More on this book
Community
Kindle Notes & Highlights
وتظل حكمة الله مطوية في ظلمات الغيب، لا يتنوَّرها إلا مَن غمره شعاع الإيمان وسطع في قلبه نور الحكمة، أما الذين تعبَّدتهم شهواتُ أنفسهم فهم أبدًا في حيرة وضلال.
ينبغي أن تُقدَّر ثروة الإنسان لا بأمواله ومستغلاته؛ بل بعدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش غير محتاج إليها.
ومتى لم يكن الخير إلا بالقوة فاحتياجه إليها شرٌّ، ومتى لم يكفَّ الشر عن القوة فاحتياله
وما دام في هذه الدنيا شيء من المادة أو المعاني يُحتاج إليه، أو يتوهم أحدٌ أنه محتاج إليه؛ ففي الدنيا الفقر. وما دام للناس رغبةٌ يتنافسون فيها أو يرفعون من شأنها بالمنافسة؛ فثمَّ الحسدُ.
وما دام في الغيب أيامٌ وآمالٌ، وفي الدنيا فقرٌ وحسدٌ؛ فهناك الطمع. وما دام لهؤلاء الناس من أشيائهم ما تحملهم أخلاقهم على الضنِّ به، أو يكون سبيله من الطبيعة أن يُضنَّ به؛ وفيهم الفقر والحسد والطمع؛ فثمَّ خبءُ السوءِ والرذيلةُ الماحقةُ، وثَمَّ البخلُ، وإن البخل وحده لفي حاجة إلى نبيٍّ يُصلِحه!
ولقد يصاب الناس بألوانٍ من العذاب، ويُمتَحَنون بضروبٍ من المكروه، وتُرسَل عليهم الآفات تختلُجهم من ههنا وههنا؛ غير أنهم يجدون لكل مصيبة محلًّا من الصبر يمسكونها فيه، فتجيء وحدها وتذهب وحدها، وإنما هي الغمَرَاتُ ثم يَنْجَلِينَ؛ فإنَّ من رحمة الله أن لا يزال الليلُ والنهارُ يتراكضان بيننا وبين النسيان كما يتراكض
البريد، فيذهبان بشكوى المصيبة ويرجعان من النسيان بالسلوى أو العزاء أو نحو ذلك. ولكن الطائفة من الناس إذا ابتُلِيت بالغنيِّ البخيلِ ابتُلِيتْ منه بالمصيبة التي تأكل المصائب؛
فقد تكون مصاحبة البائس للبائس ثروةً
وماذا في السعادة أهنأ من أن تُوقى شرَّ هذه السعادة فلا تتطلَّع نفسُك إليها، ولا ينالك إلا ما تحبُّ أن ينالكَ، فأنت بعدُ وادعٌ قارٌّ آمِن في سِرْبِكَ، مُعافًى في بدنك، خارجٌ
وهل في النعمة خيرٌ من الكَفَاف حاضرًا، ومن الصحة فارهةً، ومن قرة العين وضحك
السنِّ واستطلاق الوجه، وأن يكون القلب في حجابٍ من نور السماء لا تهتِك عنه رذائلُ النفس، ولا يعلَق به غبارُ الأرض، ولا يتغشَّاه ظلام الحياة، ولا يزال هذا القلب في نضرته وصفائه كأنه سعادة مخبوءة في غيب الله لم يُخلَق بعدُ مَن خُبئت له؟
وما الجنون إلا نبوغ فوق الطاقة، ولا النبوغ إلا جنون رقيق!
وليس في الناس شيء يزيدك كمالًا من غير أن يزيدك نقصًا، حتى إيمانك فإنه كفرٌ عند قوم، وحتى عقلك فإنه سفهٌ لطائفة، وحتى فضلك فإنه حسدٌ من جماعة؛ وحتى أدبك فإنه غيظٌ لفئة.
وربما كانت التعاسةُ السامية خيرًا من سعادة سافلة!

