لست عاثلا ولست مجنونا

الجزء الثاني من رواية ’’منذ’’ بعنوان ’’ لست عاقلا ولست مجنونا’’
عبد الوهاب الملوح


كنَّا أربعة. تفرَّقنا. خرج كلَّ واحدٍ من جهةٍ, والتقينا في المدخل الجنوبي للقرية ومنه أخذنا الطريق إلى جبل عرباطة. كانت الحرارة تزداد انخفاضا؛ عمَّ ضباب كثيف يكسو السماء وغطِّي الكون, فكادت الرُّؤية تنعدم ومن حين لآخر تهبُّ نسمة باردة تلسع لكأنها صفعة مفاجئة تنزل على الجسد مجنونة. كنَّا نحثُّ السير في اتجاه دار الرُّومية؛ كهف حجري تم بناؤه عند قمَّة الجبل الرابض في سكون آخر سلسلة الأطلس الجنوبي التي تشقُّ شمال أفريقيا من الريف بالمغرب الأقصى إلى تونس حيث تتفرَّع إلى جزأين: جزء شمالي ينتهي بالشعانبي وجزء جنوبي ينتهي بعرباطة ويصرُّ بعضهم على تسميته, أو رباطا لعلَّ لذلك علاقة بالآشوريين القدامى؛ وإلى وقت قريب اتخذ السكان المجاورين لهذا الجبل من كهوفه ومغاويره مأوى لهم من غدر الأعداء, يحتمون بها ويختفون فيها. أما نحن, فكنا ندس فيها أحلامنا, ونسرِّح نزواتنا, ونتحسَّس أولى علامات رجولتنا بين جدرانها الحجرية؛ هناك كانت بداياتنا مع الحياة المقدَّسة والمدنَّسة.
حين وصلنا دار الرومية(12), كان التعب قد أخذ منَّا ونال منا الصقيع؛ أشعلنا نارا وجلسنا حولها نطلب شيئا من الدفء؛ فاستعادت أجسامنا الصغيرة والهزيلة بعض حرارتها التي امتصها برد المرتفعات الصقيعي؛ شيئا فشيئا أخذ الدفء يسري تحت جلودنا واستعدنا الحيوية اللازمة لإعداد المجلس الملكي الذي تحمَّلنا من أجله مشاق الصعود إلى الجبل واكتوينا بنار الصقيع التي تجمِّد الدم في العروق. كانت النار أمامنا تهيِّج فينا الحركة وتدفعنا إلى القيام بأيِّ شيءٍ مهما كان وكلما بدأت تنطفيء نلقمها مزيدا من الأعواد اليابسة والقشِّ فيزداد لهيبها اشتعالا؛ يصَّاعد ليصل السقف فيسعدنا ذلك كثيرا ونأخذ في اللهو بظلالنا الكبيرة العملاقة المتراقصة على الجدران الحجرية. نأخذ في الشرب. كأس النبيذ الأحمر الأولى مرَّة, الثانية أيضا لن تكون أفضل منها, أما الثالثة فهي بدء انبعاث الروح, والرَّابعة هي ليلى. ليلى أوَّل السُّكر؛ بدء النشوة.
كنَّا نعبُّ من كؤوسنا كأنَّنا قدامى محاربين يستعدُّون لمعركة كبيرة لاتهمُّهم نتائجها وإذ يلقي الواحد منَّا بمحتوى الكأس في جوفه يُتبعها بحبَّات الحمَّص المطبوخ في الماء والملح ثم يسحب نفسا طويلا من سيجارة ‘‘الحلُّوزي'‘ و'‘ الأرتي ‘‘ (13).
يهتف غازي:
- أنا حين أكبر وأصير رجلا سأتزوج فرنسية أو ألمانية وأسكر بالويسكي فقط.....
يصيح عاشور وهو يتمخط أنفه بيده:
- برَّه شيِّت وقت اللي نكبر توَّه نشدْبلاصة في الحاكم ونسكر
بالأنواع الكل بلا حساب..
كنت أقول:
-أنا أريد أن أسافر......أن أرحل بعيدا.
أما قاسم......قاسم الذي يغافلنا ويصبُّ كأسا زائدة لنفسه لايكفُّ عن الغناء بصوته المبحوح.نعبُّ من كؤوسنا دون تقدير ؛ وتغوينا ظلالنا المرتسمة على الحيطان الحجرية ؛ نقف قدَّامها ونتسابق .
نأخذ في الاستمناء والبطل من يستطيع أن يقذف إلى أبعد مكان ممكن, يقذف غازي الأوَّل وقاسم آخر من يطلق قذيفته ودائما تكون الأبعد؛ كان يقول وهو يضحك:
- ماتعرفوش......خلو ها تطوال....تطوال.....تطوال يا بهايم ..... راهي الحلاوة كيف تطوال ألبيعه.....
نخرج للهواء وقد انقضى أغلب النهار والسماء تلفعت برداء أسود كحلي. فجأة يأخذ الثلج في النزول نتفًا, نتفًا كالوبر يكسو الأرض في خفر بالغ, يهبط على شجيرات الزعتر والإكليل؛ نتتبع وردة الثلج وهي تنزل حالمة, راقصة نرقص معها ولانتركها تصل نتطاول لنتلقفها ومن يقتطفها يرمي بها في فمه......إيـــــــه ذلك الزمن !!!
غازي هاجر إلى هولندا وكل سنة يعود إلى القرية بسيارة جديدة وعجوز هولندية لا تفارق ظله؛ عاشور أصبح كادرا في الحزب يضرب, يصرع وقاسم مات. مات بالسرطان الرئوي.مات وهو يسكر ويغنِّي.أمَّا أنا لست هنا ولست هناك.
*
انتبه عبد الله لطرقات ٍمتتالية على الباب, استدار إليه بعينين نصف مغمضتين؛ همهم, ثم قام متثاقلا, كاد أن يقع, ألقى خطواته المترنحة بين العلب الفارغة من حوله فردَّدت الغرفة أصداء ارتطامها ببعضها.استند إلى الطاولة ومشى متعثِّرا, بالكاد انفتح الباب. كان وجه امرأة البارحة مشرقا طافحا بالحيوية بحييه:
-ووه يا شومي فيقتك م النوم. هاو بايك م الذبيحة إمتاع ألباك.
مدَّت له الطبق فلم يدر ما يفعل غير أنه حاول أن يتدارك الأمر؛ التقط الصينية من بين يدي المرأة التي همَّت بالانصراف ثم تراجعت وقد استحال البِشْرُ الذي يغمر وجهها إلى حيرة:
- لا باس ياسي.....
قاطعها بسرعة وهو يردُّ دفَّة الباب:
- لا باس..
أغلق الباب. توقَّف لحظةً. ألقى نظراته الدائخة تجوس خلال فوضى الغرفة.مشى إلى حيث وضع الصينية على الطاولة وتراجع يطلب بيت الحمام. انحنى يتقيأ في المغسلة. فتح الحنفيَّة وترك الماء يتدفَّق فوق رأسه لحظات.وإذ حانت منه التفاتة ألفى المغطس ممتلئا فما كان منه إلاَّ أن ألقى اللخاف الأبيض عنه وأودع جسده الماء. .أحسَّ بنشوة خفيفة تغمره وهو يغادر الماء ويعود إلى السرير؛ انتبه إلى الطبق فوق الطاولة..... صحن من المقرونة تكوَّمت فوقه قطعة لحم حمراء. قارورة كوكاكولا. تفاحة حمراء كبيرة.. ماذا كان لون التفَّاحة التي تسبَّبت في تعاسة المخلوقات وأطردت نطفتهم الأولى من الجنَّةِ. هل كانت خضراء أم سوداء أم بنية اللون أم سوداء أم لالون لها؛ وماذا كان طعمها؛ حلوا أم حامضا سكرية أم مالحة, أم لاطعم لها ؟؟ وكيف كان شكلها ؟؟ مستديرة أم مستطيلة أم أم محدَّبةأم بيضاوية؟؟و ماذا كان حجمها ؟؟..... آه هاهو رأسه يوجعه وتعاوده آلام صدره من جديد؛ قارورة الكوكاكولا التي جِيء بها البارحة منتصبة هناك تراقبه تتلصَّص عليه ! وهاهم قد أتوها بأختها لتساعدها؛ ماذا تريد منه الكوكاكولا وهو لا يحب من السوائل غير البيرة والنبيذ ! ماذا تريد منه هذه المرأة ؟ماذا تريد المقرونة والتفاح والحيطان والنافذة والستارة والمسجَّل ؟ ماذا يريدون منه ؟ فجأة ؛ اندفع يخبط ما حوله بيديه وساقه ورأسه ؛هشَّم قارورتيْ الكوكا , وبعثر صحن المقرونة ,انقلبت الطاولة واصطدم رأسه بالمرآة المشدودة إلى الجدار فتساقطت قطع منها على الأرض ؛ شد بيديه الحائط ونزل معه حيث أقعى منهوكا ؛غير أنَّه سرعان ما قام من جديد ؛ عليه أن يغادر هذه الغرفة اللعينة بسرعة ؛ عليه أن يخرج من هنا الآن ؛ الآن قبل أن تعاوده نوباته العصبية ولن يعرف مالذي سيحدث؟ أين سيذهب ؟ ليس لديه وجهة محدَّدة؛ سيذهب إلى بُراق هناك. نعم. كيف نسي براق عليه أن يذهب إليه حالا ًّمشى بصعوبة في اتجاه الباب وفي الأثناء هوى على السرير ولم يقو على القيام من جديد واستولى عليه النوم بسرعة فلم يخرج ولم يذهب إلى براق.














-2-

عند هذه الصفحة؛ الصفحة 76 يمكن التوقُّف عن الكتابة والاكتفاء بزواج ليلى من خليفة وحالة الهستيريا التي داهمت عبد الله نهاية لهذه الحكاية ولعلها فعلا الخاتمة المناسبة لمثل هذه الرواية التي يمكن تصنيفها ضمن الروايات العاطفية من نسج خيال رومنطيقي جموح أو مستوحاة من قضايا المحاكم العديدة مما دأبت على نشره الصحف السيارة باستمرار. يمكن الفراغ إذا من الكتابة وإرسال المخطوط لناشريتولىأمر طباعتها أو إهمالها وبالتالي فالإشارة لشخصية بُراق تبدو مقحمة وزائدة ولا معنى لها مما يكسبها صفة المجانية ضمن مسار الأحداث. فعبد الله محجوب خرج أو لم يخرج لن يغير من الأمر شيئا؛ حكايته مع ليلى انتهت من زمان وأمر سفره لن يهم كثيرا. غير أنَّ هناك أشياء عديدة ما تزال ملتبسة وإيضاحها يبدو أمرا مهما....طيِّب, هو مهم لمن ؟لي؟ للقارىء؟ لعبد الله محجوب ؟لمن؟ لناقد قد يقرأ هذه الحكاية ؟لمن؟ هذا سؤال اعتباطي ناهيك على أنَّه سؤال مغلوط وإلا لماذا أكتب هذه الحكاية أصلاً.
قلت؛ هناك مسائل مهمة لابدَّ من إيضاحها؟؟؟
أوَّلا: إنَّ ما تقدَّم ليس رواية؛ بل هي حقائق فعلية أوردتها كما اطلعت عليها
ثانيا: إنَّ جميع الشخصيات الواردة هنا هي شخصيات حقيقية مازالت تحيا إلى اليوم.
ثالثا:إنَّ الحكم المتسرِّع على هذه الحكاية, هو رأي إجرائي وبالتالي وجب مواصلة الكتابة ومواصلة القراءة أيضا لتعديل الموقف.
رابعا: ثمَّة أمر سيحدث في الصفحة 93 ما بعدها من هذه الحكاية لا بدَّمن التهيئة له من الآن, وهذا لن يتمَّ إلاَّبالإستطراد في الحديث عن بُراق الذي أهملته الدنيا فأهملها؛ اتخذ من غابة على ربوة تطلُّ على المدينة من جهة الجنوب سكنا..
بدعائم من حديد وخشب أقام عشَّة وجعل من أ لواح الزنك المتماوج سقفا لها, أعدَّها سكنا له. يخرج كل صباح رفقة حمارته المسنَّة قاصدا المدينة يرابض عند مدخلها الجنوبي من الشرق مع مجموعة أخرى من طالبي الرزق أمثاله. يوثق الحمارة ومجرور ته إلى عمود الكهرباء. يجلس على الرصيف متكئا إلى الحائط وينتظر. ينتظر قدوم الشاحنات القادمة من شتَّى أنحاء البلاد مملوءة بمختلف المواد من جميع الأنواع؛ وإذ يشير إليه سائق شاحنة يهبُّ إلى تفريغ الحمولة بما كتب الله كما يقول. أضحى معروفا في هذه الأوساط لحسن أدائه ولثقته ولسرعته في العمل؛ يظلُّ هكذا طول النهار؛ يحمل ويُحمِّل؛ يفرِّغ ويملأ. وكم مرَّة حاول أعوان التراتيب افتكاك كريطته بحجَّة أنَّها تفسد منظر المدينة الحداثي وأنَّ حمارته توسِّخ إسفلت الشوارع ببرازها الأخضر؛ غير أنَّهم في آخر الأمر تركوه وتناسوه بل أهملوه. أهملته الدنيا فأهملها. آخر النهار يشتري قوته وقوت حمارته ويعود أدراجه إلى العشَّة ومن هناك يُطلُّ على الدنيا يازدراء؛ يحدِّث حمارته’’ مادونا’’ كما يُصرُّ على تسميتها يتحاور معها بشأن ما يستمع إليه من أخبار يثرثر بها الترانزيستور الصغير الذي لا يفارقه أبدا ولئن كان لا يُطفئه إلاَّ عند النَّوم فهو لا ينصت إليه دائماولايهتمُّ بما’’ يُخرنن’’ به كما يقول غير أنَّه يزيد من حجم الصوت أثناء نشرات الأخبار التي يصرُّ على سماعها من إذاعة الشرق الأوسط أو إذاعة لندرة ونفس الشيء يقوم به حين يتعلَّق الأمر بمباراة في كرة القدم بين النَّادي الإفريقي التونسي وأيَّ فريق آخر؛ ومن حين لآخر يقهقه بصوته الجهوري لرؤية جسدين يلتحمان تحت سياط غلمة مشتعلة...تنفذ إليه عبر السكون صرخات مكتومة وتأوهات ملتهبة؛ يمسح بيديه على خدِّ حمارته ويُسرُّ إليها:
-لم أخسر من الدنيا غير هذه اللحظات.
ثمَّ يقوم يتوضَّأ ويصلِّي لتبدأ بعد ذلك رحلته الأخرى؛ يشرب ويدخِّن ويحشي أنفه بالسعوط وهو يرتشف الشاي الأسود ويمسِّد عزرائيل, عزرائيل لا يفارق بُراق أبدا يلازمه مثل روحه وليس مثل ظلِّه كما تعوَّد النَّاس الإشارة لمن لايفارق إنسانا أبدا؛ وعزرائيل هو جمجمة عثر عليها براق أوَّل مجيئه إلى هذا المكان:
- كنت نلم باش نبني ها العشَّة؛ اللي يطيح تحت ايدي نهزَّه؛ مرَّة بعدت من جهة الشرق نلڤاها ملوَّحة؛ هزيتها؛ ما نعر فش قصتها ولا نعرف شنيه زنسها؛ المفيد طاسة إمتاع مخ بشر؛ نظفتها بالڤاز والكول والجافال ومن وقتها وهي معايا؛ ذكر وآلاَّ أنثى سميته عزرائيل؛ صاحبي اللي مايفارقنيش لا في الحياة ولا في الموت.
يمسِّد الجمجمة بيده الخشنة؛ يضع حبَّة الكوخرا(14) بين السبَّابة الإبهام يضغط عليها حتَّى تصير غبارا ويذرُّ منها شيئا في كأس الشاي ثم يلقي بمحتوى الكأس في جوفه. سألته مرَّة عنها؛ مصمص بشفتيه وقال:
- ما تعرفهاش الكوخرا؛ تخلِّي الرُّوح ترفرف بعيد لا في السما ولا في الوطى؛ ها وينهِ؛ 3كعبات منها يوصلوا الواحد لجهنم طول بلا ڤبر ولاحساب.
يشير بأصابعه إلى نبتة قريبة؛ ترتفع مقدار شبر عن الأرض لها حبَّات خضراء في حجم حبة البندورا غير أنّها كثيرة الشَّوك.
- هذيكه اللِّي تكوخر المخ؛ يقولك واحد مكوخر.
وهو يحيط نفسه دائما بأشياء قديمة و غريبة؛ تمتليء بها عشَّته أو هي ملقاة من حولها؛ زجاجات فارغة؛ صناديق تلفزيونات مهشَّمة؛ طناجر مثقوبة علاها الصَّدأ؛ إطارات صور؛ صور قديمة؛ سجلّاَت ودفاتر وكرَّاسات امتلأت بالأرقام والخرباشات؛ أزهار اصطناعية؛ أطر نظارات قرنية ومعدنية؛ مصابيح كهر بائية معطَّبة؛ ترومبيتة نحاسية؛ ميداليات معدنية تقشَّر لونها؛ شعارات للنَّادي الإفريقي بالأحمر والأبيض؛ أعلام بلدان: فلسطين, العراق, الإتِّحاد السوفيتي سابقا؛ قطع غيار سيارات مفككة, معطَّبة؛ مصراع نافذة تداعى لوحه؛ معطف عسكري بأزرار صفراء بهت لونها؛ خوذة بيضاء من الصِّنف المستعمل في المناجم؛ حذاء عسكري بصفيحة معدنية تآكلت من الصدأ؛ سمَّاعة جهاز هاتف من الطِّراز القديم؛ كرسي سيَّارة محطَّم برزت أسلاكه الداخلية؛ مصباح نفطي صور لمشاهير لاعبي النَّادي الإفريقي ورجالات السياسة عُلقت إلى سقف العشَّة؛ عتُّوقة؛ الشايب؛ الرويسي؛ السليمي؛ عبد النَّاصر؛ عرفات؛ أبو جهاد إنه محلُّ اوكازيون أو أنتيك؛هذه الأشياء تأتيه بنفسها, يتسلَّمها من أحد زبائنه أحيانا وأحيانا يجدها ملقاة في طريقه وهو لا يذهب إطلاقا إلى مصبِّ الفضلات؛ أحيانا يبيع بعضها.
*
قال مرَّة لعبد الله محجوب:
- ما الذي أتى بك إلى هذه المدينة الكلبة الداخل إليها يفقد كل أمل في الخروج منها؟
يعبُّ عبد الله محجوب من طاسة النبيذ الأحمر قدَّامه؛ يسرح بنظراته في الظلام الساجي من حوله ويتمتم:
-جئت أبحث عن الموت !!
يُنزل بُراق البرَّاد من فوق الأثفية, يملأ الكأسين بالسائل الكحلي, يحرِّك الجمرات بين الحجرات الثلاث, يعيد البرَّاد إلى مكانه ثمَّ يقول:
-لو بقيت مكانك سيأتيك الموت.
-لا أريد أن يجيئني......أريد أ ن أذهب إليه.
-أنت مضبَّع.
- حبَّذا لو فقدت عقلي !!!
يسكت عبد الله محجوب ويحدِّق إليه بُراق في الظلام بعينيه الثاقبتين, يَحْمِشُ النار بعصا في يده ثمَّ يقول:
- لابدَّ أنَّها هيَ...... هيَ التي أفقدتك عقلك؛ تلك المجنونة مثلك.
يخيِّم الصمت من جديد على المكان إلاَّ من حفيف الوُرْقِ ينشج في شجو خافت وصفير صرَّار الليل يمزِّق ستائر السكون المهيب وأصوات أخرى ناشزة تعتق الوقت من غيبوبته وسط هذا الأشبِّ؛ خفقة جناحين, تَغَازُلُ عصفورين, هبَّة هواء تلامس الطرابين الحيية لشجرة تنام حالمة. يقطع عبد الله أشجان هذا السكون ويهمس لمرافقه قائلا:
-هل تريد أن أحكي لك حكاية؟
يستوي بُراق في جلسته دون أن يلتفت إلى محدِّثه؛ يتوجَّه إلى حمارته غير بعيدة عنهما:
- يريد أن يحكي لنا حكاية....إنه مار أيك ؟ إنه اِحك لنا حكاية يا سيدي.
-كان هناك في قديم الزمان......منذ آلاف السنين ملك جبَّار عظيم الشأن
’’ وهبته الشمس الحسن والجمال, ثلثاه اله وثلثه الباقي إنسان..
ألقى الرعب في قلوب الناس؛ بغى وظلم لم يترك ابنا لأبيه.....بغى وظلم.....فضجَّ البشر.....أنَّاتهم بلغت مسامع ا لآلهة في السماء ’’
غيَّر براق غيَّر من جلسته وقاطع جليسه ودويُّ قهقهته تردّ د الغاب صداه:
- الملوك دائما جبابرة طغاة, قطَّاع الطرق واللصوص أفضل منهم والآلهة لن تجعلهم طيبين.
واصل عبدالله حديثه لا يُلقي بالا لتعليقات صاحبه:
- ما كان من الآلهة إلاَّ أن خلقت غريما لهذا الملك ’’ يرعى العشب مع الأيائل يرتاد الماء مع القطيع....له قوَّة زمرة جند من السماء ’’
سمع الملك بهذا الغريم الذي أفزع رعيته وأثار الفوضى في مملكته ’’فاحتال عليه ودبَّر له مكيدة إلى أن جيء به إليه وحين التقيا وسط سوق المدينة سدَّ الباب بقدمه ومنع الملك من الدخول’’صفَّق بُراق بيديه الكبيرتين فأجفلت طيور من أعشاشها ونعق غراب غير بعيد عنهما ونهقت الحمارة:
- هذه خرافة. ثمَّة ملك يمنعه أحدٌ من الدخول إلى مكان ما. يكفي بلا تخريف يا رجل.....اِشرب طاستك يا رجل,,,اِشرب .
يشرب عبد الله وبُراق يقرقر ضاحكا:
-هذا ليس ملكا ومن أين له أن يكون جبَّارا وقد منعه واحد من رعاياه من الدخول.
مسح عبد الله شفتيه بظاهر كفِّه وواصل حديثه:
-’’ تصارعا. نخرا كالثيران حطما أركان البيوت.اهتزَّ الجدار’’
وانتهت المعركة دون أن يظفر أحد منهما بالآخر. فما كان من الغريم إلا أن أدان للملك بقوته وهو ما فعله الملك أيضا.’’تعانقا؛عقدا عهد صداقة’’
وأصبح صديقين. صاح بُراق:
-أوجز يا سيدي ما الذي تريد أن تقوله. لم أعد أفهم ما تريد.أنا أعرف شيئا واحدا أنَّ من كان في السلطة لا صديق له. جذب عبد الله سيجارة أشعلها وجذب نفسا ثمَّ واصل حديثه:
- فجأة برز في المملكة عدوٌّ للرعية يأكل ما يزرعونه ويفسد ما يغرسونه ولم يجد الناس سبيلا لردعه وبلغ أمره الملك. فجهَّز نفسه وخرج لتأديب هذا المارق فلحقه صديقه واستطاع الاثنان أن يخضع هذا الآبق لسلطة الملك غير أن قوى الشرِّ لم يعجبها هذا الأمر فأرسلت حيوانا مفترسا للانتقام من الملك بقتل صديقه وإن لم يقتله في الحين فقد ابتلاه بمرض أماته مما جعل الملك يحزن لموته حزنا شديدا خلع رداءه الملكي وألقى تاجه ونزل من كرسيه, ترك سلطته وخرج يهيم في العراء والبراري صائحا: ’’وَجْهِي يُشْبِهُ المُسَافِرَ مِنْ بَعِيدٍ
وَمَلاَمِحِي تَتَجَعَّدُ مِنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ
وَكَالْبَاحِثِ عَنْ نِسْمَةِ رِيحٍ أَهِيمُ فِي الْبَرَارِي
صَدِيقِي اْلأَصْغَرُ مِنِّي سِنًّا
الْذِي طَارَدَ وُحُوشَ التِّلاَلِ وَأُسُودَ الْغَابِ
الْذِي أَناَ وَإِيَّاهُ غَلَبْناَ كُلَّ شَيْءٍ
تَسَلَّقْنَا الْجِبَالَ؛ أَمْسَكْناَ بِنُورِ السَّمَاءِ, ذَبَحْناَهُ
أَنْزَلْناَ الْوَيْلَ بِخِمْباَبَا, السَّاكِنِ فِي غَابِ الْأَرُزِّ
صَدِيقِي الْذِي أَحْبَبْتُ كَثِيرًا
الْذِي قَاسَى مَعِي جَمِيعَ الشَّدَائِدِ…….
سِتَّة أَيَّامٍ وَسَبْع لَيَالٍ بَكِيتُ عَلَيْهِ
حَتَّىسَقَطَتْ الدُّودَةُ مِنْ أَنْفِه
وَخَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ؛ رُحْتُ أَجُوبُ الْقِفَارَ
فَمَصِيرُ صَدِيقِي يَجْثُمُ ثَقِيلاً عَليََّ
كَيْفَ أَلْزِمُ الصَّمْتَ ؟كَيْفَ أََخْلدُ إِلَى السَّكِينَة ِ؟
صَدِيقِي الْذِي أَحْبَبْتُ صَارَ طِينًا
أَأَضْطَجِعُ أَنَا مِثْله هَكَذَا فَلاَ أَنْهَضُ أَبَداً؟(15)
توقف عبد الله عن الكلام وصا ح في بُراق:
-اِنه ما رأيك في هذه الحكاية؟
*
غير أن براق شرد بعيدا. تبدَّلت سحنته فجأة؛ وانقبضت أساريره, ضاقت عيناه وزاغت نظراته وانكمشت روحه داخل جسده فانكمش جسده متكوِّرا وقرفص في جلسته. زمَّ شفتيه يضغط بهما على السيجارة التي أخذ يجرُّ منها أنفاسا متلاحقة متتالية متواترة متوترة, وينفث دخانها من منخريه متكاثفا لا يصعد إلى فوق ولا يضمحلُّ في الهواء بل يتلبَّث في شكل سحائب أضحت طبقات من الغيوم تطمس الرؤية وتزيد من عتمة المكان. حطَّ صمت ثقيل؛ ثقل الهواجس التي مافتئت تستبدُّ بعبد الله؛ ثقل الغموض الذي استولى فجأة على براق والذي تحوَّل كتلا متراكبة ومتماوجة من الضباب؛ فانقلب شبحا من دخان. فزَّ قائما فتحفَّزت الحمارة ونخرت بمنخريها؛ نقَّلت حافريها ثم لبدت. سحب براق البرَّاد من فوق الأثفية, جرَّ التراب بقدمه اليمنى يطمس به اللهب الكابي وهو يغمغم بصوت شارد:
- فزْ…..فزْ ……الليل عقِّبْ.
أخذ يدخل إلى عِشَّته ويخرج منها صامتا يرتِّب أشياءه. استولى على عبد الله الوجوم ولم يعرف ما الذي حدث ؟ وما الذي يفعله؟ فكَّر في استدراجه للحديث علَّه يبوح بما في داخله ولم يفعل. قرَّر مبارحة المكان. ألقى التحيَّة وانصرف. كان عبد الله محجوب يدفع بخطواته خارج الغاب في اتجاه الطريق المعبَّدة تتقاذفه شتَّى الهواجس والأسئلة؛ ما الذي عكَّر مزاج براق بهذا الشكل. توقَّف عن المشي؛ كانت أضواء المدينة تظهر من بعيد خافتة, أمَّا أضواء السيارات فكانت تتراءى من بعيد ثقبا بيضاء تكبر حينا ثم سرعان ما تختفي وتتناءى. غداة اليوم التالي لم ينتظر عبد الله حتَّى يأتي المساء ليقصد الغاب؛ منذ الظهيرة ابتغى المسلك الذي تعوَّد أن يفٍرَّعبره من جحيم هذه المدينة؛ كان يمشي وهو يفكر في أمر براق لم يحدث أن انقلب مزاج الرجل بالشكل الذي حدث البارحة؛ لقد كان دائما متوقِّدا متوهِّجا وهو وإن تجاوز الستين من عمره لكنَّ الزمن لم يكسره ولم يفعل فيه أفاعيله إنه يبدو شابا ممتلئا بالحياة في الوقت الذي لا يبالي بها وهو يعتقد أنه مهما تلفعت برداء النكد والأحزان إنما هي فرحة وزهرة لابدَّ من امتصاص رحيقها مهما كان طعم هذا الرحيق …قهقهاته الجهورية المدوية, تعليقاته الساخرة, نكته الطريفة وصمته البعيد الذي يؤثِّثه أحيانا بدندنات موسيقية تراثية يهتف بها في آهات مكتومة, وتحليلاته لمقابلات كرة القدم التي يخوضها النادي الإفريقي. كل هذه الأشياء جعلت من براق شخصا غير عادي بالنسبة لعبد الله الذي تعرَف إليه أثناء جولاته وحده في الغاب أثناء تلك الأيام الأولى لمجيئه إلى هذه المدينة؛ استبدَّ به القلق وأزعجته الضوضاء وحاصرته العزلة ففزع ينشد الأنس بين هذه الأشجار.....بقعة عذراء مازالت تتشبَّث بنقاوتها البرية وتحتفظ بطبيعتها المتوحِّشة وسط هذا الغزو الإسمنتي المسلَّح؛ لم يقدر الوعي الانضباطي الذي تفرضه جيوش المدنية الحديثة على اجتياحها, لذلك لا أثرلأيِّ ترتيب بشري بين أحراشها؛ كانت أشجار الخرُّوب الكثيفة وأشجار الكستناء الطويلة والكاليبتوس الفارعة ذات الطرابين المتدلية في فوضى وأشجار الأكاسيا الغافية؛ كانت كلُّ هذه الأشجار تلتفُّ ببعضها بعضا, تتعانق, تلتحم, تلتصق فلا يمكن لأيَّة أشعَّة ضوئية أن تخترقها؛ بالكاد تنفلت خيوط فضيَّة من بين الأوراق والأغصان, تتسلَّل حيِّيَة, تبحث لها عن مسالك وسط هذه الأجمات؛ ولم يكن بإمكان أيًّا كان أن يجد له سبيلا مريحا يمكِّنه من التوغُّل هنا , فلا وجود لممرات ؛ الأعشاب الطفيلية النامية هنا وهناك والصخور النابتة , ناتئة تبدو ناعسة تلتحف أردية الحشائش لكنها تتربص بقدمٍ لا تعرف موطئا لها في هذا الوسط البري الذي تهيَّأ مأوى للنزوات النافرة والغرائز الملتهبة والأرواح العطشى لكلِّ ما يوقد جمراتها التي أطفأتها ’’أخلاق المدينة الفاضلة’’؛ وحتَّى هذه الأرواح لم تكن لتستأنس لوحشة الليل في هذا الغاب؛ لذلك كانت تكتفي بالنهار رغم أنه لافرق هنا بين الليل والنهار ولذلك أيضا لم تكن هذه الغاب ملكا لأحد . كانت ملكا للريح والوحشة والأحلام المتوحشة وملكا ل.....بُراق.








- 3-

بُراق وحده يعرف أسرار هذه الأحراش وتعرفه أشباح الأشجار؛ ووحده عرف كيف يصنع له ممرات سحرية بين هذه الكائنات الخرافية؛ لذلك لم يكن من السهل عليه أن يستأنس بعبد الله محجوب أوَّل الأمر في عالمه هذا البعيد عن الدنيا كما لم يكن من السهل على عبد الله محجوب أن يستأنس بعالم براق من اللحظة الأولى؛ هذا العالم الأسطوري المدوِّخ؛ غير أن شجنا داخليا آلفه عبد الله في الأشجار هنا وشيئا من الحميمية قرَّبته من هذا العجوز الغريب؛ الثائر الهادىء؛ الجامح المتريِّث؛ الغامض الواضح؛ الصامت الصاخب؛ الفطن الأبله؛ اللامبالي المهموم؛ العتَّال الأجوف؛ حمَّال كل شيء ولاشيء؛ كان عبد الله محجوب متأكدا أن بُراق ليس إنسانا عاديا؛ كان متأكدا أن لهذا الرجل من الأسرار ما قد يهدُّبلدا ويجفِّف محيطا ويعيد كتابة تاريخ الكون وما التبس به من العار؛ كان عبد الله محجوب متأكدا من هذا كله غير أنه لم يكن يريد كسر أيقونة هذه الأسطورة, وهو الذي من طبعه عدم التطفُّل أَلْجَمَ رغبته في معرفة صاحبه هذا الذي ساقته له الأقدار ذات يوم كأنها تعوِّضه غياب توأمه قاسم.
ما أن اقترب عبد الله من العشّة حتى تفغم أنفه رائحة النعناع الطري ورائحة الروث وأريج الشاي فأدرك أن براق هنا. فعلا؛ كان العجوز جالسا وقد أسند ظهره إلى إحدى دعائم العشَّة الأمامية والترانزيستور حذوه يخشخش؛ رحَّب بزائره وأشار إليه أن يجلس حيث يشاء, استوى في جلسته يسحب البرَّاد من فوق الجمرات, صبَّ قليلا منه في كأس ارتشف منها غير أنَّه سرعان ما أعاد ما تبقَّى إلى البرَّاد الذي عاد يبرك من جديد بين حجرات الأثفية وطفق بُراق يعلِّق على سير المباراة التي تدور بين النادي الإفريقي وأحد الأندية الأجنبية غيرأنَّ عبد الله كان يريد الحديث عن شيء آخر وألقى بسؤاله كمن دقَّ مسمارا حيث ينبغي:
- أراك انزعجت البارحة؟
كان عبد الله يظنُّ أنَّه بسؤاله هذا يطأ أراض ملغَّمة وعوالم خطرة وكان ينتظر أن ينقبض صاحبه, يتجهَّم كما البارحة لذلك اندهش من سرعةردِّ ه.
-البارحة ولَّت, نحن الآن في اليوم الذي سيصير بدوره أمس وهكذا دواليك......
قال عبد الله وهو يجتهد على أن لا يُفَوِّت عنه فرصة الاقتراب أكثر من هذا الرجل الذي أحبَّه:
- هل أزعجتك حكاية الملك الذي ترك صولجانه وسلطته وهاجر؟
قام بُراق من مجلسه ودخل العشَّة ثمَّ خرج وهو يحمل معه قارورة خضراء, مازالت مغلقة عاد إلى نفس مكان جلسته, جذب السحَّاب من جيبه وسحب سدَّاد القارورة بحركة واحدة, وسكب السائل الأحمر في كأس قدَّامه والتقط كأسا ثانية ملأها ووضعها أمام دهشة عبد الله, أفرغ كأسه وعاد يملؤها, مسح شفتيه بكفِّ يده وقال:
-هي ليست حكاية. هي حقيقة, الحقيقة الكاذبة.....كلنا مهاجرون.. الطائر خُلق للسماء والشجرة خُلقت للتربة والإنسان خُلق للطريق.. فإن لم نهاجر من مكان إلى مكان..فإننا نهاجر من مبدإ إلى مبدإ, من روح إلى روح, من وقت إلى وقت, من اسم إلى اسم..
توقَّف وتجرَّع كأسه دفعة واحدة وانتبه عبد الله أن كأسه مازالت ملأى فشفطها مرَّة واحدة.صمت بُراق قليلا, تنحنح وهو يواصل:
-ليس هذا الملك فقط الذي هاجر, ترك عياله وهاجر, ولست وحدك أيضا الذي ترك ذراريه وهجَّ أنا تركتهم كلهم هناك وهملت أيضا. حمش الجمرات بعصاه, أشعل سيجارة بقبس من النار بقِيَ يأكل رأس العصا ثم قال:
- كنت متأكِّدا أنني بتلك الحركة أخسر كل شيء, أنفِّذ حكم الإعدام فيَّ.
كانت قناعتي بالخسران عميقة. تيقَّنت أنني رجل خاسر. ولكن متى كنت رابحا.....متى ظفرت بشيء ذي قيمة....وما معنى الربح في زمن كله خسارات,,,,, كل شيء يتراءى لي بوضوح تام . يتراءى لي سرابا خلَّب.
الأمس سراب. الآن سراب. الغد سراب.أحيانا يعتقد المرء أنه وقع على ما يريد, غير أنه في الحقيقة وقع في شباك الخديعة, في متاهات الوهم ويظلُّ يتلذَّذ بهذا الوهم لكأنه حقيقة. الرغبة. اللذَّة والتوجُّع. الحبُّ. الخيانة والفجيعة. كل كلمة من هذه الكلمات الثلاث مشتقة من الأخرى؛ ثمَّة علاقة أُسَرِية بين هذه الكلمات, يربطها حبل سرَّة واحد. لايمكن لكلمة واحدة من هذه الكلمات أن تحيا وحدها. كل كلمة تحيا وفي داخلها الكلمات الأخرى. الحبُّ يولِّد الخيانة التي تولِّد الفجيعة.
حبٌّ+ خيانة=فجيعة// خيانة+فجيعة= حبٌّ//حبٌّ+ فجيعة=خيانة الخ..الخ.....الخ....الخ أنا وليد هذه اللعنات الثلاث؛ قيل لي أنني وُلدت ليلة مصرع أبي ولد مبروك البوهالي على يدي جماعة من أخوالي الذين أرادوا الأخذ بالثأر لشرفهم الذي انتهك حرماته علي ولد الباهليه؛ حين فرَّ بواحدة من أخواتهم, أحبَّته وأحبَّها. كانت ليلة مشئومة تلك التي جئت فيها إلى الدنيا.حدَّق في الظلام المُسنِّ؛ بدا كأنَّه يطارد أخيلة بعيدة في الزَّمن؛ يخترق حَجبا ويقتنص أشياء كنت لا أراها كان وحده بإمكانه رؤيتها؛ مسَّدبظاهر كفِّه عزرائيل؛ نخرت مادونا وهي تبول وتصادت في الصَّمت أصوات غريبة لطيور لا أعرفها تنحنح وتابع حديثه:
-تأكَّد لي بما لا يدع مجالا للشكِّ أنه ليس ثمَّة شيء أنبل من الحزن.
وهو يضيِّق حدقة عينيه ويذكِّي نارا أوشكت على الإنطفاءكان يتابع تدفُّق الأخيلة ويواصل مطاردته لها موغلا في استدراج أصفى اللحظات لاقتناص أجلِّ الرُّؤى. تجرَّع الكأس دفعة واحدة؛ أوقف حركة التنفُّس, يحبس السائل قبل أن يفسح له المجال كي ينفذ إلى أنحاء الجسم. خيَّم الصَّمت مهيبا. ثم قذف كلَّ شيء دفعة واحدة؛ كان صوته يأتـي من بعيد..منذ.. يأتـي غائما رجراجا؛ نشيجا يشبه البكاء المكتوم:
قالت لي نوَّة الولاَّدة بعد ذلك بسنوات طويلة:
..........وأنت تنزل من جوف أمِّك وتطلق أولى صرخاتك, سمعت من يصيح في الخارج يطلب أباك, ثمَّ تناهى إليَّ صوت طلقات رصاص يلعلع في الليل.ارتعبت وأصابني الذعر وصدى الطلقات يرنُّ في أذني؛ وسمعت جلبة تقترب من باب الغرفة التي كنت فيها. كانت أمُّك في غيبوبة وكنتَ لا تكفُّ عن الصراخ؛ قمَّطتك بخرقة من القماش؛ ونزلت الدرج التي تنتهي إلى قبو بناه جدُّك مبروك للاختباء فيه إبَّان الأيام الأولى للإحتلال. هربت بك في اتجاه المسجد حيث كان جمع من أهالي الدشرة يردِّدون المدائح النبوية بمناسبة ليلة الإسراء والمعراج المباركة. رويت لهم ما حدث وأنا ألقي بك وسطهم؛ وإذ هبُّوا لاستجلاء الأمر ألفوا جثَّة أبيك ملطَّخة في دمائها أمام الحوش ووجدوا آثار دم في الغرفة حيث تركت أمك لكنهم لم يجدوها بحثوا عنها أوعن جثَّتها فلم يعثروا عليها........كانوا حتما سيقتلونك لو عثروا عليك أنت أيضا........و حملك إسماعيل معه بعد أن اتفق مع الجماعة على تسميتك بُراق تيمُّنا بليلة الإسراء........إيه يا وليدي تكتبلك عمر جديد وإنت مازلت كيف هبط للحياة.........................
يصمت بُراق يشفط رشفة أولى من كأسه؛ ثم رشفة ثانية؛ ثم يأتي على ما تبقَّى في الكأس دفعة واحدة؛ يشعل سيجارة؛ ويسوِّي البرَّاد على الأثفية يلفُّه الصمت ويخيَّل لعبد الله أنَ العجوز لن يتكلم بعد الآن وأنه قال ما لديه وأن من الأفضل الحديث في أمور أخرى وإذ يهمُّ بالكلام يتنحنح براق ويواصل:
- كان إسماعيل يملك واحة صغيرة يشرف على خدمتها بنفسه. تربيت ونشأت عنده وكان يعاملني مثل واحد من أولاده. كان له أربعة أولاد وبنتان. أدخلني الكتَّاب؛ حفظت شيئا كثيرا من القرآن الكريم؛ تعلمت فكَّ الحرف والكتابة بالقلم ورغم شغفي الشديد بتحصيل العلم إلاَّ أنَّ إسماعيل – الله يرحمه ويوسَّع في قبره- طلب منّيِ مساعدته في تسيير شؤون الواحة ومساعدته في خدمتها صحبة ابنه الوحيد المتبقِّي ذلك أن اثنين من أبنائه التحقا بالثوَّار في الجبل أما ابنه الآخر فقد هاجر إلى الجنوب الغربي للعمل في مناجم الفسفاط التي كانت تستقطب وقتها الكثير من طالبي الشغل. كبرت في بيت إسماعيل وزوَّجني ابنته الصغرى وتحوَّلت للسكنى في بيت جدِّ ي الأوَّل الذي ضمَّه إسماعيل أوَّل الأمر إليه ثم أعاده إليَّ. نفرت من خدمة الأرض وفلَّقت مع جماعة من شباب القرية إلى ليبيا؛ تركت المرأة حبلى في شهرها الثاني؛ أمضيْت عامين وعدت بأشياء كثيرة, لكنِّي لمحت أشياء كثيرة تغيَّرت في المنزل؛ نساء يدخلن ويخرجن ومن حين لآخر يطرق رجل الباب..... ورغم فرحتي بالبنت التي جاءتني غير أن شكوكا كثيرة أخذت تحوِّم من حولي؛ وسمعت أحاديث هنا وهناك تتصل بأشياء حدثت أثناء غيابي؛ شيئا فشيئا تأكدت أن المرأةفسدت !!
يصمت العجوز ليقلب الكأس دفعة واحدة ويتبعها برشفة من الشاي, وحشو أ نفه بشيء من السطوع؛ تغيِّبه غابة من الصمت؛ يتلبَّث؛ كمن يسترجع أزمنة من أزمنة أخرى غائمة؛ تضيق عيناه كمن يبحث عن شيء ما؛ بملأ الكأس ويشرب وحده وكأنه غفل عن جليسه المقرفص قبالته؛ذاهلا؛ مندهشا؛ تسكره حكاية هذا العجوز.........
-ضربتها؛ حبستها؛ منعت عنها كل شيء؛ ضربها إسماعيل فعل ما فعلته فيها وما فعلته بها وأكثر؛ لكن لا فائدة تبدَّل دمها وانقلب مخُّها وفسد عقلها كما فسدت أخلاقها. ألقيت عليها يمين الطلاق كما ألقيته على تلك القرية اللعينة وخرجت........
*
عمَّ السكون رهيبا فظيعا غبَّ ذلك التدفَّق النوستالجي الأليم؛ فزَّ بُراق من مكانه, واتجه نحو الحمارة يقدم لها البرسيم وهو يدندن بنغمة ’’صالحي ‘‘نائية؛ شجية يكاد يتفطَّر لسماعها القلب:
نا والدي قالي توب أخطاك جميع المعاصي
يا والدي راهو مكتوب الحي لازم يقاسى.
اُلجم عبد الله ولم يجد ما يقوله. عاد العجوز يطلب مكانه وهو يقول بصوت أجش عميق:
-ما من تجربة إلاَّ وتنحفر فيَّ؛ تترك آثارها في داخلي ومهما بعدت عنّي في الزمن إلاَّ وظلَّت تلاحقني غير أني تعوَّدت ألآ أدير رأسي إلى الخلف وأنظر هنا الآن. ثم صاح بصوت أعلى:
- الآن,,هنا
فكَّر عبد الله وهو بتابع بعينيه الصغيرتين حركات الرجل قدَّامه ’’ إمَّا أنه مجنون وللمجانين حكمتهم أو هو نبي أهمله قومه ’’
فجأة علا صوت بُراق بنغمة مزموم محيِّر جواب:
قدْ ما جريت وشيء ما لقيت
حطُّوني في ميسان وعلى الناس عليتْ
توهَّج الحنين وانعتق الأنين؛ تغيَّر الموَّال؛ امتزج بهبَّة نسيم أبت إلاَّ أن تغازل وُرق الأشجار المسكون بهاجس الوحدة وردَّ الليل من حولنا أصداء نشيج مكتوم ؛ فيه حلاوة ؛ حلاوة الخفَّة ؛ والتخفُّف من أعباء كثيرة وجراح عميقة . فجأة؛ يلوذ بُراق بالصَّمت؛ يحكُّ حبَّة الكوخرا بين إصبعيه؛ يضع منها شيئا على رأس لسانه؛ بدا لي كأنَّه يبكي وهو ينهنه بصوت مكلوم:
- ما غاضني حتَّى شيء؛ كان بنتي ليلى؛ أش عامله في ها الدنيا ألكلبه؟
*
ليلتها؛ عاد عبد الله يتعثَّر في مشيته؛ لا نجمة الدبران بنورها المتلألىء الساطع ولا الثريَّا ببريقها اللامع ولا النجمات القطبية المتناثرة ولا النجوم ولا القمر المغسول بصفائه الفضي؛؛ لاشيء ؛ لاشيء من أنوار هذا الليل المترف كان يفتح السبيل قدّامه وقد أعمت عيناه أشياء بُراق . لقد كان لديه إحساس رهيب وقاتل؛ أنَّ ثمَّة شيئا ما يتهيأ للحدوث له مرَّة أخرى.
شيء يتعلَّق به وببُراق البوهالي وبليلى التي غابت فجأة دون سابق إعلام؛ ويتعلَّق أيضا بخلاَّب التي ظهرت في حياته فجأة دون سابق إعلام.









-4-
الأكيد أنَّ بُراق روى هذه الحكاية أثناء الفترة التي كان فيها عبد الله مع خُلاَّب؛ لكن متى كان ذلك بالضبط. إن تاريخ هذا الحدث مهم في البناء العام للحكاية لأن ما سيحدث بعد ذلك قد ييسِّر الربط بين الوقائع ويؤدِّي في آخر الأمر لمعرفة ما حدث في الليلة الأخيرة قبل صبيحة بدء السرد وعثور عبد الله على الكاسيت في الحقيبة التي جلبها من عند بُراق والتي أودعه إياها عشيَّة نقله إلى المستشفى لإجراء العملية الجراحية على رئته اليمنى.. على كل؛ لا أعتقد أنَّ حكاية بُراق هذه قد ضيَّعت مسار السرد للحكاية النواة ولو أن َّ كل الحكايات هنا بينهم خيط رابط؛ خيط رفيع هو مثل خيط أريان في المتاهة؛ هو الخيط الذي لابد من الإمساك به وعدم التفريط فيه لأنه الوحيد الذي سيوصلنا إلى باب الخروج من متاهة عبد الله محجوب وبالتالي فالعودة إليه في غرفته هناك ضرورية؛ إنه هنا وقد استفاق من حالة الهستيريا التي ألمَّت به فجأة؛ عاد يعبُّ من البيرة أمامه؛ يدخِّن وينظر إلى الخارج ولايهمُّه ما يحدث في هذا الخارج يسترعي انتباهه مشهد صبية يتراشقون بالحجارة؛ هنا يرشقون بعضهم بالحجارة وهناك يكتبون التاريخ بها؛ وفي الحالتين هنا وهناك. الحجارة وحدها عندها ضمير؛ أماأنافلا أعتقد أني صاحب ضمير؛ أنا واحد من سلالة تضرب بجذورها بعيدا في متاهات الغِّي واللامعنى. اعترف بهذا ولست آسفا على أيِّ شيء, لا أستطيع أن أفسِّر ما حدث. لقد حاولت أن أستقيم فلا فائدة؛ حاولت جاهدا أن أتربَّى دون جدوى؛ أن أكون سوِّيا كبقية خلق الله بشرا كانوا أو بهائم, لا فائدة؛ لعلِّي مصاب بلوثة. غيرأنَّني لست مجنونا ولكنَّني لست عاقلا أيضا. تركت كل شيء؛ أهملت كلَّ شيء هناك وهملت؛ وها أنا ذا متهالك في هذه العزلة الموحشة مستندا إلى جيشان روحي القلقة أحاول أن ألملم شتيت ظلالي المتكسِّرة التي تعبث بها رقائق من الضوء الفاتر المتسلِّلة من بين أطراف الستائر؛ أصغي إلى ذهول الحيطان من حولي......على متن شاحنة لنقل الخرفان جئت إلى هنا هاربا من الرتابة الونيئة والدوران في حلقة مفرغة؛ هربت من الموت في الحياة؛ هاربا من الخوف !!قضيت عمري أهرب من الخوف إلى الخوف؛ لو عثرت عليه يوما لقتلته أو لدعوته ليقتلني.
قلت لليلى مرَّة؛ ونحن نتسكَّع في باب البحر:
-ألا تعتقدين أنَّني رجل عديم الأخلاق؛ داعر؛ بلا ضمير؛ لا أصلح للحياة ؟
فاتتني بخطوات, واستدارت برأسها وهي تلقي في الهواء الخامل ضحكة مكتومة وتُخفي فمها برؤوس أصابعها وتهزُّ حاجبيها في شكل قوسين متوثِّبين وجذعها يهتزُّ رجراجا وسمعتها تبرطم:
- ماذا ؟ ........ماذا ؟ أنت لاتصلح للحياة كيف ذلك أوه كيف ؟
- ما رأيك إذا في شخص يهمل كلَّ شيء؛ كلَّ شيء؛ عائلته؛ عمله؛ سكنه؛ يتقاعس عن أداء الحياة !!
عادت تمشي نحوي بخطوات ثابتة؛ غمزت بعينيها وهي تحدجني بنظراتها الوقحة وسألت:
- إذا أنت ضدَّ الحياة؛ وضدَّ التاريخ؛ وضدَّ المدنية والديمقراطية والحرية والعدالة والإنسانية؛ أنت مجرم في حقِّ الإنسانية. تريد ٍرأي إذا بصراحة.
–طبعا.
فجأة أخذت تصرخ وتصيح بأعلى صوتها:
-أيُّها الناس...أيها النَّاس ...
وأشارت إلى أحدهم كان يمرُّ هانئا:
- أنت..أنت...يا هذا...تعال امسك معي هذا المجرم إنُّه مجرم في حقِّ الإنسانية, وأمام دهشتي ما كان من الآخر المسكين إلا أن أطلق ساقيه للريح فَجَرَت خلفه تطلبه وهو يجري ويتلفَّت مرتعبا؛ لحقت بها وأنا أكاد أسقط من الضحك أمسكت بها من كتفيها وقد بدأ بعض المارَّة يستديرون برؤوسهم أو يتوقَّفون لاستجلاء الأمر. قالت:
-مالك ؟......أليس هذا ما تريده ألستَ مُتَّهَمًا ؟
- ماذا ؟ ماذا ؟
-ماذا سيكون رأي في شخص بهذا الشكل.....
ثم؛ وهي تبتعد عنِّي قليلا وتوليني ظهرها:
-أنا لايهمُّني أمرك.....لماذا تطلب رأي ؟
كان الكلام يأخذنا أحيانا ويسرقنا من بروتوكولات اللقاءات الجاهزة والرسمية. يأخذنا الكلام فتهذي خطواتنا؛ تنفلت منَّا لتأخذنا بدورها نجوب الشوارع المزدحمة أو المقفرة؛ نغيب وسط النَّاس ويغيب النَّاس أمام أعيننا؛ وحيدين نمشي هكذا بلا سبب. كانت تتحدَّث فأصغي إليها وكنت أتحدَّث ولا أدري هل كانت تصغي إليَّ بدورها وكنَّا نصمت أيضا ويطول الصمت. وكنت في الغالب أمشي بيني وبينها محاولا أن أجعل مسافة بعيدة عنِّي وعنها؛ لم أكن أنا الذي يرافقها, كان ثمَّة شخص آخر يشبهني وكنت أتعمَّد أن أتركَه وحده معها.
كانا يمشيان عبر الشو ارع والأزقَّة بين الأشجار والجدران عند المساء وقبل الصباح؛ كانا يمشيان ويتحدَّثان. كانت تتحدَّث عن كلِّ شيءٍ؛ غير أنَّه لم يحدث أن قالت ما قالته الآن في الكاسيت وكان الآخر يصغي إليها ويريدها فقط أن تؤثِّث فراغه وتطارد إفلاسه؛ تتحدَّث عن قضايا الناس وتستطرد في ذلك؛ قضايا من جميع الأصناف ويحدث أن تُدلي برأيها في بعض منها وفجأة تَلْبُدُ؛ تَرْكُنُ إلى الصمت وتسكت ويلفُّهما الغموض ويتركان المجال لأقدامهم تكتب غربتهما في هذه المدينة.
كان غريبا
كانت غريبة
كانا غريبين.
وقتها كانت تذكِّره بتلك العواصف والرياح الصاخبة التي كانت تميِّز مناخ بحر الشمال....يا بحار الشمال الغامضة وتلك الرؤى الصاخبة التي كانت تستولي عليه وهو يتجوَّل وحيدا أو صحبة جينيفر.... وحين يودِّعها؛؛كنت أحاول أن أُ بقي هذا الآخر فيَّ وأغرسه في لحمي وخلاياي لأتخلَّص من هذا الخائب الذي كنته دائما والذي ظلَّ أبدا يطاردني...
أليست هذه العزلة التي أرفع أسوارها داخلي ومن حولي هي عزلة الخائب الفاشل؛ النادم الذي يقرع ضميره الندم والإحساس الخاسر واليأس الذي لم ينجز شيئا غير رتق احساساته بالخيبة ولم يفعل غير الصمت المطعون بالوهم..... الذي أفنى عمره يبني معمارا من خراب.
لقد انتهى الأمر بي إلى قناعة مفادها أنَّني ممثِّل فاشل في جميع الأدوار التي أسندت إليَّ؛ لقد أُقحمت في حفلة تنكرية رغما عنيِّ. هذه الحياة حفلة تنكُّريَّة وليست مسرحا؛ لقد استلمت قناعا واجتهدت في التماهي معه؛ والنتيجة أنَّ هذا القناع تهرَّأ وتآكل ثمَّ تمزَّق وأخذ في التساقط وفي الأخير اكتشفت أنَّني مسخ وأدركت أنَّي لم أعرف كيف أعيش وأنَّني بلا واقع أجدِّف في سجف الضلال؛ أنا هنا لأنِّي لم أعرف عبد الله محجوب و أنا هنا لأسباب أشكُّ أنَّني أعرفها؛ لعلَّني هارب من الخوف. أطال الله في عمر أبي وحفظ له سرَّ الحياة كما عرف هو كيف يحفظني للحياة وحفظ سرَّها لي. لست ُ أدري هل أشكره أم ألعنه, لقد دأب المسكين على أن يحفظنا أنا وأخوتي بتعبه وشقائه وبحرصه الشديد علينا وذلك بالخوف علينا وبزرع الخوف فينا؛ كان لايكفُّ عن تخويفنا وترهيبنا من كلِّ شيءٍ؛ يعلِّمنا كيف نخاف ولماذا نخاف وممَّا نخاف؛ يلقِّننا دروسا في ذلك, دروسا شفوية وتأديبية وزجرية حسب ما يمليه الظرف أو ردًّا على فعلة أتى بها أحد الأخوة؛ لم يكن يُفوِّت فرصة ليبثَّ الرعب فينا حتَّى كبرهذا الخوف فيناوكبُر معنا؛ تغلغل داخلنا وأصبح سكنا لنا, بل أصبح ديننا في الحياة. كانت دروسه الزجرية تترواح بين الضرب أو الإقامة الجبرية أو التجويع؛ أمَّا دروسه الشفوية التي يلقيها في كلِّ وقت بمناسبة وبدون مناسبة فكانت تجيء في شكل مواعظ إرشادية أو حكم أو أمثال شعبية؛ ’’ ناس ڤديم ڤالوا, هم الناس اللي يفهموا ويحكّْروا؛ يعرفوا ويو قّْروا ’’ ويأخذ في استعراض ما يحفظه من الأمثال في هذا الموضوع ولن يتوقَّف إلاَّ إذا نهرته أمِّي عن ذلك وهو الذي يخافها بدوره.
*
ڤالك:
’’اللِّي خاف سلم.
تحت جناح الذبانة أو لا رڤاد الجبانة.
لا تدخل أيديك للمغاغير لا تلدغك العقارب.
ابعد ع الشر أو غني له
اللي خصمه الحاكم أشكون يخاصم
الخوف حكمة
نأكل في القوت أو نستنَّى في الموت
الباب اللي تجيك منه لرياح سده واستراح
شدْ امشومك لايجيك ما أشوم منه
أخطى راسي واضرب
اللي سلِّم ما ڤالو ش خاف
البل تمشي على كبارها
العين ماتعلاش على الحاجب
امش خطوه خطوه والمبات سيدي ألهاني
من نجا برأسه فقد ربح
دس عصيتك تحت السبوله
لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
نصف العقل مداراة النَّاس
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
مَن هاب الرجال تهيَّبوه
مكره أخاك لابطل
عاش أشكون عرف قدره.............. الخ...الخ............’’
هاهو إرث الأجيال الخائفة المكبوتة, المغلولة, المحاصَرة بين أسوار هواجسها العقيمة؛ إرث الموت يجثم كالكابوس في الأجيال الحيَّة؛ يطاردها يتلبَّسها كاللعنة؛ تلك الأجيال ماتت واندثرت صارت عظاما وترابا ولكنّها مازالت تسكننا؛ تصنع حيواتنا؛ تراقبنا وتمنعنا حتّى من البول والخُراء في اطمئنان؛ لم يتركوا لنا سوي الخوف ولم نرث عنهم سوى الوباء؛ وباء الحياة العقيمة. ما الذي تركوه لنا؟؟؟؟. هذه الأمثال وغيرها.
بمثل هذي الأمثال وغيرها كان الوالد يزرع الخوف فينا ويبثُّ الرعب في أوصالنا. كان يخاف كلَّ شيء؛ أورث فينا نحن أولاده الأربعة الخوف, كان الخوف لون عينيه وطريقة مشيته وأسلوب كلامه؛ الخوف من الآخرين؛ الخوف من الدنيا؛ الخوف من الحاكم؛ من الموت؛ من الجوع, من الغد, من الخوف, من الليل. من المرض, من الصمت, من الكلام, ومن أمِّي التي كانت عصبية المزاج سريعة الغضب, كثيرة الصياح لا يعجبها شيء؛ كثيرا ما تأخذ في استعراض حظَّها المنكود العاثر الذي جعلها ترتبط بشخص نازح من الجنوب الأصفر إلى الجنوب الأسود ليشتغل عاملا منجميا محدود الدخل يقضِّي ثلث يومه في الداموس ليخرج منه مغبرًّا أسود ويمضي الثلث الآخر في النوم؛ أمَّا الثلث الأخيرفيخصِّصه لتعليم أبنائه الخوفَ من الحياة, ويتفلسف في ذلك فيقول:
- الناس....كل الناس يعيشون بالخوف وفي الخوف, يخافون الحياة ولذلك هم يموتون؛ يخافون الحقيقة ولذلك هم يكذبون؛ يخافون الآخر ين ولذلك وُجدت السجون؛ يخافون أنفسهم ولذلك هم يتغيَّرون كل لحظة ويتبدَّلون؛ يخافون انقضاء العمر بسرعة ولذلك هم يجمعون المال بشتَّى الطرق..... ......... يزنون ويشيخون في الدنيا. الخوف هو سرُّ الحياة.
هكذا كان أبي يحدِّثنا ونحن قدَّامه ننصت إليه نلوك الهواء ونتعلَّم الخوف والصمت أيضا وحين أراد أخي الأكبر ذات مرَّة أن يتمرَّد عليه, ضربه أوَّل الأمر ثم عاود ضربه وفي الأخير طرده من البيت ولم يكن موقف أمي بأفضل منه وهي التي قالت حين خرج ولم يعد بعد يومين:
-ارتحت من مصروفه ها العزا.
غاب أخي حسن ولم نسمع عنه شيئا من وقتها وإلى الآن لا أعرف عنه شيئا. والخوف هو الذي جعل أبي يغيِّر لقبه محجوب بعد أن كان الهلالي.
كان اسم أبي يحي بن إسماعيل بن محجوب بن سلطان بن رياح الهلالي؛ أقام قضيَّة تبديل لقب في المحكمة وأصبح لقبه محجوب. والسبب في ذلك أنَّ أبي خاف من تبعات علاقته بأخيه الأكبر عمِّي التابعي.....ذلك أنًَّ التابعي كان مع الجماعة التي هاجمت قفصة ليلة 26جانفي 1980في محاولة انقلابية فاشلة وعثروا على عمِّي ضمن القتلى في صفوف المهاجمين فقامت السلطات بملاحقة أفراد الجماعة واستدعاء أهاليهم وذويهم وأقاربهم بحثا عن مزيد من المعلومات أو نكاية بهم أو.....وكانت هذه المناسبة درسا ميدانيا في الخوف. فقد بثَّوا الرعب فينا من خلال مداهماتهم الفجئية لبيتنا يبحثون عن أي شيء؛ يدخلون متى يشاءون, يقل
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 08, 2008 18:34
No comments have been added yet.


عبد الوهاب الملوح's Blog

عبد الوهاب الملوح
عبد الوهاب الملوح isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبد الوهاب الملوح's blog with rss.