أسئلة الذات في رواية "عائشة" لبثينة العيسى

أسئلة الذات في رواية "عائشة" لبثينة العيسى
مقال بقلم: د.علياء الداية


في روايتها الجديدة "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" ـ 2012 الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت ـ تفتح الكاتبة الكويتية بثينة العيسى للقارئ آفاقاً مختلفة عمّا ألِفه في رواياتها السابقة، فلا بدّ له هنا من التيقّظ المستمر على مدار الأيام السبعة التي تتهيأ فيها عائشة بطلة الرواية لما ينتظرها، أو لما تتخيل أنه ينتظرها. ويبقى أسير التفكير في سرّ هذه المرأة التي يبدو ظاهرياً أنها تنساق وراء ألمها وحزنها على صغيرها الراحل، ولكنها في واقع الأمر تقاوم بحيلة اسمها الأسطورة، وتحديداً قراءة الأسطورة: "أنا ربة البيت المملّة التي تمضي يومها كله في قراءة نصوص عمرها 3500سنة؟ نعم أنا... وإذا لم يكن العالم مستعداً لسماعي، فهذه مشكلته، ولكن بالنسبة لي، سأكتبُ على أي حال، سأكتب أشياء لن يقرأها أحد."

تتفق رواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" مع أغلب إبداعات بثينة العيسى، على صعيد العنوان الذي يدلّ على المرأة "عائشة"ـ "قيس وليلى والذئب" ـ "تحت أقدام الأمهات" ـ "عروس المطر"، وبالإضافة إلى ذلك فإن روايتين أخريين للكاتبة هما "سُعار" و"ارتطام لم يسمع له دوي" تؤدي فيهما المرأة أدواراً أساسية فاعلة. وتمتاز هذه الرواية "عائشة" بأن المرأة تستأثر بالبطولة المركزية أما باقي الشخصيات فتحلّق في فلكها. ومن الواضح أن عائشة لا تتأثر إيجابياً بأي من الأشخاص المقربين الذين يحاولون مساعدتها على تخطي واقعها الأليم فعلاً بالنسبة إليهم، ولكنه محبَّب إليها وتعتبره طقساً يقربها من ابنها الراحل.

يسعى سرد الرواية منذ البداية إلى التعريف بالوضع الذي تحياه عائشة. ومع الصفحات الأولى يقدّم ضمير المتكلم ـ التقنية المستمرة على مدار الرواية ـ تقريراً بما جرى لابنها وكيف فقدته "في الثامن عشر من إبريل للعام 2007، توفي عبد العزيز، ولدي الوحيد، عن عمر يناهز الخامسة والنصف، بفعل حادث سيارة، وهو يقف في وسط الشارع ويحاول التقاط لُعَبه". فلا يكلف القارئ عناءَ التكهن بحالها، بل إن الأحداث المهمة تُروى في البداية لتشرح ما جرى لعائشة بعد حادثة فقدان الابن؛ إنها لا تموت، ولكن حالتها النفسية السيئة تؤدّي بها إلى ما يشبه محاولة الانتحار: "لقد متّ، منذ وفاة ولدي، ثلاث مرات، وعدتُ ثلاث مرات أيضاً، وكانت ميتاتي تتزامن مع ذكرى وفاته، في الثامن عشر من إبريل للأعوام 2008 و2009 و2010. ذكرى وفاة ولدي تحين بعد أسبوع، وستحين معها ميتتي الرابعة التي أظنها الأخيرة." وهكذا فإن ما يلي من الصفحات يأخذ شيئاً فشيئاً بكشف الماضي وحوادثه وذكرياته حتى تفاصيله الصغيرة المنقوشة في ذهن عائشة ضمن تيار الوعي الذي لا يُغفل شيئاً من الأحداث ومن تصورات عائشة عن نفسها وعن الآخرين.

علاقة مضطربة
علاقة عائشة بالآخرين مضطربة، ويبدو أنها لم تكن تعي أن علاقتها بنفسها مضطربة أولاً. وأن هذا سبّب فراغها وعدم قدرتها على تقبل الفرح أو تصوّر الهناء فيما يحيط بها. تركّز عائشة في يومياتها التي تكتبها على تصوير تعاستها وشعورها بالإحباط من المجتمع، ولكنها لا تبيّن أسباب ذلك، لا تقارن المجتمع مثلاً بمجتمعات أخرى ولا تتصور خيارات مفضلة للحياة. بل تكتفي بمحاولة البحث عن حلّ لدى طبيب نفساني، وتسعى لاحقاً إلى قراءة التراث والأساطير القديمة لعلّها تجد سرّ الحياة.

تحفل روايات بثينة العيسى بفكرة الفقدان ـ الهاجس الشاغل للشخصية الروائية، ففي "عروس المطر" تتعايش أسماء مع فكرة فقدان أخيها أسامة بطريقة مبتكرة هي تخيُّل وجوده إلى جانبها وإيهام القارئ بذلك حتى النهاية، وهي تواصل حياتها الاجتماعية بشكل طبيعي مع الجيران وفي المدرسة والمجتمع بشكل عام. وفي روايتها "تحت أقدام الأمهات" ثمة ربّ أسرة راحل تترك وفاته أثراً في نساء البيت وتجعل من ابنه شخصية مدللة لدى الجميع، لترصد الرواية من خلاله سلوك باقي النساء ودورهن في المجتمع. إن المجتمع حاضر بقوة في روايات بثينة العيسى مع إشارات زمنية أو قضايا وملامح تاريخية، كقضية البدون والسفر خارج الكويت في "ارتطام لم يُسمع له دوي" وحرب أفغانستان وحرب الخليج الثانية في "تحت أقدام الأمهات"، ومناقشة قضايا المرأة والمجتمع في "سُعار" و"عروس المطر".

أما هنا في رواية "عائشة" فثمة حدث خارجي معاصر وحيد يدل على الزمن الواقعي المباشر الذي يمكن قياسه بوصفه معرفة مشتركة بينها وبين المتلقي ولكن بشكل عابر، إنه التزامن مع الثورات العربية: "تمددتُ في السيارة، في الكرسي الخلفي. مريم تجلس في المقعد الأمامي، الظهيرة قريبة والشمس حارّة، فتحنا مكيف الهواء، استأذنَت مريم بأن نستمع إلى أخبار الثورات العربية على الـ"بي بي سي" قلت لها لا أستطيع." وفيما عدا ذلك فإن الرواية تركز على سرد الذات واسترجاع الماضي، وتسعى إلى تكثيف شعور عائشة بوجودها من خلال ترك المجتمع وما حولها جانباً، واللجوء إلى الماضي السحيق الموغل؛ إلى الأسطورة وتحديداً أسطورة إنانا السومرية أو عشتار البابلية.

تحيطنا عائشة علماً بأنها قرأت الكثير من الكتب التي تتحدث عن الموت، وتبحث في تجربته وآثاره النفسية. وهي مع اقترابها من تاريخ وفاة ابنها الذي يتكرر معه كل عام تعرضها لتجربة الموت، تعتقد أنها على وشك التعرض للموت هذه المرة أيضاً، وتقرر أن تتهيأ له، وتفكر أن أفضل طريقة لقضاء ما بقي من أيام ثمانية هي الكتابة، تدوين يومياتها.

إن ما يحصل عملياً هو أن علاقة عائشة بإنانا تشبه علاقة الزيت بالماء، كل منهما مستقلة بنفسها غير قابلة للامتزاج مع الأخرى. ينتقل هذا الشعور من عائشة الراوية إلى المتلقي القارئ، وتندمج عائشة في تخيلاتها وفي تمثُّلها لمجريات الأسطورة، الطبقات السبع التي تجتازها إنانا إلى العالم الأسفل، والأيام السبعة التي تعيشها عائشة يوماً بعد يوم باتجاه قبول الحياة والاستمرار. المفارقة بين المتلقي وعائشة تكمن في أنها تظن نفسها ماضية إلى حتفها، ولا تكتشف إلا في اليوم الأخير أنها باتت أمام بوابة الخلاص؛ "فلأكف عن الكتابة إذن، وأذهب لتجربة العالم."

أما القارئ فهو يتقبل ألمها وحزنها الشديدين على فقدان ابنها في البداية على أنها أحاسيس مرهفة، ولكنه سرعان ما يكتشف في منتصف الرواية أنها مريضة وهشّة المقاومة وأنها تفتقد الرغبة في التواصل مع محيطها. فهي على سبيل المثال تتشاجر مع أختيها حين تتفجر غيرتهما وأحزانهما على خلفية رفضها باقة أزهار صفراء منهما زينتا بها منزلها. ويسهم الحوار بين الشخصيات الثلاث في تعميق المفارقة واسترجاع أحداث سابقة وأحوال في الوعي العميق للشخصيات داخل الأسرة الواحدة: "لن أسمح بأن تجعلي من نفسك ضحيةً الآن، لقد فقدتِ ولدك وقلوبنا تتمزق من أجلكِ، ولكنك مع ذلك حظيت بولد، لخمس سنوات، فهل فكّرت في ذلك لحظة؟ هل فكرت لمرة بأنك كنت أوفرنا حظاً؟/ ـ أنا؟/ ـ أنا لم أحظَ بنصف ولد حتى، عواشة، كل أطفالي يولدون أموات. واغرورقت عيناها بالدموع، فأردفت إسراء بصوت استعراضي جهور: وأنا لم يدم زواجي إلا شهرين، أقصد...57 يوماً! وأتبعتها بضحكة مجلجلة. ازدردت مريم ريقها وتابعت.../ ـ ومع ذلك تحتكرين كل الألم لنفسك، تتصرفين كما لو أنك وحدك تتألمين... وتمعنين في هجرنا، والآن وبعد أن أقحمنا أنفسنا عنوة في حياتك، مطالبين بحضور هو من حقنا أصلاً، نجدكِ تمعنين في انتقاد اختيارنا للأزهار!"

لعبة الحياة والموت
يرى المتلقي في النهاية أن عائشة نجحت في إحاطة نفسها بلعبة الحياة والموت، باستعارة دور البطولة من إنانا وارتدائه في ظروف مغايرة. حزنت إنانا على فقدان زوجها، لكنها صاحبة الإرادة الصلبة واثقة ومصممة على استعادته، وتدرك أنها تخوض مجالاً خطراً لكنها تمضي إليه لأنها تعشق فكرة التجربة والمغامرة حياةً وموتاً. أما عائشة فهي حزينة على فقدان ابنها، لكنها تنطوي على نفسها ولا تجرؤ على تخطي الأزمة، تهاجم زوجها "عدنان" بشراسة لأنه يقترح إنجاب طفل آخر بدلاً من "عزيز" المتوفى. "كان زبائن المطعم يحدقون فيّ وأنا أحرك إصبعي في وجه عدنان متوعدة وأردد "إياك! إياك!” ولكنه تابع متجاهلاً إصبعي، تهديدي، الوعيد في عيني، ونظرات الناس، وذعر مدير المطعم، وكؤوس الماء التي بدأت تتدافع من كل صوب، والأيادي الكثيرة الممتدة بالمناديل وسواها... ولكن الوقت قد حان يا عائشة، لكي نرغب بمستقبل، بحياة.../ ـ ولدٌ جديدٌ؟ ولد تعيس ومعلول جديد أزج به في هذه الحياة مرة ثانية، وكأننا ما أخطأنا في حق عزيز بما يكفي لكي نكرر الأمر في حق آخر؟"

عائشة تنزوي بعيداً عن الحياة، وتحاكم الماضي وتنظر إلى نفسها على أنها السبب في وفاة ابنها "عزيز" حين أهملته ففوجئت بأن السيارة صدمته فمات. كان من الممكن أن تتغير حياة عائشة وتتحسن علاقتها بنفسها وبابنها لو أنه بقي حياً، ولكن موته ضاعفَ ألمها، وجعلها تسكن دوامة من لوم الذات على كل شيء، فتتصور أن إهمالها سبب في مرضه الدائم، وأن كثرة تذمرها وتأففها انعكس على ابنها سلبياً. تقوم عائشة باسترجاع الماضي، سواء أكان الأسطورة الموغلة في القدم، أو الماضي القريب منذ بضع سنوات وما يتخللها من تجارب واحدة تلو الأخرى. وفي غمرة حزنها لا تتنبه عائشة إلى اتسامها بروح المبادرة الإيجابية حين قبلت أثناء حياة ابنها بالذهاب إلى طبيب نفساني، فمن المعروف أن المريض لا يتماثل للشفاء مباشرة، بل إنها في يومياتها تتخذ من هذه التجربة دليلاً على عجزها وضعف إمكانياتها في علاج نفسها تستعيد حوارها مع الطبيب: "أعرف بأن ما أقوله مشين ولكنني.../ ولكنك ماذا يا عائشة؟/ ولكنني أتمنى لو أنني لم أنجبه./ هل تحبين نفسك يا عائشة؟ وكان ذلك أغرب سؤال سمعته في حياتي."

تعتبر عائشة كتابة يومياتها محوراً لأيامها الثمانية، وما عدا ذلك كله هامشاً، الأمر الذي يفسر استجابتها الجزئية لدعوات أهلها بأن تغادر غرفتها. إن انفعالها مع كلام أخيها المتدين "معاذ" أخف من انفعالها السابق تجاه زوجها في المطعم، ومختلف في النتيجة، فبعد دقائق من تأملاتهما في الحياة والموت من منظور الوعظ الديني الذي يقدمه "معاذ" آملاً في منحها نظرة متفائلة ملتزمة تجاه الخالق واهب الحياة، تنخرط عائشة في بكاء طويل يائس ويبكي معها معاذ. "لقد فقدت طفلاً يا معاذ، فقدت طفلاً عمره خمس سنوات، مات أمام عيني، وكان يناديني "ماما" ولكنني كنت مليئة بالغضب والقرف من حياتي إلى درجة أنني لم أنتبه بأنه سيموت، وها قد مات... وأنا أتساءل ماذا منحته في حياته، وأي جدوى تحققت من كوني أمه."

الأم، والزوج عدنان، والأخ معاذ، والأختان، والطبيب النفساني، والمجتمع الذي خسرته عائشة بالتدريج على مدى أربع سنوات من الحزن، مرشّح للتجدد والحياة بحياة عائشة الجديدة التي تختارها، بعد أن سجّلت مخاوفها على الورق وكادت تتخلص منها، لتصبح الذكريات والابن "عزيز" و"إنانا" شيئاً من الماضي لا عودة إليه.

ـ نشر المقال في مجلة البيان ـ تصدر عن رابطة الأدباء في الكويت ـ عدد أيار / مايو 2013
عائشة تنزل إلى العالم السفلي by بثينة العيسى
7 likes ·   •  1 comment  •  flag
Share on Twitter
Published on June 27, 2013 17:32 Tags: بثينة-العيسى-عائشة-رواية
Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by بثينة (new)

بثينة العيسى أرفع لكِ القبعة يا مبدعة.


back to top

علياء الداية's Blog

علياء الداية
علياء الداية isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow علياء الداية's blog with rss.