البصاص البصاص discussion


3 views
الناقد الكبير الاستاذ مصطفى بيومى يقرأ رواية البصاص

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Mostafa Ebeid الجبرتي في رواية "البصاص"
جسر بين الماضي والحاضر *
"من يستطيع أن يميز البطل من القاتل والقاتل من الطاغية؟".
هكذا ينتهي المقتبس المأخوذ من "جورج أمادو" في تصدير رواية مصطفى عبيد: "البصاص"، ولعله المدخل الأدق في التعبير عن عالم النص المتميز وما ينشغل به من قضايا وهموم، وفي الصدارة منها هيمنة الاختلاط وسيادة القلق وصعوبة التمييز الصارم الواضح بين الأضداد، وبين الأزمنة أيضًا.
**
بورتريه الجبرتي أحد أهم محتويات شقة الباحث الأكاديمي الشاب كرم سالم البرديسي، عاشق التاريخ الذي يعيش مع الماضي ولا ينفصل عن الواقع. تقدم اللوحة رجلاً بعمامة بيضاء ولحية كثيفة وعينين ضيقتين تشعان ذكاء لا ينقطع، ويكشف سؤال كرم اليومي المعتاد عن طبيعة العلاقة التي تجمعهما: "لماذا يا صديقي كل هذا العذاب بين أولئك الجهلة؟ أما كان أليق بك أن تعايش أناسًا آخرين وتكتب عن نفوس أكثر تحضرًا ورقيًا؟".
عبدالرحمن الجبرتي نديم كرم الدائم وصديقه الأقرب، وهو من يفتح له النافذة ليطل على عالم يحبه ويألفه، بكل ما فيه من دموية وغدر: "عالم مليء بالخيانات والمطاعن الخلفية والاتفاقات السرية والانتقام الوحشي. التاريخ مسلسل تركي غير منته يمنح الذهن القدرة على استيعاب تقلبات الأصحاب وخيانات الأحباب وانقلابات الرفاق".
هل يقتصر وجود وشيوع المفردات التي يستخدمها كرم على المرحلة التاريخية التي يعاصرها الجبرتي ويكتب عنها ويؤرخ لها؟. الإجابة بالنفي، ذلك أن التاريخ محكوم عبر مراحله جميعًا بالقوانين نفسها، والاختلافات الجزئية لا تحول دون هيمنة المرتكزات الراسخة المشتركة. التساؤلات التي يطرحها كرم البرديسي جديرة بالاهتمام والتأمل، فهو يتجاوز بها زمن الجبرتي ويجعل من المؤرخ الكبير أداة لتقديم شهادة افتراضية عميقة عن مصر والعالم مطلع القرن الواحد والعشرين: "ماذا كان بوسعه أن يكتب ذلك الشيخ الملتحي الغائص في الرضا، والمالك لمال لا آخر له يمنحه راحة البال، والاكتفاء بالتدوين والكتابة لو عاش زمن العولمة؟ ما هو رد فعله لو علم أن كرة موت يحملها نسر معدني آلاف الكيلومترات يمكنها أن تقضي على مدينة كاملة بسكانها؟ ما هو حجم اندهاشه لو أدرك الآلة الحاسبة، أو البريد الألكتروني، أو حبات الفياغرا؟ ربما كان استغرابه من نابليون عندما أوصل الكهرباء في جثث الموتى لتنتفض مجرد جهل شرقي بتطور العلم الأوروبي، لكن دهشته لاشك أكبر من استمرار تدفق الابتكارات في بلاد الكفر، وتنامي البلادة والتخلف في ديار الإسلام".
البطولة في تساؤلات كرم لا تقترن بالقنابل الذرية والآلات الحاسبة والبريد الألكتروني والفياغرا، ولا تتوقف عند دهشة المؤرخ القديم في مواجهة الغرائب والعجائب العلمية المصاحبة للحملة الفرنسية، فالأزمة الحقيقية كامنة في تقدمهم الذي لا يتوقف وتخلفنا الذي يبدو بلا نهاية.
يرث كرم البرديسي حب التاريخ عن أبيه سالم، الموظف في دار المحفوظات، و"صداقته" مع الجبرتي هي العلامة الأهم في حياته: "والتي جعلته يشتري من أحد فناني الإسكندرية بروازًا يحمل رسمًا تخيليًا له".
لا مبالغة في الحديث عن "الصداقة"، فالعلاقة بينهما لا تتوقف عند حدود القراءة والبحث، والجبرتي يبدو كأنه القدوة والمثل الأعلى والنموذج المحتذى على نحو ما. تقول له حبيبته الصحفية ندى: "كرم. الحياة فعل مقاومة"، وفي الليلة نفسها يحكي لصديقه الأثير ما تقوله الحبيبة مصحوبًا بتعليق كاشف وتحليل مضيء: "أنت قاومت وعاشت أسفارك وحكاياتك عن قبائح ولاة الأمور قرنين من الزمن. أين مراد بك وإبراهيم بك وشاهين بك وقايدنار والكتخدا ومحمد علي باشا نفسه؟ أين التاجر الشره خليل البكري، وأين القتلة والمأجورون؟ ما أعظمك يا عبدالرحمن".
الكلمة لا تموت والفناء للطغاة؟. ربما! البحث عن السلوى في مقولة كهذه يبدو مبررًا، لكنه ليس مقنعًا بطبيعة الحال. الأمر ليس بسيطًا ميسورًا على هذا النحو، ولاشك انه أكثر تعقيدًا وصعوبة. يلوذ كرم البرديسي بالجبرتي عندما يقع في الحب، فعندئذ يسأل صديقه ساكن البرواز إن كان قد أحب بدوره: "هل جربت الهوى يا عبدالرحمن؟ هل جربت أن يحتجز أحد قلبك فلا تحب سوى ما يريدك أن تحب وتكره ما يدفعك أن تكره؟".
تتسع الصداقة لمثل هذه الأسئلة الذاتية التنفيسية التي قد تصنع بعض الراحة، فهل يجلب المؤرخ الشهير راحة مماثلة على الصعيد الموضوعي؟!.
**
تفكر ندى وهي تتأمل صورة الجبرتي: "ذلك البرواز هو الواصل بين كرم وبين التاريخ عشق حياته، فعبد الرحمن الجبرتي المأسور داخل البرواز هو أبو التاريخ المصري الحديث، ولولا حكاياته ما علمنا ما فعل الأجداد مع الأوغاد من غزاة وحكام وجلادين وتجار بشر".
الجبرتي بمثابة الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، واداة مهمة للتعريف بالصراع بين الشعب والطغاة. يطرح الأسئلة، ويفجّر الدهشة، ويفضح بلا هوادة، ويسخر من المفارقات، لكن السؤال يبقى قائمًا: ما الذي يترتب على هذا كله بعيدًا عن المعرفة النظرية التي تبلور الوعي عند أقلية محدودة العدد من النخبة والصفوة؟!. الكفار من أحفاد أحفاد الغزاة القدامى يواصلون التقدم في شتى مناحي الحياة، وسلالة الطغاة هم الذين يحكمون ويتحكمون بعد مائتي عام من زمن الجبرتي، والشعب المصري المعاصر هو نفسه الشعب القديم، لا يعرف إلا القهر والمعاناة والقليل من الأحلام والسخريات!.
هل من تغيير جوهري يطول الحياة المصرية المعاصرة مقارنة بزمن الأجداد الذي يعاصره الجبرتي؟!. يحكي المؤرخ الكبير عن ابنة الشيخ البكري وصداقاتها المتعددة مع الفرنسيين الغزاة، ولا يجرؤ أحد على انتقاد سلوكها، لكنها تُقتل بعد رحيل الحملة باسم الشرف والقيم الأخلاقية، وهو ما ينطبق على كثيرات ممن هن على شاكلتها: "ووجد الجنود العثمانيون بعد ذلك امرأتين أخريين قيل إنهما تبرجتا في ظل الاحتلال الفرنسي، فقُتلتا انتصارًا للعفة وحفاظًا على الأخلاق الكريمة".
في مواجهة المفارقة الموجعة لا يملك كرم إلا أن يضحك متمتمًا في استخفاف: "الأخلاق الكريمة! أي أخلاق يتحدث عنها هؤلاء القتلة".
أي أخلاق هذه؟!. الصمت في مواجهة ما يرونه سلوكًا مرذولاً عند وجود الفرنسيين، والثأر والانتقام باسم الحفاظ على العفة والشرف بعد رحيلهم؟!. يحكي الجبرتي في تاريخه عن التداخل بين الدعارة والسياسة والأجهزة الأمنية، ويصف مذبحة القلعة وتوابعها بأنها "أشنع الحوادث"، ويسرد حكايات متنوعة متفرقة: "تؤكد أن رجال محمد علي طوروا علم المباحث لدرجة استخدام ماء البصل والشفرات في مكاتيبهم".
الجبرتي شاهد عظيم على عصره، والكثير مما يحكيه ويعلق عليه لا تغيب أشباهه عن الحياة المصرية المعاصرة، فهل يملك كرم البرديسي أن يتجاوز دور الشاهد الأقل شجاعة؟.
ينقل كرم عن صديقه القديم حكاية مصطفى بك دالي، شقيق زوجة محمد علي وواليه في الشرقية. رجل أكول نهم مخيف بالغ القسوة، يموت في الإسكندرية وتصر شقيقته أن يُدفن في القاهرة. تصل جثته إلى المقابر في حالة من التعفن تثير الاشمئزاز والتأفف، ويضطر حفارو القبور إلى دفنه وهو داخل التابوت. يعلق الجبرتي على الواقعة بقوله: "وحثوا عليه التراب، وليس هناك من يفتكر أو يعتبر".
أليست المقولة نفسها هي ما يرددها المصريون المعاصرون عند موت المستبدين والطغاة، متحدثين عن العظة والاعتبار، كأن الموت عقوبة لا تطول إلا من يستبدون ويقهرون؟!.
**
موضوع رسالة الدكتوراه التي يعدها كرم البرديسي عن "تطور النظام الأمني من عهد المماليك إلى محمد علي باشا.. الأدوات والوسائل"، والجبرتي من مصادره بطبيعة الحال. التجربة التي تقدمها الرواية تبرهن على أن النظام الأمني المعاصر ليس إلا امتدادًا منطقيًا للأنظمة الأمنية القديمة، مع الإفادة من التقدم العلمي لممارسة المزيد من البطش والقهر. غياب العدالة مشترك بين الزمنين، وموقف المؤرخ الكبير من محاكمة سليمان الحلبي بالغ الأهمية في الكشف عن طبيعة الواقع الذي نعيشه، وليس التاريخ القديم فحسب: "الغريب فيما حكاه الجبرتي انبهاره بعقد الفرنسيين محاكمة للقاتل وعدم التعجيل بقتله فور القبض عليه، وترتيب من يدافع عنه، وسؤالهم له إن كان مذنبًا أم لا، وهو ما علق عليه المؤرخ الكبير قائلاً: بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العساكر الذين يدّعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون".
لا تروق مواقف الجبرتي، تجاه سليمان الحلبي وغيره، للكثير من خصومه ومنتقديه. يتهمه المتشددون الإسلاميون المعاصرون بتشويه البطل الحلبي، ويأخذ عليه اليساريون موقعه الطبقي، أو كما يقول امجد سامح: "الجبرتي الذي تحبه ليس إلا واحدًا من الإقطاعيين الذين رأوا كل مناضل أحمق، وكل مقاوم للسلطة أهوج".
لا قداسة للجبرتي بطبيعة الحال، فهو يجتهد ويصيب ويخطئ، لكن الأغلب الأعم من الإسلاميين واليساريين يعشقون التطرف ويصدرون الأحكام اليقينية سابقة التجهيز. يرون ما يريدون رؤيته، ويتجاهلون ما يتعارض مع رؤاهم. الفرنسيون غزاة لابد من مقاومتهم، لكن الحكام المسلمين كانوا أكثر قسوة وأشد ظلمًا: "حتى أن عبدالرحمن الجبرتي يذكر صراحة بعد خروج الفرنسيين من مصر أن الناس تمنوا عودة الإفرنج لهول ما رأوه من جنود العثمانيين. "وفي ثاني يوم أحضروا الجزارين وامروهم بسلخ رءوس الأسرى ثم أحضروا جماعة من الإسكافية فحشوا الرؤوس تبنًا ثم خيطوها وطافوا بها في الشوارع. لقد نزل الجند العثمانيون إلى القاهرة وأكلوا الزروعات وخطفوا المواشي وفجروا بالنساء وافتضوا الأبكار ولاطوا بالغلمان، وهكذا يفعل المجاهدون حتى تمنى الناس مجيء الإفرنج". كانت كلمات المؤرخ اليقظ محفورة في ذهن كرم تتحدى هتاف الطلبة الهادر: إسلامية إسلامية".
غياب العدالة مشترك راسخ بين زمن الجبرتي وزمن كرم البرديسي، ولأن الباحث الشاب بلا صديق، فإنه يتخذ من المؤرخ الكبير صديقًا. إليه يلجأ، وبه يلوذ. ومن تاريخه يستخلص الدرس الموجع: "لم يتغير شيء يا عبدالرحمن يا جبرتي. لم يتغير شيء"!.
مصطفى بيومي


back to top