ظلام ساطع - قصة قصيرة

علت دقات الساعة التى تأكلت حوافها وعبث الصدأ بعقاربها الحديدية العتيقة معلنة الثانية عشر , كانت تعتلى احد حوائط الغرفة التى اخترقتها المياة فكونت طبقة هشة من الطلاء تتساقط كلما اغلق احدهم باب الغرفة بقوة , الغرفة التى يفوح منها كل الروائح الكريهة التى يمكن تخيلها حتى ان من بينهم رائحة الموت ذاته !بالغرفة سرير وحيد بجواره خزانة ملابس حديدية مغلقة بقفل صدأ كمعظم محتويات الغرفة , تمدد مالك الغرفة على السرير مرتدياً جلباب واسعة وكان يسبح عقله فى عالم اخر بينما استرخى جسده المنهك تماماً ولعل دلالة هذا الانهاك هى تلك السيمفونية التى كانت تنطلق عبر انفه بين الحين والاخر , ولم يقطعها سوى صوت شهقة الفزع التى اطلقها بغتة ليستيقظ فتمسح عيناه انحاء الغرفة الضيقة بسرعة ثم تتحسس يداه الصندوق الخشبى الذى جعل منه منضدة وضع عليها ما تسعى اليه يداه ..مصحف صغير امسكه فى عناية ثم وضعه جواره ثانية , وباعين لونتها طبقات من اللون الاحمر القى نظرة اخيرة على الغرفة وعاد للنومكانت الغرفة بلا نوافذ , فقط يفصلها عن العالم ذلك الباب الخشبى المتأكل , لم يكن الباب الخشبى يفصل الغرفة عن عالم الاحياء فاقرب ارض عامرة كانت تبعد اكثر من عشرة كيلومترات , انه يفصلها عن عالم اخر ,عالم خاص بسكان ذلك المكان الذى يحيط بالغرفة من كل جانب ..المقابر !
على مقربة من الغرفة جلسوا فى شكل دائرى , لو ان هناك صفة تجمعهم جميعاً فهى تلك البشرة الشاحبة وذلك الصوت الخافت ..اربعة رجال وامرأتان يتبادلون الاحاديث التعارفية المعتادة ولكن بتلك النظرة المرسومة على اعينهم بدا وكأنهم يفعلونها للمرة التى وصلت لاخر الارقام الحسابية , وبدء هو الحديث بلهجة تحمل خشونة احباله الصوتية ..
-        لم اكن المذنب على الاطلاق , وحتى ابى اجبروه على الامر !
بدا عليهم جميعاً الفهم الا هو , رجل يجلس جوار احداهن وعيناه لا تفارق مكان جلوسها , وهى بين الحين والاخر تنظر له خفية , عاد المتحدث لاكمال ما بدء فى لهجة تزداد خشونة ..
-        الثأر ! لعنة الصعيد التى ابتلعت ابنائه ظالماً وبرىء , طفل وشيخربت الرجل الجالس بجواره على كتفه ثم سعل وبدء الحديث كمن سيلقى خطاب سياسى هام ..
-   كان خطأ ساذج , عليك دائماً احضار متخصص للقيام بتلك المهام , اعنى ان مصباح الشرفة ليس بالشىء المهم ولكنه اصرار زوجتى اللعينة !
هز الجميع رؤوسهم وكأنهم يؤيدون حديثه , وبدا عليه الاستياء لرؤيته الرجل نفسه وقد نام على كتف الفتاة الجالسة جواره , جاء دور السيدة العجوز فهمست بصوت واهن  ..
-        الوحدة فحسب جعلت الامر مقبولاً , بل مرغوباً !كنت انتظره واتمناه ولكن حتى فكرة ان يحدث وانا وحيدة كانت مؤلمة للغاية , فلو كنت وحيدة لاننى لا امتلك من قلوب الناس شىء لتقبلت الامر ولكننى انجبت العديد من القلوب القاسية
هزوا رؤوسهم فى اسف بينما علا صوت تثائب صاحبنا فنظروا له جميعاً نظرة عدائية عدا الفتاة الجالسة بجواره , كانت تنظر له فى اشفاق !
انطلق صوت دعاء الفجر عبر الراديو العتيق الذى وضعه الحارس بعناية امام الغرفة ومؤشره لا يتحرك من على اذاعة القرأن الكريم الا يوم وقفة العيد فى جلسة سمر تستمر طيلة الليل وسط الاصدقاء ..
حين وصل اليهم الصوت حولوا نظرهم للشاب الجالس جوار العجوز يحثونه على الكلام , فبدا مرتبكاً وبلسان ثقيل للغاية انطلقت الكلمات بطيئة مسترسلة عبر فمه ..
-   انه التسرع والاندفاع , نشوة الشباب وفرحة الامتلاك , وليت الضرر يقع على المخطىء فحسب , الجميع يشاركونك الخطأ ! يشاركونك تحمل مسئولية غبائك وتهورك , اللعنة على السيارات ومن يرغب فى امتلاكها
نظراتهم له ضاعفت ارتباكه ولو لم يكن الجو شديد البرودة لتساقط العرق من كل خلية بجسده , حين انتهى انتقلت نظراتهم للفتاة التى كانت مشغولة بمراقبة صدر الرجل النائم على كتفها يعلو ويهبط , بالرغم ان نظرة عينيها لم تكن توحى بذلك على الاطلاق , كانت نظرة شخص يرى اكثر احداث الارض اثارة واهمية , نظرة شخص يرى حدث يستحق الموت لاجله ..حاصرتها نظراتهم المتسائلة فضمت يدها بقوة والقت عليه نظرة اخيرة وبصوت مرتجف ادت دورها   ..
-        من اجلى كان يطارد المرض , من اجلى كان يلعن المرض , من اجلى كان يكره المرض !اخبروه انه ليس وراثياً ولا يأتى الا فى حالات نادرة , كان يتألم لألمى , وعدنى انه سيلحق بى , وعدنى انه لن يفارقنى !
وحين انتهت لم يبد احدهم اى اهتمام بالاستماع الى الرجل الجالس بجوارها , بدوا وكأنهم يحسدونه بل ويكرهونه !
اخترق النور اغشية السماء ليولد فجر جديد , لم يتبق من صحبة الليل سوى ذلك الرجل الذى لم يؤثر عليه ضوء الشمس ويمنحه شىء من اليقظة , بل فعلت هذا يد تلك الفتاة الصغيرة , فتح عيناه ثم اغلقها ثانية حين تسللت اشعة الشمس الى قرنيته ثم عاد يفتحها ببطىء وامسك بالكيس البلاستيكى الذى اخفاه خلف ظهره واستخدمه كوسادة فى وقت ما من الليل  ثم اخرج منه احد محتوياته واودعها يد الفتاة الممدودة , وما ان فعل حتى همت الفتاة بالركض ولكنه استوقفها ونظر اليها نظرة متسائلة فبدا على وجه الفتاة وكأنها تذكرت شيئاً ثم جلست وبدات تتلو شىء ما بصوت خافت وما ان انتهت حتى اعادت محاولة الركض دون ان يمنعها الرجل , ولكن استوقفها شاب صغير هذا المرة , كان قد تخطى السادسة عشر للتو تستطيع تمييز هذا من ذلك الشارب الخفيف والوجه الذى سكنته الحبوب ..استوقفها الشاب الصغير وحاول الاستيلاء على ما اعطاها الرجل للتو فقام الاخير من مجلسه وحاول تخليص الفتاة من يده , عاند الشاب وصفع الفتاة منتزعاً ما بيدها وهنا لم يتمالك الرجل نفسه فارسل لكمة استقبلها وجه الشاب فاختلعت ضرسه المسوس وسقط ارضاً , وهنا قام الشاب فى خطوات تدرب عليها كثيراً ولكنها كانت المرة الاولى فى التنفيذ !اخرج الاداة الحادة من جيب سترته المهترئة وقفز نحو الرجل واسكنها قلبه ثم ادارها داخله وانتزعها ثانية وفر هارباً , ولم ينس ما سرقه من يد الفتاةتناثرت الدماء من فم الرجل وهو يحاول النهوض وحين ادرك ان محاولاته ستفشل زحف نحو الكيس البلاستيكى الذى لم يلاحظه الفتى اثناء هربه واعطاه للفتاة التى وقفت تبكى منذ صفعها الشاب , اعطاها الكيس البلاستيكى محاولاً رسم ابتسامة على فمه الدامى وسقط ..بدا للفتاة وكأنه ينظر لاحدهم ثم همس : انا قادم !وكانت اخر كلماته ..نظرت الفتاة فى الاتجاه الذى ينظر اليه الرجل فى استغراب , ثم تفقدت محتوى الكيس وهمت بالركض ولكنها توقفت وعادت تجلس جوار الرجل محتضنة الكيس البلاستيكى باحكام شديد , كأم تمسك بابنها الرضيع ثم بدأت تلاوات جديدة ..
اوقد حارس المقابر عدد من الاخشاب تبعث فيه الدفء وعلا صوت الراديو " اذاعة القرأن الكريم من القاهرة الساعة الان الثانية عشر بعد منتصف الليل , نترككم الان مع تلاوة عطرة للقارىء الشيخ عبد الباسط عبد الصمد من سورة الاعراف "
على مقربة من غرفته كانوا يجلسون , ينظرون جميعاً لرجل مطعون القلب ويستمعون له بشغف , اربعة رجال وامرأتان يجلسون فى شكل دائرى , احدهم يملك جسد محطم يجلس بجواره رجل مصاب بطلق نارى فى عنقه وهناك تلك العجوز التى رسم احدهم الاسى والكأبة على وجهها باتقان , وشاب رأسه مهشمة تماماً وفتاة شاحبة اللون للغاية ..استكمل الرجل مطعون القلب حديثه وهو يمسك بيد الفتاة ..
-   لم اكن اظن ان الامر سيصل لهذا الحد , انا اشفق على مصيره ولكنه اسدى لى خدمة العمر , لقد حقق لى ماتبقى من امنيات ..امنيات من ذلك النوع الذى لا تعيش لتحققه , بل السبيل الوحيد اليها هو الموت , اعنى انهم يقرنون الموت بالظلام ولكننى لا ارى الان سوى نور وجهها المبتسم !
تأهبت العجوز للحديث ظناً منها انه انتهى ولكنه امسك يد الفتاة بقوة اكبر واختتم حديثه ..
-        يكفى اننى بجوارها الان .. وللابد !
ابتسمت العجوز فبرز فمها الخالى من الاسنان ثم عادت الكأبة تجثم على وجهها وسيطر الحزن عليها حين همست بصوت واهن ..
-        الوحدة فحسب جعلت الامر مقبولاً ..
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 06, 2012 15:07
No comments have been added yet.


الوان الفوضى

إسلام عبد الرحمن
قصص عصريــة مُزجت ببعض الكتابات والدراسات فى مختلــف مواضيع الحيــاة لتصنع مزيجاً من الفوضى .. فوضــى مرتبــة
Follow إسلام عبد الرحمن's blog with rss.