التغريد خارج السرب !


عشرة آلاف تغريدة لي (تقريباً) منذ بدأت رحلتي مع تويتر. كنت قد تعرفت على تويتر عام 2009، ولكني لم أستسغه -أو لم أفهمه- في ذلك الوقت حيث كان الفيسبوك في أوج إنتشاره، وإبهاره بالنسبة لي. لذلك شكّل العام 2011 البداية الحقيقية لي مع تويتر. لن أتعمق هنا في خصائص هذا الوسيلة، ولا دورها-هي والفيسبوك- في نجاح ثورات الربيع العربي؛ بل سأتكلم عن تجربتي الشخصية معه، وعن أنواع المغردين الذين صادفتهم فيه.
إن أحد أهم التحديات التي أواجهها في تويتر هو إكمال جملة مفيدة في تغريدة واحدة، دون الحاجة لكتابة الفكرة أو الخبر في أكثر من تغريدة (فتويتر لا يسمح بأكثر من 140 رمزاً في التغريدة الواحدة). هذا الأمر يضطرني في أحايين كثيرة أن أستخدم "المنجل" لأمشّط رقاب الفواصل والنقاط، أو أقوم "بتطهير" التغريدة من أزلام القواعد اللغوية المعروفة. كذلك فإن الدخول في نقاش طويل حول موضوع ما يعتبر من أكثر الأمور إرهاقاً في تويتر، فبعض المغردين يتعاملون مع تويتر مثلما كانوا يتعاملون مع غرف الـchat في ياهو ومكتوب. إن المساحة المحدودة للكتابة في تويتر، مع فارق السرعة في الإنترنت، إلى جانب عدد التغريدات التي يراها الشخص في الـTimeline (والتي تعتمد على عدد الذين يتابعهم)؛ كل ذلك يجعل من الحوار على تويتر مرهقاً وغير ذي جدوى.
المغردون في تويتر أنواع. هناك من يتعامل مع تويتر بشكل جدي، فيقوم بنشر ما يصله من أخبار وكأنه صحفي مستقل أو مراسل، حيث يقوم بعضهم باستخدام هواتفهم في تصوير أحداث ما ونقلها للعالم، الأمر الذي كان له تأثير كبير في الربيع العربي. هناك نوع آخر من المغردين يقدمون أنفسهم في صورة منظرين !. عندما نقوم بالتدقيق في تغريدات هؤلاء نجدها جمل مبسترة تحمل دائماً كلمات من نوع "لابد" و "يجب" و "من الضروري". هذا النوع أتحاشى التعقيب على ما يقوله أو الدخول معه في حوار، لأنه عادة من النوع الذي لديه "أنا عُليا"، ومستعد أن يدافع عن أفكاره لساعات. غير أن هذا النوع -وللأمانة- يبدو على قدر جيد من التعليم، ولا يلجأ مطلقاً للسب أو إستخدام الجمل البذيئة حتي لو اختلفت معه بشدة. هناك أيضاً النوع الذي يحاول أن يثبت لنا أن الملائكة يعيشون بيننا، فكل تغريداتهم ملمعة ومصقولة ومرتبة بشكل يجعلك تشعر وأنت تقرؤها بأنك وحش. وكمثال على ما يكتبونه نقرأ:"صباح مشرق مليء بالطاقة والعنفوان، هناك الكثير من الأمور الرائعة في انتظاري لأنجزها هذا الأسبوع"، وبعد أسبوع نجد :"أسبوع رائع مليء بالحيوية والعمل. أحمد الله أني شاركت في جعل حياة البعض أفضل" !!. أعترف بأني لا أحتمل هذا النوع من المغردين، وأشكر تويتر على إيجادهم لزر Block. هناك النوع الساخر الذي لا يكترث بأحد أو بشيء، ويعتبر تويتر وسيلة للترفيه والتنفيس. مع أنني أجد ما يكتبه هؤلاء أحياناً غريباً أو غير مقبول؛ إلا أنني أحترم فيهم تعاملهم على سجيتهم دون تمثيل أو تلميع. لكن هناك نوعين من المغردين لا أطيقهما إطلاقاً، ولا أضيع وقتي في متابعتهم ولا أسمح لهم بمتابعتي. النوع الأول هو الذي يتعامل مع التغريد وكأنه في طابور مدرسة إبتدائية، فكل ما يُكتب ويعتبره ذلك المغرّد-أو المغردة- مخالفاً "للأخلاق العامة" أو "غير لائق"؛ يقوم بتوقيفه بل وتوبيخه في أحيان كثيرة. هؤلاء يثبتون أنهم لا يفهمون المغزى من تويتر كوسيلة تواصل مفتوحة يكتب فيها أناس ذوي خلفيات مادية وثقافية واجتماعية مختلفة جداً، وبالتالي فإن محاولة فرض الرقابة الفكرية أو الأخلاقية على المغردين يعتبر نوعاً من العبث أو محاربة طواحين الهواء. لكن ما يستفزني في هؤلاء ليس هذا الجهل بمغزى وهدف تويتر؛ بل اعتبار أنفسهم في مرتبة أخلاقية أعلى من المغردين، وبالتالي استخدام ذلك في فرض وصاية على أفكار الناس وتعبيرهم عن أنفسهم. النوع الثاني هو الذي يستخدم الأسماء المستعارة في التهجم على الآخرين، وسبّهم، أو حتى تهديدهم. أتفهم -وأحترم- لجوء البعض لإستخدام الأسماء المستعارة في تويتر وفيسبوك، فمعظهم من الذين لا يمكلون الشجاعة الأدبية لطرح أفكارهم. لكن النوع الذي أتحدث عنه هو نوع خسيس وجبان يستخدم "حجاب" الأسماء للتهجم على الآخرين، والنيل منهم، وشتمهم، وهو الأمر الذي تعرضت له أكثر من مرة. المشكلة أنك حتى لو حاولت أن تضبط نفسك وتتفادى الرد؛ تجد أنهم استمروا في ذلك، ولو قررت الرد تجد أنك بالفعل تتخاطب مع أشباح. مرة أخرى أشكر تويتر على زر الـBlock
 إذا ما قمنا باستثناء الأنواع المذكورة آنفاً، وكذلك بعض الذين يستخدمون تويتر في الإعلان عن مواعيد أكلهم وشربهم ونومهم؛ فإن معظم المغردين الليبيين يتميزون بثلاثة أشياء: أولاً إجادتهم للغة الإنجليزية، ثانياً تميزهم بقدر مهم من الثقافة، وثالثاً إنفتاحهم على العالم، مع حملهم لأفكار متحررة حيث أن الكثير منهم وُلد أو عاش في إحدى الدول الغربية. كما أن الشيء المؤكد بالنسبة لهؤلاء هو حبهم لليبيا، ورغبتهم في أن يروها في مصاف الدول المتقدمة المبنية على أسس القانون واحترام حقوق الإنسان. للأسف مع أن هؤلاء غالبية في تويتر؛ إلا أنهم أقلية مقارنة بعدد الذي يستخدمون الفيسبوك، ومع على المرء سوى أن يزور إحدى الصفحات الليبية الكبيرة في الفيسبوك ويقرأ التعليقات؛ حتى يدرك أن هؤلاء المغردين هم أقلية "مجهرية" من المغردين خارج السرب !.        
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 17, 2012 12:02
No comments have been added yet.


عبدالدائم اكواص's Blog

عبدالدائم اكواص
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبدالدائم اكواص's blog with rss.