الحمارة!

شغل الحمار جزءاً كبيراً من ادب الشعوب نثرا وشعرا ونوادر وأدبا ساخرا، لكن ماذا عن الحمارة؟

لطالما اعتقدنا ان صفات الحمار تليق بالإنسان الغبي، لكن في هذا الرأي ظلماً كبيراً للحمار، إذ لم تثبت أي دراسة علمية أن الغباء احدى صفات الحمير، فالحمار يتصف بالصبر وتحمل المشقة والإيثار وقوة التحمل، وهذه هي الصفات ذاتها التي نستطيع ان نسقطها على الحمارة، أو المرأة الصابرة إن صح التعبير، فهي ليست الغبية ولا الساذجة ولا «الهبلة» كما نحب ان نسميها، بل هي المرأة «المعنفة - الصابرة» التي تتحمل وتصبر وتصبر إلى أن ينتفض الصبر منها فينفجر بها قائلا: ثوري.

المرأة الصابرة هي تلك التي تقبل الاهانة والقسوة والضرب والعنف بسبب المفاهيم الاجتماعية (العادات والتقاليد)، التي أقنعتها أن ما يحصل لها أمر طبيعي، وأن من أساسيات العلاقات الزوجية القسوة والعنف، وعليها كزوجة صالحة، أن تتحملها وتسكت عليها. فمعظم المجتمعات تمنح الرجل أعذاراً عدة (وإن كانت كلها واهية) لممارسة عنفه ضد المرأة، وقضايا العنف الزوجي ينظر لها في كثير من الأوقات على أنها شأن خاص بالأسرة، وليس لأحد التدخل بها، وعلى المرأة «الحمارة» الصبر على عنف زوجها والسكوت، وحتى إن كان على حساب صحتها ونفسيتها وحتى وجودها. الأدهى هو عندما تذهب «الحمارة» لأبعد من هذا، فتختلق الأعذار لزوجها لتعنيفها، وتلوم نفسها وتقتنع بأنها تستحق ما حصلت عليه من تعنيف.

بيد أن العنف ضد المرأة ليس جسديا ماديا فقط، فالإهانة والشتم والتجريح والشك والطعن في الشرف والتهديد عنف أيضا، بل ربما عنف أشد وأقسى، كون آثاره لا تظهر واضحة على جسد المعنفة، بينما آثاره النفسية أعمق وأشد وطأة. ومما لا شك فيه أن نسبة المعنفات «نفسيا» تزيد بكثير عن نسبة المعنفات جسديا. لكن للأسف معظم قصص العنف لا تصل الى القضاء، بل لا تصل حتى الى مخفر الشرطة، لسبب واحد فقط، هو أن المرأة (الحمارة) تفضل الصبر على ألمها وجروحها، على أن «تفضح» زوجها وتشرد أطفالها وتلطخ سمعة العائلة، فتقضي عمرها في العذاب حتى وإن كان الثمن حياتها.

العنف ضد المرأة هو انتهاك لحق من حقوق الإنسان، وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي مر علينا منذ أيام، ظهرت إحصائيات صادمة، فعلى الرغم من القوانين التي تسنها بعض الدول للحد من العنف ضد المرأة، فإن أكثر من 70 في المئة من نساء العالم يعانين من العنف في حياتهن. فالعنف ضد المرأة لا يقتصر على بلادنا ولا على فئة معينة، وإنما يشمل جميع الثقافات والدول، الغربية منها والعربية، الإسلامية وغير الإسلامية، النامية والمتقدمة. باختصار هناك «حمارة» في كل دول العالم.

فيا صابرة صبر الحمير، اصحي.. وثوري على جلادك، فليس هناك ما يستحق كل هذا الألم.

• هامش: أنثى الحمار تسمى «أتان» وليس حمارة كما هو متداول وشائع.


دلع المفتي
نشر في 4/12/2014
http://www.alqabas.com.kw/node/917347
1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 03, 2014 12:32
No comments have been added yet.


لكلٍ هويته

دلع المفتي
مجموعة من المقالات التحقيقات واللقاءات التي نشرت لي في القبس الكويتية.
Follow دلع المفتي's blog with rss.