حكاية السيد لام.. فلسفة مُعدّلة

لكل من قرأ "حكايات أخرى للغرباء"
تم تعديل جزء كبير من القصص

وبالنسبة ل"حكاية السيد لام" فقد تم إدخال بعض التعديلات لتتناسب مع فلسفة السيد لام.

للقراءة على المدونة:
http://mohamed-elshawaf.blogspot.com/...


حِكَايةُ السَّيِّدْ لام
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بطاقة هوية
الاسم: لام ...
السن: كل يوم هو دهر
المهنة: صانع أحلام
مقر الإقامة: الحجرة السفلية
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
مُنذُ أعوامٍ اشتَرَى السّيِد لامْ مِنْ مَتْجَرٍ ما، بِصُعوبَةٍ شَديدةٍ يَتَذكّرُ مَلامِحَهُ، مِصباحاً بمقبضٍ أَسْودٍ، وَضَعَهُ بِجِوارِ وَسَادَتِهِ البَاليةِ المُبَقّعةِ، وظلَّ نَائِماً عَلى السّريرِ حتّى يَوْمِنا هَذا.. يَقولُ دَوْماً لِنَفسِهِ: "أنا سَعيدٌ لأَنَّ لدىَّ عَتادَ وَحْدَتى الطّويلةِ، لستُ بحاجةٍ إلى أَحَدِهمْ" ولَمْ يَكُنْ عَتادَهُ فى هذا المِصْباحِ وَحَسبْ، بَلْ أَيضاً كانَ هُناكَ كِتابٌ يَقْرَأهُ كُلّما انتَهَى مِنْهُ، وَليُضْفِى بَعضَ الجِدِّ والصِّدقِ عَلى نفسهِ كانَ يَضحَكُ فى الأجَزاءِ التى تُثيرُ الضَّحِكَ كُلّ مَرَّةٍ كَأنَّهُ يَقْرَأُها لأوّلِ مَرّةٍ، لَكِنّ هُناكَ جُزء واحِد فَقَطْ هُوَ مَا جَعَلهُ يَضْحَكُ مِنْ أَعْمَاقِ قَلبهِ، ولايُثيرُ لدَيْهِ المَللَ أبَداً، وَهَذا الجُزْءُ مُتَمَثلٌ فِى عِبَارَةٍ كانَ يَقولُها شَيْخٌ عَجُوزٌ لابْنهِ: "يا بُنَى، احْتَمِلْ قَسْوَةَ الحَيَاةِ، فَهىَ أَتفَهُ مِنْ أَنْ تُعيرَها انتِباهَكَ"، كَانَ يَضْحَكُ لِنَفْسِهِ كُلمَا قَرَأَهَا حَتّى تَدْمَع عَيْنَاه، عَلَى رَغْمِ أَنّ تَعَابيرَ وَجْهَهُ كَانتْ تُوحِى أَنَّهُ عَلَى وَشَكِ البُكَاءِ، وَكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: "لِمَاذا أَحْتَمِلُ حَياةً تافِهَة!"، وَكَانَ لَدَيْهِ أَيضَاً، ضِمْنَ عَتَادِ وَحْدَتِهِ، قَلَمٌ يَكْتُب بِهِ مُلاحَظاتِهِ عَلَى مَا يَقْرَأه فى الكِتابِ، ولأنَّ الكِتابَ امْتَلأَ بِالهوامِش وَلمْ يَعُدْ يوجَدُ أَىُّ مِساحةٍ إِضافِيةٍ لِكتابةِ المَزيد، فَقَدْ كَتَبَ السيِّد لام مُلاحَظاتَه الإِضافية عَلى جُدرانِ الحُجرةِ حَتّى امْتقعَ لَونُها إِلى اللّونِ الأسْوَدِ، وَلمْ يَعُد هُناكَ سوى مِساحةٍ صَغيرةٍ تَكْفى بِالكادِ لِجُملةٍ أوْ اثنتين، فَفَكّرَ بِكِتابةِ مُلاحَظاتِهِ الإِضافيةِ عَلى سَقْفِ الحُجْرةِ، لَكِن عَدَمْ وجودِ سُلّمٍ حالَ دُونَ ذَلك.
أَمّا فَلْسَفَته، والّتى صَاغَها غَالِباً قَبْل اشْتِراءِ المِصْباحِ بِفَترةٍ قَصيرةٍ، فَهِىَ مُتَمَثّلةٌ فِى عِبارَتِهِ المُفَضّلةِ: "إِنّ أفضَلَ عِلاقةٍ بَيْنَ اثْنين هِىَ ألاَّ يَعْرِفا بَعْضِهِمَا" وَعَلى أَساسِ تِلْكَ الحِكْمَةِ كانَ يَرفُض أَىَّ زِيارةٍ لَهُ مِنْ الخارِج، حَتّى أَنَّ أَحَدَهُم طَرَقَ نَافِذَتَهِ ذاتِ مَرَّةٍ، وَقَالَ: أَيُّها الرَّجُل، افْتَحْ لِى قَلْبَك قَبْلَ نَافِذَتِكْ، سَأَكونُ صَديقَك.. لَكنّ السيّد لام زَجَرَهُ قَائِلاً: ابْتَعِد مِنْ هُنا وَلا تَأْتِى مَرَّةً أُخرَى. لَكنّ الرَّجُل رَدّ عَليْهِ بِاسْتِهْجانٍ مَمْزوجٍ بِسُخْرِيةٍ: حَسَناً يا صَديقِى، سَأَبْتعِدْ، لَكِنْ اعْلَم أَنَّهُ لَنْ يَأْتيكَ أَحَدٌ غَيرِى يَعْرِضُ عَلَيكَ صَدَاقَتَهُ المجّانيةَ، واعْلَم أَنَّهُ سَنَقُومُ بِإزالةِ هَذِهِ الحُجْرةِ القَديمَةِ. ثُمَّ ابْتَعَدَ مَعَ ضَحَكَاتِهِ حَتّى حَلَّ صَمْتُ الجُدرانِ الأَربَعَةِ.. لامَ السَّيِّد لامْ نَفْسَهُ وَقالَ: لَقَدْ تَمَّ التَعارُف بَينا بَعدَ أَنْ أَجبتَ سُؤالَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلىّ فِعْلَ ذَلِكَ.. حَزِنَ حُزناً شَديداً فى تِلْكَ اللّيلةِ، وكانَ يَلومُ نَفسَهُ دَوْماً بِأنَّهُ لَطالَما عَرِفَ الحِكْمَةَ كانَ عَليهِ أَلاَّ يَرُدّ عليهِ سؤالَهُ، وتعلّمَ شَيئاً مُهماً آَخَرَ وَهُوَ أَنَّ صَوْتَ الإِنْسانِ طَريقتُه المُثلَى لِنَصْبِ المَكائِدْ بِالآَخَرين، وَقَرَّرَ أَنْ يَقْطَعَ لِسانَه..
وفى صَبيحةِ اليَومِ التّالى أَخْرَجَ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الوِسادَةِ بَعدَما تَذَكَّرَ الوَعْدَ الّذى قَطَعَهُ عَلى نَفْسِهِ فى اللَّيلةِ الماضِيةِ، حَتّى أَنَّهُ رَأَى حُلْماً غَريباً؛ حَلَمَ أَنَّهُ كَانَ فِى حَرْبٍ قَديمةٍ لا يَعْرِفُ مَنْ يُحارِبُ فيها، وَكَانَ هُوَ الجُنْدىُّ الوَحيدُ الحاسِرُ دونَ سِلاحٍ، وَفَجْأة أَشْهَرَ كُلُّ الجُنودِ سُيوفَهُم ورِماحَهُم وقَتَلوا أَنْفُسَهُم وَسَقَطوا جَميعاً تَحْتَ قَدَمِ السيدْ لام، سَارَ نَحْوَ المَلِك وَوَجَدَهُ يَلْفَظُ أَنْفَاسَهُ الأَخيرَةَ وَبَريقَ تاجِه يَلْمَعُ فى عَيْنَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ عَلى رَأْسِهِ، وَصَارَ مَلِكاً عَلى شَعْبٍ مِنَ القَتلَى والجُثَثَ.. وَانْتَهى حُلمُهُ.. فَلَمّا هَمّ بِقَطْعِ لِسَانِهِ، تَذكّر آَخَرَ مَشْهَدٍ فى الحُلْمِ (مَلِكٌ عَلى شَعْبٍ مِنَ القَتلَى والجُثَثَ) وَأَحَسَّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِنَفسِ المَصيرِ، عَلى رَغْمِ أَنَّ الحُلْمَ لَمْ يَكُنْ واضِحاً إِلى هَذا الحَدِّ؛ فَقَد كانَ هُوَ الوَحيدُ الحَىّ وَسَط القَتلى وَكَانَ مَلِكاً كَذلِك، ثُمَّ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَسَيَكُون الوَحيدُ الأَخرَسُ وَسَط المُتكلِّمين، وَعِرِفَ حِكْمَةَ الحُلْمِ: أَنَّهُ فِى الحَالَتَينِ وَحيدٌ!
أَلْقَى السيد لام المُوسَى، بَعْدَما تَأَكَدَ لَدَيْهِ عَدَم جَدْوَى قَطْعِ لِسانِه.. وَبَدَأَ بِقِراءةِ كِتابِهِ الذى أَنْهاه بِالأمسِ. لَمْ يَضْحَكْ، وَبَكَى عِنْدَما قَرَأَ: "يا بُنَىّ، احْتمِلْ قَسْوةَ الحَياةِ، فَهِىَ أَتْفَهُ مِنْ أَنْ تُعيرَها انْتباهَكْ".
(2)
ذات يومٍ سَمِعَ طنينَ ذُبابةٍ تَدورُ حَوْلَ رَأْسِهِ حَتى تَوقَّفت عَلى إِحْدى وَجْنَتَيهِ، حَاولَ ذبِّها عَنْهُ لكنّ بُرودَةِ الجوِّ وَظُلمةِ الحُجرَةِ أَثْقلا جَناحَيْها، وَلْمْ تَأْبهْ لِكفِّه العِمْلاقِ الذى يَبْطِشُ بِها، استَسْلَمَ لَها السيد لام وَوَضَعَها عَلى كَفِّهِ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُها فى ضَوءِ المِصْباحِ الباهِتِ الذى بَدَتْ فيهِ الذُّبابةُ مَسْرُورةٌ، حَتى أَنَّها أَخَذَتْ تَتَحَرَّك وَتدورُ حَوْلَ نَفْسِها فِى بُقْعَةِ الضَّوءِ، وَلِسَبَبٍ ما شَعُرَ أَنَّها مِثْلَهُ، وأَنَّهُما يُحارِبانِ الطَّبيعةَ؛ هِىَ تُحارِبُ الظُّلمةَ، وَهُوَ يُحارِبٌ نَفْسَهُ.
التَقَطَ السيد لام قِطْعةً صَغيرةً مِنَ السُّكَّرِ مِنْ عَلى الأَرْضِ بِجِوارِ السَّريرِ، وَوَضَعَها عَلى كَفِّهِ، اقْترَبَتْ مِنْها الذُّبابةُ وَوَقَفَتْ عَلَيْها وَأَخَذَتْ تَتَنَاوَلَها بِفَمِها الذى يُشْبِهُ خُرْطومَ فِيلٍ، ابْتسَمَ لَها السّيد لام، وَاحْتَرَمَ فيها صَمْتَها وَهُدوءَها، ثُمَّ صَارا صَدِيقَيْنِ..
وَبَعْدَ أُسْبوعٍ لاحَظَ السّيد لام زِيادةَ حَجْمِ الذُّبابةِ إِلى الضِّعْفينِ تَقْريباً حَتّى صَارَت فى حَجْمِ عُقْلَةِ إِصْبَعٍ، واستَطاعَ أَنْ يُمَيِّزَ عَيْنَيها بِسُهُولَةِ، كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيهِ بِجُمودٍ، لَمْ يَكُنْ يَسْتريحَ لِنَظَراتِها التى تَشى بِشَرٍّ مُضمَرٍ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَلَّ يَحْتَرِمُ فيها هُدوءَها، وَتَأَكَّد لَدَيْهِ مَعَ مُرُورِ الوَقتِ أَنَّ نَظَراتها الجَامِدةِ تِلكَ ما هِىَ إلاَّ طَبيعَتِها التى لاَ دَخْلَ لَها فِيها، وَأَنَّ الشَّرَّ المُضْمَرَ الذِى ظَنَّهُ فيها، ما هُوَ إِلاَّ وَهْم أَضفَتْهُ عَليها تِلكَ الطبيعةُ، وَأَنَّها أَبْعَدُ مِمَّا يَتَخَيَّلُ عَنْ التكلُّفِ والافْتِعالِ مِمَّا يُنسَبُ دَائِماً إِلى البَشَرِ، وَتَوَطَّدَت عِلاقَتُهُ بِها، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْها وَهِىَ تَتَنَاوَلُ السُّكّرَ بِفَمِها، وَكَان يُخْبِرُها دائماً أَنَّها لَوْ كَانتْ تَعَرَّفَتْ عَلى ذُبابٍ مِثْلُها لَكَانَتْ تَقِفُ الآنَ عَلى أَكْياسِ القِمامةِ بَدلاً مِنَ السُّكَّرِ وَمَا زَادَ حَجْمُها نَتيجَة هَذِهِ الرَّفاهِية، وَكَانَتْ الذُّبابةُ تَسْتَمِرُّ فِى تَنَاوُلِ السُّكَّرِ..
وَفِى يَومٍ سَمِعَ صَخَبًا وَجَمْهَرَةً مِنَ النَّاسِ عَلى مَبْعَدَةٍ مِنْ حُجْرَتِهِ السُّفْلِيَّةِ، لَمْ يَهْتَمْ لَها فِى بَادِيءِ الأَمْرِ كَعَادَتِهِ، لَكِنَّهُ أَحَسّ بِزَلْزَلَةٍ فِى الحُجْرةِ، ثُمَّ فَجْأةٍ انْهارَ حَائطَ الحُجْرةِ المُواجِه للشّارعِ، مِنْ حُسْنِ حَظِّهِ أَنَّهُ كانَ بَعيداً عَنْهُ، وَكَانَتْ تِلْكَ الآلةُ العِملاقةُ تُحاولُ هَدْمَ الحُجْرةِ، لَكِنَّهُم تَوَقَّفُوا عِندَما رَأَوه مُتَكَوِّمٌ عِنْدَ الجَدارِ المُقَابِلِ وظلُّوا يَنْظُروا إِليْهِ وإِلى الذُّبابةِ العِمْلاقَةِ المُلتَصِقةِ عَلى إِحْدى وَجْنَتيهِ كشامةٍ ضخمة، وَفِى يَدِهِ اليُمْنَى المِصْباحُ الذى يُضِيئُهُ لِتَنَام الذُّبابةِ عَلى بُقْعَةِ ضَوْءِهِ الباهِت، وَفِى اليَدِ الأُخْرى الكِتابُ، وَظَلَّ هُوَ سَاكِناً، وَأَخَذُوا يَتَأَمَّلوا الكِتاباتِ التى امْتَلأتْ بِها جُدرانِ الحُجْرةِ، والّتى لَمْ تَكُنْ فِى الحَقيقةِ غَيْر رَسْمِ وَجْهٍ دائِرِىّ بِلا أَنْفٍ أَوْ عَينين بِفَمٍ مُقَوَّسٍ باسِمٍ، وحول هذا الوجه حروف صغيرة متشابكة لم يتمكنوا من تمييزها، كَانت جُدرانِ الحُجْرةِ مُمْتَلئةً بِنَفْسِ هَذا الرَّسم. قَرَّروا التَّوقُّفَ عَنْ هَدْمِ البيتِ وَتَراجَعُوا، بَيْنَما طَارَت عَنْهُ الذُّبابةُ وَابْتَعَدَتْ مُتَثاقِلَةً إِلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ فِى الخَارِجِ، فَلَوَّحَ إِليْها بِأَصَابِعِهِ المُنْهَكَةِ المرتعشة التى بِالكادِ اسْتَطاعَ أَنْ يَرْفَعَها، لَكِنَّ الذُّبابةِ اخْتفَتْ، عَلِمَ أَنَّها وَجَدَتْ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ فغفر لها، وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْ وَجَدَ هُوَ الآخَرُ ما يَبْحَثُ عَنْهُ أَمْ لا! وَاكتَشَفَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ شَيءٍ بَعْدِما قَارَنَ نَفْسَهُ بِالذُبابَةِ. نَظَرَ مليّاً إلى ضَوءِ الشمسِ فى الخارجِ، ولسبب ما فكّر أن أحدهم أشفق على البشر وسلّط عليهم ضوء الشمس ليعيشوا فى سعادة، ثم تحسس مصباحه برفق..
* * * * *


 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on August 19, 2013 05:10 Tags: قصة-قصيرة
No comments have been added yet.