“هذه كانت خطوتهم الأولى، وكانوا إذا عجزوا عن العثور على لفظ عربي يؤدي المعنى المطلوب، أو يُقابل اللفظَ الأوروبي، نقلوا اللفظ أو المصطلح الجديد كما هو، ورسموه بحروف عربية، وإذ كانت الحروفُ العربية في مطابع ذلك العصر خاليةً من الشكل تمامًا، فقد لجئوا للطريقة القديمة، فبيَّنوا بالكلمات طريقةَ نُطْق هذه الألفاظ، ثم أشفعوا هذا كله بتفسير للمصطلح الجديد، أو تعريف له، في جملة أو جمل كثيرة، يقول رفاعة في مقدمة كتاب «المعادن النافعة»: «وقد فسرتُ مفرداته على حسب ما ظهر لي بالفحص التام، وما تعاصى منها حفظتُ لفظَه، ورسمتُه كما يمكن كتابته به، وربما أدخلتُه بعض تفسيرات لطيفة.» ونستطيع بحقٍّ أن نقول إن رفاعة هو مبتدع هذه الطريقة وصاحبها، فقد اتبعَها في معظم كتبه التي ترجمها، وعنه أيضًا أخذَها تلاميذُه في مدرسة الألسن؛ فهذا خليفة أفندي محمود يقول في مقدمة كتاب «إتحاف الملوك الألبا»: «… إن اللغة العربية بمعزل عن اللغات الإفرنجية، فلزم لي معاناة أين، ومكابدة مشاق بين حين إلى حين، لأجل أن آتيَ بمقابل ألفاظ يصعب وجودُ مقابلٍ لها في العربية، يكون مطابقًا لمعناها، ومؤدِّيًا لجميع مفادها وفحواها، حتى إنه ربما ورَد عليَّ بعضُ ألفاظ لم أجد لها مقابلًا بالكلية، فبلفظها الأصليِّ ذكرتُها، وبجملة اعتراضية فسَّرتُها.» ولنأتِ الآن ببعض الأمثلة التي تُوضح هذه الطريقة نقلناها عن بعض الكتب التي ترجمها رفاعة وتلاميذه.
(١) الأنستتوت — بفتح الهمزة وسكون النون وكسر السين — أي مشورة العلوم وأكابرهم.
(٢) الإكتريستة، بكسر الهمزة، وسكون الكاف وكسر التاء والراء، وكسر السين وفتح التاء — المسماة الرسيس، بفتح الراء المشددة وكسر السين، التي هي خاصة الكهربا عند حكِّها.
(٣) شمبر دوبير، بفتح الشين وسكون الميم — يعني ديوان «البير» بفتح الموحدة؛ أي أهل المشورة الأولى.
(٤) ديوان رسل العمالات، وهذه هي ترجمة رفاعة للاصطلاح الفرنسي Chmbre des députés. ولهذا الاصطلاح عندنا في مصر منذ عهد محمد علي حتى اليوم تاريخ طويل؛ فقد سُمي هذه التسمية، ثم أُطلق عليه «مجلس شورى القوانين»، ثم «الجمعية العمومية» ثم «الجمعية التشريعية» إلخ إلى أن سمَّيناه أخيرًا بمجلس النواب، كما سمَّينا الشمبر دوبير بمجلس الشيوخ.
(٥) الجرنالات، جمع جرنال، وهو يُجمع في اللغة الفرنساوية على «جورنو» وهي ورقات تُطبع كلَّ يوم، وتذكر كل ما وصل إليهم علمُه في ذلك اليوم، وتنتشر في المدينة، وتُباع لسائر الناس، وسائرُ أكابر باريس يرتبونها كل يوم، وكذلك سائر القهاوي، وهذه الجرنالات مأذونٌ فيها لسائر أهل فرنسا أن تقول ما يخطر لها، وأن تستحسن وتستقبح ما تراه حسنًا أو قبيحًا، وأن تقول رأيها في تدبير الدولة فلها حرية تامة ما لم تضرَّ في ذلك، فإنه يُحكم عليها وتُطلب قدام القاضي، «والجورنو» عصب، فكل جماعة لها في مذهبها مذهب كل يوم يقويه ويحاميه ويؤيده، ولا يوجد في الدنيا أكذب من الجرنالات أبدًا خصوصًا عند الفرنسيس.
(٦) التلغراف — يعني إشارة الأخبار … إلخ … إلخ.”
―
تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي
Share this quote:
Friends Who Liked This Quote
To see what your friends thought of this quote, please sign up!
0 likes
All Members Who Liked This Quote
None yet!
This Quote Is From
تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي
by
جمال الدين الشيال5 ratings, average rating, 4 reviews
Browse By Tag
- love (101959)
- life (80580)
- inspirational (76848)
- humor (44717)
- philosophy (31438)
- inspirational-quotes (28716)
- god (27022)
- wisdom (24960)
- truth (24940)
- romance (24625)
- poetry (23638)
- life-lessons (22738)
- quotes (21258)
- death (20755)
- happiness (18997)
- hope (18780)
- faith (18603)
- inspiration (17997)
- motivational (15983)
- spirituality (15967)
- relationships (15838)
- religion (15511)
- life-quotes (15280)
- writing (15055)
- love-quotes (14864)
- success (14196)
- motivation (14002)
- time (12947)
- science (12242)
- motivational-quotes (12187)
