طارق الخواجي: اللقيا في خرائط التيه

قبل أن تتيه في أروقة وزارة الإعلام الكويتية، بحثاً عن تصريح يسوغ لها الانتشار في بلدها الأم، وقعت رواية الروائية الشابة بثينة العيسى في دائرة الضوء النقدية، مثيرة حركة من الاهتمام عبرت عنها أقلام عدة لروائيين ونقاد كويتيين وخليجين وعرب، مثيرة في المقابل اهتماماً جماهيرياً لا يزال ينتظر حركة توزيع أنشط، معلنة بذلك الكفاية الأولى التي يعول عليها في قبول عمل أو رفضه، ودافعة للتساؤل دائماً عما يرضي الرقيب، الذي يبدو أن معضلة توقيعه فقدت قيمتها البيروقراطية مع هذا الانفتاح الهائل للعالم من حولنا.

ما المثير في عمل جديد لبثينة العيسى، التي لفتت الانتباه إليها مبكراً في عملها الأول «ارتطام لم يسمع له دوي» المدى 2004، وظل الكثير يحاول قصر إبداعها في دوي يحاول أن يجد له صدى في أعمال أخرى متلاحقة، مثل عملها البارز «عائشة تنزل إلى العالم السفلي» الدار العربية للعلوم ناشرون2012 ، بيد أنني ولو من خلال افتراض تعسفي أراها أرجأت صدى الدوي الأكبر ليصدر عالياً في عملها الأخير «خرائط التيه» عن الدار العربية للعلوم ناشرون.
ورغم أنني حاولت وقت الاطلاع على هذا العمل، أن أزيح من وعيي كل نشاطات بثينة العيسى، من خلال المبادرة الخلاقة الموسومة بـ «تكوين» التي تحاول خلق اتجاه واع للكتابة في العالم العربي في أكثر التعريفات ابتساراً وإخلالاً، إلا أن أثر هذه النشاطات بدا واضح الأثر وبشكل عميق في عملها الأخير، الذي ينطوي على حرفية بالغة وفنية عالية.

منذ البدايات تمسك بثينة العيسى بتلابيب القارئ، من خلال حدث عنيف وقاس وغير محايد، الفقد الذي اختبرته بثينة في أكثر من صورة وطريقة، لكنه في هذه المرة يأتي من خلال عدسة مكبرة ومباشرة تقع على الأثر ولا ترتبط به، ومن دون محاولة تقف تعيسة قد تسعفها فيها أحابيل السرد الكثيرة، لكن بثينة وبلغة رفيعة متخمة بالروحانية المختبرة جيداً، تنزع النقاط عن الحروف في الأزمة التي تصعدها مبكراً، من دون محاولة للتخفيف عن القارئ، من خلال مقدمات عاطفية مبتذلة. طفل كويتي صغير يتيه من أهله في موسم الحج، الحكاية التي سمعنا عنها كثيراً، صغاراً كنا وحتى عندما كبرنا، السيناريو لا يبدو لنا جديداً حتى في تفاصيل الفقد التي ندرك أنها ليست مصادفة أو مفتعلة، وإنما جزء من جسد بالغ متقن التنظيم في جريمة دولية تسمى «بيع الأعضاء»، وبثينة إذ تتنقل في هذا الموضوع العسير، تحاول أن تخطو على الشوك الذي يجرح أحياناً محاولاتها السردية في اكتشاف مناطق بالغة السواد، من خلال مرآة تم تنظيفها جيداً لرؤية الأشياء بأفضل ما يمكن، لكن بثينة التي فاجأتنا بقدرتها على خلق العوالم المغايرة التي سيطرت عليها بحرفية عالية جداً، لا تتمكن بالقدر ذاته من السيطرة على عالمها الذي تعرفه جيداً، وهذا ربما يعود إلى النمط الذي تقع في أسره الرواية الخليجية تحديداً، ولا يستطيع النجاة منه إلا النزر القليل، لكن هذا لا يلبث أن يختفي في مسار الرواية السريع في إيقاعه الزمني المتمهل بذكاء في تغلغله في ذاكرة القارئ، إذ تبدو الأحداث رغم واقعيتها البالغة جديدة علينا بالمطلق، وكأننا نتعرف على عالمنا لأول مرة، إذ نبقى مأسورين في حضور كل شخصية تظهر في الرواية مع وفائنا لمن تعرفنا عليهم من قبل.

بثينة تغوص في جغرافيا الجزيرة العربية، تتلمس طريقها جيداً من تهامة الحجاز مروراً بجازان وعبر البحر الأحمر نحو صحراء سيناء حتى حدود فلسطين المحتلة وما يسمى دولة إسرائيل.

بثينة لا تحاول العبث بالكلمات أو التنجيم في التوقعات بقدر ما تحاول أن تسرد الواقعة بعافيتها ومرضها، وهي في ذلك تبدع حكاياها الداخلية للشخصيات التي تعج بها الرواية، والتي يظهر فيها إلمام جيد بواقع اليوم وتبدل تضاريس النفس البشرية وفزعها الكبير في التيه الأعظم الذي تعيشه، هكذا نجد أنفسنا مدفوعين بالاهتمام بالشخصيات التي يتداعى لونها الأسود أو الأبيض، متيحاً المكان للرمادي، الرمادي الذي يغطي خريطة التيه التي يضيع فيها الخط الذي اختطه الإنسان في تسمية حدوده التي لا يستطيع حتى اليوم أن يجعلها سلطاناً للسيطرة على المكان وإنسانه.

هناك الكثير من المآزق التي نجت منها بثينة، مأزق الصورة النمطية والصورة الذهنية المثالية، ومأزق الضلال واليقين، ومأزق الفقر والغنى، ومأزق الخير والشر، وهي في ذلك تنحو منحى إنسانياً يعرف به الأدباء حينما يحاولون محاكاة الواقع الذي هو في الأصل حقيقة الفن وصورته الأسمى.
تقع الرواية في حوالي 400 صفحة، ورغم أن القارئ سيفرغ منها في وقت قصير ربما يكون جلسة واحدة أو جلستين، بسبب نسق المسار الزمني فيها، وكذلك لانتهاجها التقطيع الفعال في الحركة الزمنية، مع تبديلات في المكان تتحرك بانتظام جيد يتعاقب فيها السرد معطياً لكل مكان حقه المناسب من الخريطة الواسعة التي تجرأت الرواية على الحركة فيها، مانحة إياها نوعاً من الإثارة الحديثة في القالب الدرامي الغالب في سلطته على النص السلس والعنيف في آن، لكن الشعور المؤكد الذي عبر عنه كثير من القراء هو في الاستنزاف العاطفي للقارئ، الذي اعتادت بثينة أن توجعه بالحقيقة التي يعرفها، لكنه يختبرها معها في صورة جديدة، تجعله متأثراً حتى فترة بعيدة بعد الانتهاء من الرواية، لكنه يعرف أن هذا الألم هو ما يدفعه للبحث في خريطته الخاصة عله يلقى الذي تاه منه في يوم ما. قد تبدو الأحكام القاطعة مثيرة للملل عند الكثيرين، لكنني أزعم في هذه المقالة أن هذا العمل هو أفضل أعمال بثينة قاطبة، وسيكون مثار اهتمام كبير في فضاء السرد الكويتي المعاصر، الذي تنعشه أقلام شابة شدت الانتباه إليها من خلال توقدها الأدبي وبراعتها الفنية.


*القدس العربي.

http://www.alquds.co.uk/?p=406900

خرائط التيه by بثينة العيسى
3 likes ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 25, 2015 21:33 Tags: خرائط-التيه
No comments have been added yet.