المغفلون يستحقون أن يمتطيهم الأفاقون
في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، يفتتح ماركس كلامه بعبارة لهيجل كتبها في مكان ما، وهي أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. ويعلق ماركس أن هيجل نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة. ومنذ كتبت أروى صالح كتابها ذائع الصيت، والمسخرة لا تتوقف عن التكرار. وهذا ينطبق على أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية. ومع ذلك هناك اصرار عظيم في بعض القراءات لتحريف المعادلة التي كتبتها أروى وجعل المغفلون لا يستحقون، بل وتحويلهم إلى ضحايا صرف بلا أدنى مسئولية، هناك فرق بالتأكيد بين كسر إناء وبين كسر إنسان، الفرق أن الإنسان المكسور شريك في المسئولية باعتباره إنسان أساسا وبالتالي فهو اختار بشكل أو بآخر، وبحسبة ما (مش شرط تكون مادية) إنه يروح يتكسر ويلعب دور المغفل. هناك أشخاص تراكم خبرة وتخرج من هذه الدائرة الملعونة، هناك أشخاص لا يراكمون أي خبرة ويستمروا في لعب دور المغفلين ولو إلى حين.. وهناك أشخاص يرجعون إلى الحائط في صف الأفاقين الممتد في انتظار الضحية التالية.
المقال التالي هو جزء من تعقيب لشريف يونس بعنوان: الحلم والواقع حول أيديولوجية الحركة الطلابية الماركسية فى السبعينات عن كتاب -المبتسرون- لأروى صالح
إن التخلص من كيتش المسيرة الكبرى اليسارى والكيتش الأخلاقى المرتبط به يمكن أن يمنحنا رؤية أبسط وأكثر واقعية للمشكلات الأخلاقية . فبدلا من إدانة الأنانية بمفاهيم النقد الرومانتيكى ، يمكن - على العكس - أن نقرر أن أى تصور أرقى لعلاقات تقوم على المسئولية الشخصية المتبادلة تفترض أصلا تكوين أفراد مسئولين عن علاقتهم بأنفسهم أولا ، أى أنانيين بالمعنى البرجوازى . وبعد ذلك فحسب يمكن أن ننطلق إلى تصور علاقات تقوم على مبدأ الندية ، بمعنى الدعم المتبادل ، ومسئولية كل فرد عن نفسه ، وبالتالى عدم الاعتماد على تصورات مثالية مفترضة لأخلاق جماعية أو فردية ما ، تضمن لنا تلقائيا مسئولية أخلاقية للآخرين عنا . ولا يعنى مبدأ الندية هنا أسطورة التساوى المطلق ، وإنما - على العكس - قبول واقع ميل العلاقة لصالح طرف ما فى ظرف معين ، وللطرف الآخر فى ظرف مختلف ، وفقا لقدرات وتكوين هذين الشخصين .
ومع ذلك ، وأيا كان النموذج الذى نفضله ، فإنه يظل مجرد نموذج ، أى أدوات لمحاكمة الأفراد لبعضهم البعض من خلال افتراض قوالب معينة للسلوك . فى حين أن كل فردية تنطوى بالضرورة على إمكانيات الخداع ؛ خداع الناس ، بل وخداع النفس . ومن هنا فإن المرء الذى لا يسجن نفسه بعزم وإصرار وجهود متواصلة فى عقيدة أخلاقية بعينها سيتاح له من حين لآخر أن يعيد اكتشاف نفسه والآخرين فى ضوء مختلف وفقا لخبرات واقعية ، إذا استطاع أن يحرر خبراته ، ولو جزئيا ، من الأحكام الأخلاقية المسبقة . وأعتقد أن هذا الموقف أكثر إيجابية أخلاقيا من وضع معيار فوقى - رومانسى أو غيره - لمحاكمة الآخرين بمنطق متعالٍ ..
واتساقا مع هذا يمكن النظر لكل فعل أخلاقى على أنه فعل متبادل بالضرورة، بمعنى أن مسئوليته يتحملها طرفاه بشكل أو بآخر . فإذا كان المغفلون يستحقون أن يمتطيهم الأفاقون (بتعبير أروى - ص57) ، فإن المرأة التى تدخل - مثلا - ضمن مسئولية رجل يطوِّر العلاقة حتى حدود الفراش ثم يتخلى عن مشاركتها فى العواقب الاجتماعية المترتبة على ذلك ، كاشفا عن وجه شرقى كان غائبا قبل ذلك .. تشاركه المسئولية بالقبول الضمنى أو حتى بالغفلة أو إيهام نفسها بقدرتها على تغيير الأوضاع بوسائل “سحرية” . وفى مقابل نموذج المثقف الذى يطرى “النصف الأعلى” للمرأة ليصل إلى “نصفها الأسفل” ، يوجد أيضا نموذج المرأة التى تسعى لرفع قيمة “نصفها الأسفل” عن طريق اكتساب مظهر الثقافة أو النضال ، ونموذج المرأة التى تفخر بالارتباط الحر أو غير الحر بالنجوم عوضا عن تطوير قدراتها الذاتية وتحمل مسئولية ذاتها .. وغير ذلك من النماذج الكاشفة لمبدأ المسئولية الشخصية والمتبادلة .
وبصفة عامة فإن كل شخص مسئول عن اختياراته ؛ فالفتاة التى تسلم رأسها وجسمها فى جلسة على كوب شاى مع مناضل - كما تذكر أروى - ليس من المنطقى اعتبارها ضحية لمجرد أنها لم تنل مكاسب مادية ، فبقدر ما أنها كانت مدفوعة بطموح ما ، ونموذج ما ، ومطالب ما ، حتى ولو كانت طموحات الالتحاق بالكيتش والوصول بسرعة للمكانة المرتفعة لمسلماته .. يمكن القول بأنها شاركت باختيارها فى المصير العام الذى اقتسمه أنصار الكيتش .. فليست الثروة هى الإغراء الوحيد فى عالمنا المعاصر .
بل أن المشكلة التى تواجهها الأطروحات الأخلاقية النموذجية أعقد من ذلك .. فملكات البشر عموما متداخلة لا يمكن عزل كل منها على حدة ، كما تطالب التصورات الأخلاقية المتشددة فى تفريقها المتشدد بين ما هو “عالٍ” وما هو “سافل” .. فلا يمكن مثلا عزل “نصفى” المرأة أو الرجل على السواء عن بعضهما البعض ، ولا الحد من تأثيرهما المتبادل والمتآذر على الآخرين . ولا تتوقف مسألة التداخل على هذين النصفين فحسب ، وإنما تمتد أيضا إلى الثروة والمكانة الاجتماعية والحيوية والذكاء الاجتماعى .. الخ .. فلا يوجد حد فاصل بين أى قدرة أو وضع للفرد وبين باقى أوضاعه وقدراته ، اللهم إلا من وجهة نظر تطهرية بالغة الحدة ، ترفع قيمة معينة كمعيار يفوق كل القيم ، وتقيم المحاكمة على أساسها ، وترفض كل تداخل واقعى .
جزء من مقال لشريف يونس بعنوان: الحلم والواقع حول أيديولوجية الحركة الطلابية الماركسية فى السبعينات عن كتاب -المبتسرون- لأروى صالح
المقال كاملا على: http://www.ahewar.org/debat/show.art....
المقال التالي هو جزء من تعقيب لشريف يونس بعنوان: الحلم والواقع حول أيديولوجية الحركة الطلابية الماركسية فى السبعينات عن كتاب -المبتسرون- لأروى صالح
إن التخلص من كيتش المسيرة الكبرى اليسارى والكيتش الأخلاقى المرتبط به يمكن أن يمنحنا رؤية أبسط وأكثر واقعية للمشكلات الأخلاقية . فبدلا من إدانة الأنانية بمفاهيم النقد الرومانتيكى ، يمكن - على العكس - أن نقرر أن أى تصور أرقى لعلاقات تقوم على المسئولية الشخصية المتبادلة تفترض أصلا تكوين أفراد مسئولين عن علاقتهم بأنفسهم أولا ، أى أنانيين بالمعنى البرجوازى . وبعد ذلك فحسب يمكن أن ننطلق إلى تصور علاقات تقوم على مبدأ الندية ، بمعنى الدعم المتبادل ، ومسئولية كل فرد عن نفسه ، وبالتالى عدم الاعتماد على تصورات مثالية مفترضة لأخلاق جماعية أو فردية ما ، تضمن لنا تلقائيا مسئولية أخلاقية للآخرين عنا . ولا يعنى مبدأ الندية هنا أسطورة التساوى المطلق ، وإنما - على العكس - قبول واقع ميل العلاقة لصالح طرف ما فى ظرف معين ، وللطرف الآخر فى ظرف مختلف ، وفقا لقدرات وتكوين هذين الشخصين .
ومع ذلك ، وأيا كان النموذج الذى نفضله ، فإنه يظل مجرد نموذج ، أى أدوات لمحاكمة الأفراد لبعضهم البعض من خلال افتراض قوالب معينة للسلوك . فى حين أن كل فردية تنطوى بالضرورة على إمكانيات الخداع ؛ خداع الناس ، بل وخداع النفس . ومن هنا فإن المرء الذى لا يسجن نفسه بعزم وإصرار وجهود متواصلة فى عقيدة أخلاقية بعينها سيتاح له من حين لآخر أن يعيد اكتشاف نفسه والآخرين فى ضوء مختلف وفقا لخبرات واقعية ، إذا استطاع أن يحرر خبراته ، ولو جزئيا ، من الأحكام الأخلاقية المسبقة . وأعتقد أن هذا الموقف أكثر إيجابية أخلاقيا من وضع معيار فوقى - رومانسى أو غيره - لمحاكمة الآخرين بمنطق متعالٍ ..
واتساقا مع هذا يمكن النظر لكل فعل أخلاقى على أنه فعل متبادل بالضرورة، بمعنى أن مسئوليته يتحملها طرفاه بشكل أو بآخر . فإذا كان المغفلون يستحقون أن يمتطيهم الأفاقون (بتعبير أروى - ص57) ، فإن المرأة التى تدخل - مثلا - ضمن مسئولية رجل يطوِّر العلاقة حتى حدود الفراش ثم يتخلى عن مشاركتها فى العواقب الاجتماعية المترتبة على ذلك ، كاشفا عن وجه شرقى كان غائبا قبل ذلك .. تشاركه المسئولية بالقبول الضمنى أو حتى بالغفلة أو إيهام نفسها بقدرتها على تغيير الأوضاع بوسائل “سحرية” . وفى مقابل نموذج المثقف الذى يطرى “النصف الأعلى” للمرأة ليصل إلى “نصفها الأسفل” ، يوجد أيضا نموذج المرأة التى تسعى لرفع قيمة “نصفها الأسفل” عن طريق اكتساب مظهر الثقافة أو النضال ، ونموذج المرأة التى تفخر بالارتباط الحر أو غير الحر بالنجوم عوضا عن تطوير قدراتها الذاتية وتحمل مسئولية ذاتها .. وغير ذلك من النماذج الكاشفة لمبدأ المسئولية الشخصية والمتبادلة .
وبصفة عامة فإن كل شخص مسئول عن اختياراته ؛ فالفتاة التى تسلم رأسها وجسمها فى جلسة على كوب شاى مع مناضل - كما تذكر أروى - ليس من المنطقى اعتبارها ضحية لمجرد أنها لم تنل مكاسب مادية ، فبقدر ما أنها كانت مدفوعة بطموح ما ، ونموذج ما ، ومطالب ما ، حتى ولو كانت طموحات الالتحاق بالكيتش والوصول بسرعة للمكانة المرتفعة لمسلماته .. يمكن القول بأنها شاركت باختيارها فى المصير العام الذى اقتسمه أنصار الكيتش .. فليست الثروة هى الإغراء الوحيد فى عالمنا المعاصر .
بل أن المشكلة التى تواجهها الأطروحات الأخلاقية النموذجية أعقد من ذلك .. فملكات البشر عموما متداخلة لا يمكن عزل كل منها على حدة ، كما تطالب التصورات الأخلاقية المتشددة فى تفريقها المتشدد بين ما هو “عالٍ” وما هو “سافل” .. فلا يمكن مثلا عزل “نصفى” المرأة أو الرجل على السواء عن بعضهما البعض ، ولا الحد من تأثيرهما المتبادل والمتآذر على الآخرين . ولا تتوقف مسألة التداخل على هذين النصفين فحسب ، وإنما تمتد أيضا إلى الثروة والمكانة الاجتماعية والحيوية والذكاء الاجتماعى .. الخ .. فلا يوجد حد فاصل بين أى قدرة أو وضع للفرد وبين باقى أوضاعه وقدراته ، اللهم إلا من وجهة نظر تطهرية بالغة الحدة ، ترفع قيمة معينة كمعيار يفوق كل القيم ، وتقيم المحاكمة على أساسها ، وترفض كل تداخل واقعى .
جزء من مقال لشريف يونس بعنوان: الحلم والواقع حول أيديولوجية الحركة الطلابية الماركسية فى السبعينات عن كتاب -المبتسرون- لأروى صالح
المقال كاملا على: http://www.ahewar.org/debat/show.art....
Published on August 22, 2014 11:15
No comments have been added yet.


