Kindle Notes & Highlights
بعض العمر يرفض أن يتلاشى من الذاكرة ويموت. يبقينا سجناء رماده وشواطئه وظلامه، ويصر على إذلال شهوتنا للحياة. وبعض العمر يبقينا أحياء نابضين بالأمل والوهج والدفق، ويدفعنا نحو شلالات الصفاء والأعالي النقية، يؤهلنا لتجاوز الحدود، ويمكّننا من تحطيم كل الأصنام. أي العمرين يستحق أن تذكر سارا ألكزاندر؟ امرأة بلا شواطئ، بل إنسانة بلا قيود. لو كان المعري يسمعني لقلت له إن بإمكان المرء أن يكون خارج كل المحابس والسجون.
تفتّحت فيّ رغبات المراهقة فخسرت جسدي وإرادتي وقراري وحركتي، ودخلت في دوائر الخوف والهزال. سلبوا مني كلّ شيء، حتى الأمل في الغد، وما تركوا لي إلا رغبتي في الموت. اندفعت إلى حضن الموت أبارك له إيماني بلا شيء إلا هو. لكنهم كانوا بيني وبين الموت. منعوني من اختيار العدم الحقيقي، وأبقوني في عبثية عدمهم. كلّما فررت من قفص أدخلوني في آخر. قصّوا أجنحتي، نتفوا ريشي، وكفنوني بالبياض لأسير بين الأحياء جسداً لا يعرف الحياة. أسير ميتة بينهم، لا أعرف الدفء ولا الأمان ولا أقدر على التحليق. أعرف جيداً الاحتراق، وأعرف كيف أكوّم رمادي فوق بعضه بعضاً، وأتقن فن إشعاله من جديد. لم أعرف أن رمادي سيشتعل يوماً ويحرقني
...more
لعل الحد الفاصل بين جنون الألم وجنون الأمل هو نقطة الانطلاق، بل لعله الخط الواقف بين لغة الجسد ولغة الحب ولغة القمع، ومن يعرف، فلعل الوقوف بين خيوط الزمن ومتاهات المكان واعتصارات القلب مما لا حدود ولا فواصل ولا بدايات له.
لماذا كانت أوامرك أقوى من إرادتي؟
كان غريباً عني، عنا جميعاً. قضينا سنواتٍ عديدةً دون أنْ يحتك دمه بدمنا. لم تعتد آذاننا صوته، ولم يعتد أصواتنا. لم نعرف دفء يديه أو نظرات عينيه، ولم يعرف دفئنا ولا معنى نظراتنا. لم تختلط أنفاسه بأنفاسنا ولم تتلاق أحلامنا.
ما أقساك يا والدي وما أقبح حضورك ذاك! أكنت تدرك أنّك تخنق الحياة فيّ، فينا جميعاً؟ أتعرف أنّي وأخوتي كنا نتمنى خروجك من البيت وعدم رجوعك؟ كنتُ أفرح حين أسمعك تتحدث إلى أمك، وتخطط لمشاريعك، لا لشيءٍ إلا لأنّ انشغالك معناه غيابك وعودتي.
اليوم أصبحتْ السجون أكبر وأكثر. علاقات القرابة، وحياة النساء، والعادات، والمعتقدات، وحاجات الجسد، والتزامات الوطن، وذاكرة الانسان، واللغة، والوجود البشري فوق هذه الأرض كلها سجون.
ومستقبلي؟ وشهادتي؟ ووظيفتي؟ والراتب؟ وطلوعي من هالسجن؟
كانت يدي تمتدُّ في الخلاء، في الفضاء، في أرجاء الكون، تبحث عن طريقها إلى الوجود.
صوت ستيورت وهو يحذّرني من الجرح الخفي الذي تتركه ذكرياتنا فينا يتكرر في أذني. قلت له يومها إني تجاوزت ما كان، وإني تعافيت من أمراض جسدي. ظننت أني أفرغت نفسي من مرارة الماضي، كيف ذلك وهذا الخدر المر ينتشر في جسدي؟ ظننت أني تخلصت من خدري حين صرت امرأة تملك جسدها وصوتها وحياتها وقرارها، فلماذا يعود إليّ هذا الإحساس؟ لماذا يغطيني غبار الماضي ويسكنني؟
أغضب كلّما تذكّرت الزعماء والألوية والمشيرين الذين تعاونوا مع الصهاينة، وأعداء بلدي، ولم يزدهم ذلك إلا رفعة ومكانة. لم يُسجن من تلاعب بدستور البلاد. لم يُعاقب من سرق خزائن الدولة. لم يُحاكم مغتصبو الحريات والنساء. سُجِنَ الوطنيون، واحتلّ البلادَ الفاسدون والخونة والعملاء والسارقون.
سجناء الرأي والسياسة والمعارضين والأحرار وأصحاب الحق كانوا يُظلمون، والظلمة كانوا يُمتدحون.
أنّ خروج صوتي من حلقي حق لا يستطيع أحدٌ أن يسرقه مني.
لعنت أبي، لعنت أمي، لعنت محروس وأمه، لعنت جدتي، لعنت أنوثتي، لعنت قريتي، لعنت حظي، لعنت بلدي، لعنت أهلي، لعنت يوم ولادتي، لعنت يوم بلوغي، لعنت يوم الامتحانات، لعنت.. سمعت صياح الديك وأنا ما أزال ألعن.
أفسدتني أمي يوم شربتْ الذل وابتلعتْ الإهانة كلَّ يومٍ معتقدة أنها تربينا. أرادها زوجها أن تعلّمني كيف أغمض عيني، وكيف أصم أذني، وكيف أشكر اليد التي تغتصب حقوقي. ما كان يعرف أنّها كانت في خضوعها وسكوتها وقبولها، تلد امرأةً ترفض الذل وتكره الخضوع وتتحدى ربوبيته. سامحيني أمي فلست أستطيع ولن أستطيع أن أكون أنت، وإن كنتِ قادرة على قبول الذل فإن قلبي يرفض ذلك. أنا أتحمّل مسؤوليتي عن نفسي ولست أريد أماً معجونة بالجبن.
النعيم بالنسبة لأولاء هو الجدران والأولاد والأوراق النقدية والأثاث. أما حرية اللسان والجسد والعقل والإرادة والفعل فلا تخطر لهن على بال.
واليوم أراقبهم وأشعر أنّي امرأةٌ لم تكتمل بعد. امرأةٌ بحاجةٍ إلى نحتٍ وتشكيلٍ وصقلٍ وفرصةٍ وحريةٍ، وكثيرٍ من الحب، وكثيرٍ من القوة، وكثيرٍ من الابتعاد عنهم.
أريد أن ألبس بهجة لا يعرّيني منها أحد.
الوجوه الساكنة التي جفّفها الخوف، والأفواه التي لا تعرف الحوار، والرؤوس التي لا يحركها إلا الثواب والعقاب، كانت سجني.
أنوثةٌ يعيبها حتى صوتها مقابل ذكورةٍ لا يعيبها الإشهار بشهواتها. صوتٌ مهمشٌ مقابل صوت السلطة.
والدتي تحوّلت في عيني إلى صورة تعبر عن قهر زوجها. تلك التي ترتعش خوفاً وأملاً وانتظاراً وحباً وقهراً، تجبرني أحياناً على الإشفاق عليها، وأحياناً أخرى على النفور منها. لست أستطيع أنْ أتحدث عنها بلغة الحب والكره، أحتاج إلى لغة القاهر والمقهور حين أذكرها.
أنجح في دراستي لكنَّ الحياة القبيحة، المملة، العبثية، المختلطة بشوائب غضبٍ أو ألمٍ أو ضياع تفسد الأمل، وتغلق أمامي أبواب المستقبل.
وداعاً أبي، ولعله من الأصح أن أقول وداعاً ظلم أبي، فلم أشعر بأبوتك يوماً ولم أعرف منك إلا قسوتك. لن تفيد ذكراك أو تذكرك، عسى أن تشفى القلوب وتصفو بعدك.
تنفستُ فسألتُ وفكرتُ وتشكّلت. أصبحتُ امرأةً حيّةً تتحرك وتسير وتخطط وتفكر وتحلم وتأمل وتعمل وتجتهد وتبدع وتتفاوض وتراهن وتحاول وتخطئ وتجدد وتبحث وتتساءل.
كوني ما تريدين لا ما يُراد لك، أو ما يُسمح لك، أو حتى ما يُتوقع منك.
هنا يقتلون الحرية والطفولة والحركة والابتسامة والفرح. يقتلون لب الإنسان ويتركون له جسده يتحرك نصف مائلٍ نحو الجمود. يُحْرَمون من حقوق الانسان. يُحْرَمون من حقوق الطفل. يحرمون من حقوق المريض. يحرمون من حقوق الفرح. يَحْرِمون أنفسهم من كلّ حقوقها أبناء عائلتي. منتهِكون ومنتهَكون. ظالمون ومظلمون.
وسأبقى إلى الأبد، امرأة لا تتنازل عن حقها، من أجلي، وأجلك، وأجل أطفالي، وأجل أولئك الذين أحبهم ولا أستطيع أن أصلهم. من أجل ذلك تدمع عيني، ومن أجل ذلك سيبقى صوتي عالياً.

