع محموم وحيوي هو خليط من التلعثم والتوتر والاندماج مع الصوت الداخلي. يستغل هذا الأسلوب المدهش والآسر لمتابعة علاقات الاضداد وتتبع احتمالات التوافق والتنافر بينها لكني وجدت أن هذا الأسلوب على نجاحه يفقد رونقه في بعض الأحيان حين تبدو الجمل القصيرة مثل ركام من جمل طويلة تفصل بينها النقطةبلا داع، فتنأي بالسرد عنمنطق التلعثم والهذيان بفلسفته وفيضه وتقترب من منطق السيولة اللفظية بلجاجتها وفزلكتها، وكأنالكاتب أراد الحفاظ على بنية النص بلا أدنى محاولة لخيانة القالب الذي فرضه على نفسه وعلينا. يبقى أنها رواية هذيان بديعة، نلهث في قراءتها وراء إلياس ولا يخذلنا إلا نادرا بتلعثمه وثرثرته وافتقاده للتوازن واليقين.


back to top