أفيون..!

حمود الشايجي
(1)
يقول كارل ماركس إن «الدين أفيون الشعوب». لم يخطئ بقوله هذا. لكنه لم يقله كما يجب. ليس «الدين» هو الأفيون. الاعتقاد هو الأفيون. فرأيي بشكل مختصر هو أن «الاعتقاد هو أفيون البشرية». فأنت عندما تعتقد بأمر تحصر الوجود كله بهذا المعتقد. الاعتقاد من الممكن أن يكون بسيطا جداً. كأن تقول لنفسك بأنك لا تستطيع أن تفتح عينك على يوم جديد إلا بقهوة ستار بكس. أو أن يكون هذا الاعتقاد معقد ليصل إلى الاعتقاد الوجودي.
(2)
هل تعتقد أن ما أقوله صحيح؟!. اسمح لي أن أجيب عنك. «ربما يكون صحيحا». لأني لا أستطيع أن أخرج عن المعتقدات التي غرسها بي والداي ومجتمعي ومدرستي وبلدي خروجاً بائناً. حتى لو سعيت إلى ذلك. لا أحد يستطيع أن يخرج عن المعتقدات التي غرست فيه. لكن. يمكنه أن يحاول. وعساه أن يتحرر من بعض الاعتقادات والمعتقدات التي يراها لا تناسبه.
(3)
السؤال الثاني. هل نستطيع أن نعيش بلا اعتقاد..؟!. مع الأسف. لم أستطع أن أرى أحداً يستطيع أن يعيش بلا اعتقاد. لأن الاعتقاد هو حيلة عقلية لتسهيل العيش في عالم يصعب على عقولنا تفسير تساؤلاتنا فيه. فلا أحد يستطيع أن يجيبنا عن سؤال بسيط مثل «لماذا يقتل الأطفال من الجوع في مكان وأطفال آخرون يقتلون من مرض السمنة في مكان آخر..؟!». وهذا السؤال مجرد مثال لا أكثر ولا أقل للأسئلة التي لا جواب لها في هذا الكون الممتد.
(4)
السؤال ما قبل الأخير. هل فعلاً ماركس قصد ما فهمه الناس من هذه عبارة «الدين أفيون الشعوب»؟!. هناك من يشكك بهذه العبارة الشهيرة. وانها استخدمت بشكل آخر غير الذي أراده مطلقها. حيث إنه كان يعني أن الدين هو آخر ما يتبقى للشعوب بمواجهة الدكتاتورية والاستبداد. فالشعوب تتستر بدرع الدين في مواجهة الاستبداد الذي لا حول لهم ولا قوة في رده وإزالته.
فالأفيون، حسب تحليلي للعبارة الماركسية ورأيي الخاص بها، ينطلق من نقطتين. النقطة الأولى: هي أن الاعتقاد أياً كان هو أفيون. وما الدين إلا غصن من شجرة غير نهائية يطلق عليها شجرة المعتقدات. لا أحد يستطيع الجزم أين جذورها وإلى أي حد تصل أغصانها. أما النقطة الثانية: فهي النظر إلى الأفيون نفسه. الأفيون كمادة ذات أوجه. وليس ذات وجه واحد. فهو على الرغم من أنه مادة مخدرة يستخلص منها الهيروين، المخدر الذي يغيبنا عن هذه الحياة وهذا الكون. هو المادة التي يستخلص منها المورفين المسكن للآلام، والذي يجعل هذه الحياة وهذا الكون أكثر احتمالاً.
(5)
السؤال الأخير. هل علي أن أكتب هذا المقال؟!. هل سوف يغير شيء لو تأكدت الإنسانية أن بعض معتقداتها التي تعتقدها، بعيدا عن الدين بالطبع، مجرد مخدر أو مسكن على أحسن تقدير وبأن هذه المعتقدات هي التي تمنع بصيرتها أن تبصر.
«لا أدري»..!



نشر في جريدة القبس الكويتية في 08/02/2016
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on February 10, 2016 09:54
No comments have been added yet.