إلجام العوام عن علم الكلام
discussion
all discussions on this book
|
post a new topic
إلجام العوام عن علم الكلام
discussion
خطبة الرسالة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه الذي تجلى لكافة عباده بصفاته وأسمائه وتاهت عقول الطالبين في بيداء كبريائه، وقص أجنحة الأفكار دون حمى عزته وتعالى بجلاله عن أن تدرك الأفهام كنه حقيقته.
و استوفى قلوب أوليائه وخاصته واستغرق أرواحهم حتى احترقوا بنار محبته وبهتوا في إشراق أنوار عظمته، وخرست ألسنتهم عن الثناء على جمال حضرته إلا بما أسمعهم من أسمائه وصفاته وأنبأهم على لسان رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم خير خليقته وعلى أصحابه وعترته.
أما بعد: فقد سألتني أرشدك اللّه عن الأخبار الموهمة للتشبيه عند الرعاع والجهال من الحشوية الضلال حيث اعتقدوا في اللّه وصفاته ما يتعالى ويتقدس عنه من الصورة واليد والقدم والنزول والانتقال والجلوس على العرش والاستقرار، وما يجري مجراه مما أخذوه من ظواهر الأخبار وصورها، وأنهم زعموا أن معتقدهم فيه معتقد السلف، وأردت أن أشرح لك اعتقاد السلف، وأن أبين ما يجب على عموم الخلق أن يعتقدوه في هذه الأخبار، وأكشف فيه الغطاء عن الحق، وأميز ما يجب البحث عنه عما يجب الإمساك والكف عن الخوض فيه، فأجبتك إلى طلبتك متقربا إلى اللّه سبحانه وتعالى بإظهار الحق الصريح من غير مداهنة ومراقبة جانب ومحافظة على تعصب لمذهب دون مذهب، فالحق أولى بالمراقبة، والصدق والإنصاف أولى بالمحافظة عليه، وأسأل اللّه التسديد والتوفيق وهو بإجابة داعيه حقيق، وها أنا أرتب الكتاب على ثلاثة أبواب:
باب في بيان حقيقة مذهب السلف في هذه الأخبار.
و باب في البرهان على الحق فيه مذهب السلف وأن من خالفهم فهو مبتدع. وباب في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن.
الباب الأول: في شرح اعتقاد السلف في هذه الأخبار.
اعلم: أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعني مذهب الصحابة والتابعين وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه.
فأقول: حقيقة مذهب السلف وهو الحق عندنا أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمور: التقديس، ثم التصديق، ثم اعتراف بالعجز، ثم
السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة.
أما التقديس: فأعني به تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها.
و أما التصديق: فهو الإيمان بما قاله صلى اللّه عليه وسلم وإن ما ذكره حق وهو فيما قاله صادق وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده.
و أما الاعتراف بالعجز: فهو أن يقر بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته.
و أما السكوت: فأن لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر.
و أما الإمساك: فأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة.
و أما الكف: فأن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه.
و أما التسليم لأهله: فأن لا يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه فقد خفي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء، فهذه سبع وظائف اعتقد كافة السلف وجوبها على كل العوام لا ينبغي أن يظن بالسلف الخلاف في شيء منها، فلنشرحها وظيفة وظيفة إن شاء اللّه تعالى:
الوظيفة الأولى: التقديس ومعناه أنه إذا سمع اليد والإصبع وقوله صلى اللّه عليه وسلم" إنّ اللّه خمّر طينة آدم بيده. وإنّ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن"، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين أحدهما هو الموضع الأصلي وهو عضو مركب من لحم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان، (و قد يستعار هذا اللفظ) أعني اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق اللّه تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن اللّه جسم مركب من أعضائه فهو عابد صنم فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأئمة السلف منهم والخلف. سواء كان ذلك الجسم كثيفا كالجبال الصم الصلاب، أو لطيفا كالهواء والماء، وسواء كان مظلما كالأرض أو مشرقا كالشمس والقمر والكواكب. أو مشفا لا لون له كالهواء، أو عظيما كالعرش والكرسي والسماء، أو صغيرا كالذرة والهباء، أو جمادا كالحجارة، أو
حيوانا كالإنسان. فالجسم صنم فإن يقدر حسنة وجماله أو عظمه أو صغره أو صلابته وبقاؤه لا يخرج عن كونه صنما، ومن نفى الجسمية عنه وعن يده وإصبعه فقد نفى العضوية واللحم والعصب وقدس الرب جل جلاله عما يوجب الحدوث، وليعتقد بعده أنه عبارة عن معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض في جسم يليق ذلك المعنى بالله تعالى، فإن كان لا يدري ذلك المعنى ولا يفهم كنه حقيقته فليس عليه في ذلك تكليف أصلا، فمعرفة تأويله ومعناه ليس بواجب عليه بل واجب عليه أن لا يخوض فيه كما سيأتي.
مثال آخر: إذا سمع الصورة في قوله صلى اللّه عليه وسلم:" إنّ اللّه خلق آدم على صورته"،" وإنّي رأيت ربّي في أحسن صورة" فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفة مرتبة ترتيبا مخصوصا مثل الأنف والعين والفم والخد التي هي أجسام وهي لحوم وعظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئة في جسم ولا هو ترتيب في أجسام. كقولك عرف صورته وما يجري مجراه، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق اللّه لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذي هو جسم لحمي وعظمي مركب من أنف وفم وخد، فإن جميع ذلك أجسام وهيئات في أجسام، وخالق الأجسام والهيئات كلها منزه عن مشابهتها وصفاتها، وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن فإن خطر له أنه إن لم يرد هذا المعنى فما الذي أراده فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال اللّه وعظمته بما ليس بجسم ولا عرض في جسم.
مثال آخر: إذا قرع سمعه النزول في قوله صلى اللّه عليه وسلم:" ينزل اللّه تعالى في كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا".
فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق إطلاقا يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل كذلك، وجسم منتقل من السافل إلى العالي ومن العالي إلى السافل، فإن كان من أسفل إلى علو سمي صعودا وعروجا ورقيا، وإن كان من علو إلى أسفل سمي نزولا وهبوطا، وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير انتقال وحركة في جسم، كما قال اللّه تعالى: وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: 6]. وما رئي البعير والبقر نازلا من السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الأرحام ولإنزالها معنى لا محالة، كما قال الشافعي رضي اللّه عنه: دخلت مصر فلم يقيموا كلامي، فنزلت ثم نزلت ثم نزلت فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل فتحقق المؤمن قطعا أن النزول في حق اللّه تعالى ليس بالمعنى الأول وهو انتقال شخص وجسد من علو إلى أسفل، فإن الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم فإن خطر له أنه لم يرد هذا فما الذي أراد فيقال له: أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فأنت عن فهم نزول اللّه تعالى أعجز، فليس هذا بعشك فادرجي، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت، واعلم أنه أريد به معنى من المعاني التي يجوز أن يراد بالنزول في لغة العرب. ويليق ذلك المعنى بجلال اللّه تعالى وعظمته وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته.
و مثال آخر: إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى: وهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: 18].
و في قوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50]. فليعلم أن الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين.
أحدهما: نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل وقد يطلق لفوقية الرتبة، وبهذا المعنى يقال: الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الوزير، وكما يقال: العلم فوق العلم، والأول يستدعي جسما ينسب إلى جسيم.
و الثاني: لا يستدعيه فليعتقد المؤمن قطعا أن الأول غير مراد وأنه على اللّه تعالى محال، فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام وإذا عرف نفى هذا المحال فلا عليه إن لم يعرف أنه لما ذا أطلق وما ذا أريد فقس على ما ذكرناه ما لم نذكره.
الوظيفة الثانية: الإيمان والتصديق وهو أنه يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال اللّه وعظمته، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صادق في وصف اللّه تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق وما أخبر عنه حق لا ريب فيه وليقل آمنا وصدقنا، وأن ما وصف اللّه تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي قاله، وإن كنت لا تقف على حقيقته فإن قلت التصديق إنما يكون بعد التصور، والإيمان إنما يكون بعد التفهم، فهذه الألفاظ إذا لم يفهم العبد معانيها كيف يعتقد صدق قائلها فيها؟ فجوابك أن التصديق بالأمور الجملية ليس بمحال وكل عاقل يعلم أنه أريد بهذه الألفاظ معان، وأن كل اسم فله مسمى إذا نطق به من أراد مخاطبة قوم قصد ذلك المسمى فيمكنه أن يعتقد كونه صادقا مخبرا عنه على ما هو عليه، فهذا معقول على سبيل الإجمال، بل يمكن أن يفهم من هذه الألفاظ أمور جملية غير مفصلة، ويمكن التصديق كما إذا قال في البيت حيوان أمكن أن يصدق دون أن يعرف أنه إنسان أو فرس أو غيره، بل لو قال فيه شيء أمكن تصديقه وإن لم يعرف ما ذلك الشيء، فكذلك من سمع الاستواء على العرش فهم على الجملة أنه أريد بذلك نسبة خاصة إلى العرش فيمكنه التصديق قبل أن يعرف أن تلك النسبة هي نسبة الاستقرار عليه أو الإقبال على خلقه أو الاستيلاء عليه بالقهر أو معنى آخر من معاني النسبة فأمكن التصديق به، وإن قلت فأي فائدة في مخاطبة الخلق بما لا يفهمون وجوابك أنه قصد بهذا الخطاب تفهيم من هو أهله وهم الأولياء والراسخون في العلم وقد فهموا، وليس من شرط من خاطب العقلاء بكلام أن يخاطبهم بما يفهم الصبيان والعوام بالإضافة إلى العارفين كالصبيان بالإضافة إلى البالغين، ولكن على الصبيان أن يسألوا البالغين عما يفهمونه، وعلى البالغين أن يجيبوا الصبيان بأن هذا ليس من شأنكم ولستم من أصله فخوضوا في حديث غيره فقد قيل للجاهل:
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل: 43]. فإن كانوا يطيقون فهموهم وإلا قالوا لهم: وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]. فلا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، ما لكم ولهذا السؤال.
هذه معان الإيمان بها واجب والكيفية مجهولة أي لكم، والسؤال عنها بدعة كما قال مالك:
الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب، فإذن الإيمان بالجمليات التي ليست مفصلة في الذهن ممكن ولكن تقديسه الذي هو نفي للمحال عنه ينبغي أن يكون مفصلا، فإن المنفى هي الجسمية ولوازمها ونعني بالجسم هاهنا الشخص المقدر الطويل العريض العميق الذي يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو الذي يدفع ما يطلب مكانه إن كان قويا ويندفع ويتنحى عن مكانه بقوة دافعة إن كان ضعيفا، وإنما شرحنا هذا اللفظ مع ظهوره لأن العامي ربما لا يفهم المراد به.
الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجز ويجب على كل من لا يقف على كنه هذه المعاني وحقيقتها ولم يعرف تأويلها والمعنى والمراد به أن يقر بالعجز، فإن التصديق واجب وهو عن دركة عاجز، فإن ادعى المعرفة فقد كذب وهذا معنى قول مالك: الكيفية مجهولة، يعني تفصيل المراد به غير معلوم، بل الراسخون في العلم والعارفون من الأولياء إن جاوزوا في المعرفة حدود العوام وجالوا في ميدان المعرفة وقطعوا من بواديها أميالا كثيرة فما بقي لهم مما لم يبلغوه بين أيديهم أكثر بل لا نسبة لما طوى عنهم إلى ما كشف لهم لكثرة المطوى وقلة المكشوف بالإضافة إليه والإضافة إلى المطوي المستور. قال سيد الأنبياء صلوات اللّه عليه:" لا أحصى ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك". وبالإضافة إلى المكشوف، قال صلوات اللّه عليه:" أعرفكم بالله أخوفكم للّه وأنا أعرفكم بالله". ولأجل كون العجز والقصور ضروريا في آخر الأمر بالإضافة إلى منتهى الحال قال سيد الصديقين: العجز عن درك الإدراك إدراك، فأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة إلى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة إلى خواص الخلق، فكيف لا يجب عليه الاعتراف بالعجز!.