تذكروا أن أكثر الأشخاص المناهضين لخياراتكم سيكونون أول من يصفقون لكم عندما تنجحوا.
[image error]
فراس بقنه وهو يتحدث أمام الحضور في ملتقى نادي الإعلاميين الثاني بمانشستر يوم 4 نوفمبر 2012
نشأ فراس بقنه وهو يرى والده الطبيب واستشاري علاج العقم وأطفال الأنابيب يكبر ويحظى بتقدير واسع من محيطه ومجتمعه. تأثر فراس لا إراديا بما كان يشهده ويشاهده. قرر دراسة الطب اقتفاء لأثر والده
محمد، وشقيقه الأكبر عامر، الذي درس الطب هو الآخر . التحق بكلية الطب وحقق نتائج جيدة في عامه الأول. لكن لم يكن يشعر بسعادة بل على العكس تماما كان يحس بوخز يستشري ويستفحل في أعماقه في كل يوم يمضيه طالبا للطب. صارح والده بأحاسيسه تجاه الطب. لكن أباه الطبيب اقترح عليه أن يستمر عاما ثانيا كون شعوره الحالي يتلبس أغلب طلاب الطب في عامهم الأول ثم سرعان ما ينقشع تدريجيا. استمع إلى نصيحة والده واستمر عاما إضافيا، بيد أن معدله الأكاديمي انخفض بشكل ملموس وحشود الحزن تفاقمت في داخله. كاشف والده مجددا باستمرار معاناته مع الطب. سأله أبيه أن يتابع عامه الثالث مبشرا بنهاية قريبه لقلقه ومخاوفه خلال هذا العام المصيري. واصل فراس دراسة الطب بِرا بوالده، لكن بعد فترة قصيرة من عامه الثالث وصل إلى قناعة تامة بأنه لا يصلح أن يكون طبيبا. لا يشعر بأي شغف نحو هذا التخصص. يرى أنه سيسرقه من حياته الاجتماعية ومشاريعه المؤجلة. قرر فراس أن ينصرف عن الطب، مدركا صعوبة القرار وخيبة الأمل، التي ستملأ والده.
استقبل والده القرار بألم شديد لم يتله على مسامعه لكنه رسمه على محياه. كان فراس يتألم بشدة وهو يرى أباه منغمسا في نحيب صامت. ظل شهرا يفكر ويتأمل في مستقبله اليباب حتى اتخذ قراره بدراسة الإدارة التي تستهويه. شعر أن تخصص الإدارة المالية الأقرب إلى نفسه. أحس بارتياح عارم وسعادة لم يتذوقها مبكرا عندما شرع في دراسة هذا التخصص. انعكس شغفه بالتخصص في حصوله على درجات مرتفعة جعلته يصبح أحد الطلاب الأوائل في جامعته. تفوقه الدراسي والسلام الداخلي الذي يعيشه جراء حياته الجديدة جعله ينشط تطوعيا. ترأس مجموعة (غيرني)، التي تهدف إلى تغيير سلوكيات وأخلاقيات خاطئة في المجتمع. ثم عكف على برنامج على اليوتيوب بعنوان (
ملعوب علينا)، بصمت دون أن يخبر أحدا عن نواياه خشية من عبارات تثبط عزيمته وتقمع حماسته على شاكلة: ” لا تطلع و تتفشّل، صدقني ما راح تنجح، لا تتعب نفسك!”. نجح البرنامج وتجاوز كل توقعاته. راهن فراس على المواضيع التي سيتطرق إليها والطريقة التي سيتناولها فحقق نجاحا لافتا.
تم إيقاف فراس إثر طرح البرنامج الجريء لفترة لكن سرعان ماعاد إلى محبيه وملاذه، اليوتيوب، عبر برنامج، (
يومك معي)، الذي عرض في رمضان، وحقق نجاحا ملموسا أكد أن فراس موهبة جديرة بالتقدير والاهتمام.
لم يكتف فراس بنجاحه على اليوتيوب. قاد حملة في الشبكات الاجتماعية بعنوان (330)، انطلق بهاشتاغ في تويتر ثم مالبث أن يكون حراكا جماعيا لنبذ العنصرية.
اليوم الآلاف يضعون هذا الرقم بجوار أسمائهم في حساباتهم في شبكات التواصل الاجتماعي. رغم أن الحملة لم تخفت منذ انطلاقتها يوما إلا أن فراس يعمل على أكبر من ذلك. افتتح سجلا تجاريا باسم هذه الحملة. وسيقوم بتوزيع قمصان وربطات ومنتجات عدة باسم الحملة سعيا لاستدامتها فضلا عن مشاريع عديدة تصب في مصلحة 330.
يعيش فراس أجمل أيام حياته. يفكر وينتج ويتعلم. يعمل بشهية مفتوحة بعد ان اكتشف ماذا يريد وذهب إليه. يستطيع معظمنا أن يعيش السلام الذي يتمتع به فراس ليبدعوا، لكنهم بحاجة إلى قرار جريء يغير مسار حياتهم. قرار يمنحهم الارتياح الداخلي الذي يدفعهم للإنتاج. إن فراس خسر ثلاث سنوات من عمره لكن كسب عمره. بعضنا يفرط في عمره من أجل ثلاث أو أربع أو خمس سنوات. الموضوع لا يقتصر على تغيير تخصص فحسب، بل تغيير وظيفة أو مجال أو أصدقاء أو نمط حياة. الحياة قصيرة ولا تستحق أن نهدرها في مكان أو مع أشخاص لا يمنحونا المناخ الذي يحفزنا للإبداع.
[image error]
يعد والد فراس، الدكتور محمد، حاليا، من أبز الداعمين لمشاريع فراس التطوعية، وأكثرهم فخرا بنجاحاته العلمية والإعلامية
تذكروا أن أكثر الأشخاص المناهضين لخياراتكم سيكونون أول من يصفقون لكم عندما تنجحوا. ففراس اليوم ينعم بتشجيع والده الدكتور محمد أكثر من أي وقت مضى بعد أن جعله فراس يؤمن بأنه مبدع في مجاله الجديد.
أكثر ما يحزنني أن أرى واعدا دفن موهبته. فهو حي لكنه في الحقيقة ليس حيا بل في عداد الأموات.
عبدالله المغلوث
*تحفظت صحيفة الوطن على نشر هذه المقالة
Published on November 25, 2012 05:10
على كل حال مقال رائع كالعادة
كل الشكر والتقدير