بارات مصر: قيام وانهيار دولة الأنس بارات مصر discussion


2 views
بارات مصر... الدور الوطني للسُّكْر

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

محمود خيرالله أسامة فاروق ـ المدن
لأسرار، أو أشباهها من البوح إلى الصوت الخفيض، إلى الزفرة الساخنة، وصولا إلى العينين الدامعتين؛ هي العقل الباطني للبار، أو أحد مقوماته الخفية. يبدو البار، كما يقدمه الشاعر علاء خالد، وعاءً للهشاشة؛ حيث يتبادل رواده النجوى، والأحاديث والأشواق الإنسانية. تلك الرؤية الحالمة للعوالم الداخلية للبارات في مصر، تختلف عند شاعر آخر هو محمود خير الله، الذي أصدر مؤخراً كتاباً يحاول من خلاله تقديم رؤية مغايرة لما تبقي من بارات في القاهرة والإسكندرية.
لا يتوجه خير الله بكتابه لمَن خرجوا عشية ثورة يناير ليحرقوا أشهر ملاهي شارع الهرم، مستمتعين بمشد النيران المستعرة في زجاجات البيرة، ولا لأؤلئك الذين افترضوا أن بداية عصر الإخوان ستكون نهاية طبيعية لما تبقى من بارات ومقاهي مصر، بل لمن أسماهم "شعب مصر العظيم" وعرفهم بأنهم من حافظوا على مدنية الدولة عبر العصور، الشعب الذي انحاز للروح المتسامحة التي تعكس القيمة الحضارية الكبرى التي توارثها المصريون.

يقدم خير الله البار بوصفه فردوساً مفقوداص، ويبدأ كتابه مواجهاً هؤلاء الذين لا يريدون الاعتراف به –البار- كنواة شعبية لأفكار التسامح الديني وقيم الاستمتاع بالحياة، لأنه يعلم أنه سيكون في مواجهة مع "جيوش معادية" ممن يعتبرون تناول الخمر محض حرام يجب اجتنابه، فعلاً أو درساً، كما لو كان سحر الجريمة المتحققة بالشرب، سينتقل "خرافيا" إلى الحديث عنها.

يقول إن بقاء البارات الشعبية في مصر حتى اليوم، عكس قصص كفاح كبيرة، عاشتها الروح المصرية المتسامحة، على مدى ثلاثة قرون تقريباً، من دون أن يتجرأ أحد على منح هذه البارات القيمة التي تستحقها، بسبب الدور الذي مثلته دائماً وأبداً في ترسيخ معاني الدولة المدنية والحفاظ عليها من الاندثار والزوال. يستمر خير الله في دفاعه عن الدور الوطني للبار، إلى حد تأكيده على أن دور بعضها فاق أدوار بعض المساجد أثناء ثورة 25 يناير، خاصة وأن بعض هذه المساجد كانت منقادة إلى تيار إسلامي فاسد! ليس هذا فحسب، بل يدعو المؤرخين لرصد "المزاج الشخصي" لحكام مصر منذ محمد علي، "ليتهم يعترفون بأن الكثير من حكام مصر، لا محمد علي فقط وحده والذي كانت الشيشة عامرة دائما إلى جواره، كانوا يحكمون هذا البلد تقريباً وهم تحت تأثير الخمور أو تحت تأثير أنواع مختلفة من المخدرات، وأن أصحاب القصور الملكية التي حكمت مصر لسنوات طويلة، كانوا جميعا –تقريبا- من الذين يسكرون، ولو على فترات متقطعة".

الشكل الحالي للبارات ظهر خلال عقود الاحتلال الانكليزي، وتأسست العشرات منها، مطلع القرن العشرين، بحسب الكتاب، للتخفيف من الأعباء النفسية على الآلاف من جنود الاحتلال. لكن في الأربعينات من القرن ذاته، أنفقت شركات الخمور العاملة في مصر أموالاً طائلة للدعاية لمنتجاتها، واضطرت للمشاركة في إنتاج أفلام سينمائية، موضوعها رصد حروب الشرطة تجاه تجارة المخدرات، لتكريس الصورة الذهنية التي تعتبر تناول المسكرات فعلاً طبيعياً في أغلب الأفلام السينمائية المنتجة في النصف الأول من القرن العشرين، أي في العهد الملكي الشهير بالمستوى الرفيع في ليبراليته.

يبدأ الكتاب بدراسة سريعة عن تاريخ السُّكر معتبراً أنه عُرف في مصر قبل ثلاثة آلاف سنة تقريبا من ميلاد السيد المسيح، كأحد أشكال التحرر الاجتماعي وممارسة الحريات الخاصة، حينما جلس اثنان من رجال البلاط الفرعوني يشربان ذلك الخليط الذي صنع من أجل "الصلوات الدينية"، لا لممارسة طقس تعبدي، بل، فقط، ليحكى كل منهما قصته للآخر "ساعتها بالضبط، ولد أول سِكّير على أرض مصر".

تستعرض الدراسة في لمحات سريعة بعض دلائل تعامل المصريين مع النبيذ، بدءاً من مصاحبته للعمال الذين بنوا الأهرامات، وحتى القرن التاسع عشر، مروراً بفترات تجريمه وتحريمه في العصور الإسلامية، وطريقة تحايل المصريين على القرارات التعسفية لبعض الحكام، حتى يصل الكتاب في فصله الثاني إلى دعوة التظاهر في آذار/مارس 2013 بدعوة من نشطاء يطالبون بالحق في تناول المشروبات الكحولية، رافضين الاعتراف بأجواء الحصار التي بدأت تفرض نفسها منذ بدء الحكم الإخواني لمصر.

اعتبر المؤلف فترة حكم الإخوان اختباراً حقيقياً لصناعة الخمور في مصر، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، مؤكداً أنها، بجوار صناعات أخرى، كان لها دور في إسقاطهم! فعلى الرغم من أن صناعة الخمور في مصر تعرضت على مدار قرون طويلة سابقه للتهديد، من قبل السلطة الحاكمة، تحت مزاعم أخلاقية ودينية، إلا أن العام الذي عاشه المصريون تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين كان اختباراً حقيقياً لفهم كيفية سقوط التيار الإسلامي، خلال شهور قصيرة.. "فقد اضطرت الجماعة إلى خيانة معتقداتها الدينية، تحت وطأة ضغوط رهيبة من الاحتجاجات السياسية، وباتت صناعة وتجارة الخمور في عهدهم، حقيقة ملموسة في الشارع، ودليلاً على الخيانة العظمى، من وجهة نظر المتشددين"!

بداية من الباب الثاني يبدأ المؤلف في رصد ما تبقى من بارات القاهرة: "ريش، والحرية، وكاب دور، وستللا"، مُركّزاً على الجانب النضالي لهذه البارات منذ ثورة 1919 وحتى ثورة يناير 2011 وما بعدها. ففي أقبية ريش طُبعت مطالب ثورة 19، وعلى طاولاتها كانت نقاشات السياسة والفن لأكبر وأشهر السياسيين والفنانين المصريين. "ستللا"، أو المخزن كما يسمى، كان من البارات القليلة التي نشأت بعد ثورة يوليو 1952، وارتبط بالثورة وبالفكرة الوطنية المصرية، كونه الأقرب إلى ميدان التحرير من ناحية، والأرخص نسبيا من "ريش" القريب منه والذي كان رواده دائماً من الكتّاب الكبار والمتحققين والأثرياء، بينما كان "ستللا" ولا يزال، قريباً من جيوب المثقفين الصغار، وقروشهم المحدودة.

كل الأشرار تقريباً جاءوا وتصالحوا مع الشر هنا، يقول خير الله، كل الشعراء تقريباً عرفوا الطريق إلى المخزن، محمد عفيفي مطر كان يترك أرضه ومنزله في المنوفية ليجلس ويشرب مع مجموعة من "بلديّاته"، وفى جنباته دوت "شخرة" نجيب سرور حين كان يلقي قصائده الملتاعة عن مصر وما يجري فيها من تحولات سفيهة، وأخيراً "كان على كبار الأدباء العرب أن يأتوا هنا ليرمقوا بكل أسف، كاتباً بحجم فاروق عبد القادر وهو يبكي، كواحدة من أشد مفارقات مصر إثارة للدهشة".

وفي فصول الكتاب الأخيرة يتكشف مدى الانهيار والتراجع الكبير في أعداد البارات التي كانت موجودة في الإسكندرية، حيث أن ما تبقى من بارات الزمن الماضي لا يزيد على 5% مما كان قبل مئة عام.

يقول المؤلف إن اعتراف الثقافة العربية، المتحفظة بطبعها، بأن حياة بعض البارات في القاهرة، وعواصم عربية أخرى، جسدت رحلة كفاح طويل، قد يستغرق سنوات طويلة. لذا يُعتبر كتابه محاولة متواضعة لاستكمال التاريخ الوجداني العريق للمصريين، وللتأكيد على أن بعض هذه البارات والمطاعم، مثلت بوجودها الأصيل في أعمق شوارع القاهرة، رحلة نضال ممتعة، لا يلتفت إليها أحد.. ضد دولة القمع، وانتصاراً لدولة الحقوق والحريات.

لكنه أيضاً لا ينفي عنها الصفة الشاعرية، كمكان للبوح والفضفضة واجترار الذكريات. بل اعتبر إن بارات مصر المكرسة لتقديم الخمور، جسدت حالة شرقية مصرية خالصة للاستمتاع والحكي وسرد القصص، تعبيراً عن اللوعة والأسى الإنساني، على نحو يعكس جانباً من الوجدان الشفاهي للمصريين الذي ولد مع ميلاد صورة المقهى في الشرق كله.


back to top