“في آخر أيّام حياتها، ولشدة المرض وضراوته كان يصعب على أمي أن تحرك لسانها حديثا، يصعب عليها أن ترد علينا أو تجيب في أحيان كثيرة..
لكن المحب إذا أحبّ ملك كل حيلة، واجتهد وسعه أن لا يزيد أحبته ألما وعذابا..
كنت أجلس إلى جوارها وأحدثها، وغاية ما في نفسي أن أجد لحديثي لها جوابا وصدى أيّا كان ذلك الجواب..
ولم تكن أمي لتحرمني ذلك، عيناها، إيماءاتها، يدها التي بيدي.. كلها كانت تنطق وتجيب..
أجيل النظر في عينيها ..أشعر أنها هناك ..بعيدا ..ترقبني وتسمع إليّ .. يقيدها المرض أن تتحدث، ولكنّها كانت تجيب.. تحيل كلماتها مسكة يد حانية ..قبل أن تسلم نفسها شيئا فشيئا لنوم طويل لم تعد منه..
ذلك الصمت الذي سبق رحيلها، كان أوقع في نفسي من كل حدث جاء بعده..ذلك الرحيل الذي سبق الرحيل كان الأشد ألما على الإطلاق..
ولم أستطع ليلة رحلت أن أستقبل الصباح دون أن أسمعها، بحثت عن صوتها حتى وجدته في تسجيل جميل لها تحدثنا فيه عن الحمد.. عن رحمة الله بنا كيف هدانا لأحسن صيغ شكره.. عن لطفه إذ يلقي علينا كلماته عطاء وانعاما.. عطاء يستحق حمدا على حمد…
كان ذلك التسجيل على ما حرّكه فيّ من شوق باعث سلوة في نفسي، أعانتني أن أقيمها قبل أن تنهار، وأن أستقبل الفقد استقبال تسليم وصبر..
وحدها فكرة أنّ فقدها لن ينتهي لصمت، كان مبعث أمل وحياة فيّ..
وحدها فكرة أنّ الله ألطف بنا من أن يدعنا لألم كامل، وفقد كامل، وصمت أبدي، وأنّه يهدي الإنسان ويلقي عليه من كلماته ما يحتال به على صروف الحياة وبلوائها، يعلمه من البيان ما يكتمله به خلقه ووجوده، ما يعرفه به على خالقه، وما تستقيم به حياته..
وحدها هذه الفكرة التي سكنت خاطري كانت لتعيد ليّ الحياة..
"حين يُطاوعك قلمُك على الكتابة لا تَخذله،
وحين تزدحِم كلماتك شوقا لتنعتِق لا تأسِرها،
وحين يحدثك قلبُك بالبوح لا تعصِه،
وحين تزورك الفكرة أو الخاطرة لا تلتفِت عنها دون أن تقيدها..
هذه النفس لا تستقِر على حال..
وقد يستأثر بك الصمتُ زمنا كما استأثر بك الكلام.
وما تكتبه اليوم قد يستحيل في الغد مادة تكوينك الأولى إن اعتراك ضعف أو تضعضع بنيَانك و شارف أن ينهار..
بعض الكلمات يا صاحبي نعمة ورزق والله يحب أن يرى أثر نعمَته عليك.."
كتبت هذا ذات مرة، ولعلي أختم به ما استطال من حديثي هذا، ولكنّي قبل الختام أضيف:
لا تسلم أحبتك لصمت يستفرد بهم ويطول، حارب كل صمت قاتل، و أحسن الظن بمن ابتلي في بيانه، أعره صوتك وقلمك ولسانك..وأنصت لكل جواب ياتي منه.. فقد تجزئ الإشارة عن كثير كلام.
كن صوت من فقد صوته، صوت الضعيف، وصوت العاجز، وصوت كل مقهور مظلوم.. لا تقتل الناس بصمتك..
الدعاء ليس نافلة من العمل، وليس يأتي لاحقا مكملا أو من عديم حيلة، الدعاء أعظم نعم الله عليك، سلاحك الذي إن وهبته وهبت معه كل شيئ.. كلمات الله الذي يلقيها عليك، لسانك الذي يتحرك بحمده وشكره وتوحيده وطلب اللطف والرحمة واللجوء إليه.. تضرعك والتجائك والحاحك..
يعيد الدعاء تعريفك من جديد كلّما ضلت بك الحياة وألقتك بعيدا عن غايتك ومطلبك، يعيدك الدعاء لربك وبه يكتمل وجودك وعملك ..وبه تصل، تحيا، وتنصر، وتلقى الله على ما يحبّه منك ويرضاه..
ج2”
―
Share this quote:
Friends Who Liked This Quote
To see what your friends thought of this quote, please sign up!
0 likes
All Members Who Liked This Quote
None yet!
Browse By Tag
- love (101920)
- life (80316)
- inspirational (76757)
- humor (44598)
- philosophy (31369)
- inspirational-quotes (29082)
- god (27023)
- truth (24909)
- wisdom (24869)
- romance (24530)
- poetry (23559)
- life-lessons (22809)
- quotes (21193)
- death (20686)
- happiness (19062)
- hope (18746)
- faith (18581)
- inspiration (17787)
- spirituality (15903)
- relationships (15778)
- motivational (15762)
- religion (15477)
- life-quotes (15441)
- love-quotes (15065)
- writing (15018)
- success (14223)
- motivation (13709)
- time (12952)
- motivational-quotes (12240)
- science (12192)
