عن فابريكة سركيسيان للأستاذ بهاء جاهين

فابريكة سركيسيان
الجمعة 20 من ربيع الثاني 1448 هــ 2 أكتوبر 2026 السنة 151 العدد 51069
بهاء چاهين;
طباعة المقال
الشاعر والرسام والروائى محمود عبده صدرت هذا العام عن دار الشروق روايته الثالثة بعنوان (فابريكة سركيسيان). وهى أول ما أقرؤه لهذا الكاتب المختلف الواعد بالكثير، لكن ظهر الغلاف ينبئنا بسجله الإبداعى الذى بدأ بديوان شعر هو (طعم التمرة) صدر عام 2014، ثم تلته رواية قصيرة بعنوان (رقص طفيف) (2017)، فمجموعة قصص فى العام التالى أعطاها مبدعها اسم (فرميليون)، وفى 2019 فازت بجائزة معرض القاهرة للكتاب لأفضل مجموعة قصصية. و (فرميليون) كلمة إنجليزية تعنى درجة ساخنة متوهجة من درجات اللون الأحمر تتراوح ما بين القرمزى والبرتقالى، وتعكس حضور الرسام
فى نصوص محمود عبده. وهو ما سنراه أيضا فى قراءتنا لروايته الحديثة الصدور (فابريكة سركيسيان)، أو باطلاعنا على مواضيع ما سبقها من أعمال. فبطل كل رواياته فنان تشكيلى، بل إن معظم شخصيات الرواية الأولى (رقص طفيف) تلامذة فى إحدى كليات الفنون الجميلة المصرية أو منتمون لهذا العالم، مثل شخصية (الموديل). وكذلك روايته قبل الأخيرة (نافذة مستديرة ضوء القمر) التى وصلت للقائمة القصيرة لجائزة كتارا لعام 2023، فأزمتها هى الأخرى أزمة فنان تشكيلى يجوب البلاد هروبا مما يعذبه كفنان وكإنسان. فإذا أغلقنا النافذة التى تطل على مواضيع أعمال محمود عبده السابقة، وفتحنا باب الحديث عن روايته موضوع هذه المقالة: (فابريكة سركيسيان)، نجد البطولة مزدوجة ومنقسمة ما بين رسام اسمه حسن وكاتب أديب لا اسم له هو راوى الحكاية وأحد شخصياتها الرئيسية، فكأن ذات الروائى هنا قد انشطرت إلى مكوناتها الأولية: الكاتب والرسام.
والكتاب نفسه بين يدى قارئه يتقاسمه النص الروائى بفصوله الثلاثة عشر ومجموعة بورتريهات تصور شخصيات وأحداث العمل رسمتها ريشة الكاتب الفنان محمود عبده، فكأننا إزاء كائن فنى هو حكاية وأيضا معرض لوحات فى معظمها بورتريهات، بعضها يميل لفن الكاريكاتير، مع عدد قليل من الرسوم يصوّر مفردات أخرى يحتويها العمل: مثل براد شاى على صينية وصندوق يشبه صناديق الكنوز، وكذلك رسمة داخلية هى فى الوقت نفسه لوحة غلاف الرواية، عبارة عن قارورة زيت لإنارة المصابيح مكتوب عليها اسم الجهة المنتجة واسم العمل كله: فابريكة سركيسيان. والكلام عن هذا الزيت وهذه الفابريكة مدخل ممتاز لإنارة هذه الرواية وفهمها.
إنه زيت إضاءة ذو قدرات سحرية، عثر عليه حسن الرسام وصديقه الكاتب الراوى الذى لا اسم له، والذى هو أحد المشائين هواة التسكع فى شوارع قلب القاهرة، خاصة منطقة وسط البلد، حيث تكثر المبانى التى تنتمى تاريخا ومعمارا للقاهرة الخديو، وهو مصطلح يصف ما بدأه الخديو إسماعيل فى ستينيات القرن التاسع عشر من حركة بناء تستلهم عمارة باريس، حتى أُطلِق على القاهرة - فى أوج هذه الحقبة التاريخية التى امتدت إلى العقود الأولى من القرن العشرين - وصف (باريس الشرق).
وفى تسكع حسن الرسام وصديقه الراوى الأديب قادتهما الأقدام أو الأقدار إلى مكان عجيب ذى صفات تبدو خارقة: جزيرة حجرية فى بحر إسفلت وسط القاهرة، ولكى تنفذ إليه من الشارع عليك أن تجتاز (ممرا يفضى إلى فناء محصور بين بنايتين عتيقتين تلتقيان معا لتصنعا شكله المربع، ويتكون منهما مجمع سكنى مغلق.. تطل على الفناء من جوانبه الأربعة شرفات صغيرة وأنيقة).
هنا اتخذ الرسام حسن بسطة إحدى هذه الشقق ذات الشرفات مرسما فمسكنا له، وهنا زاره صديقه الراوى فتعلق قلبه بالمكان، ووجده ذا مواصفات سحرية أقلها أنه يتمتع بهدوء عجيب فى قلب ضجة وسط القاهرة، فقرر الكاتب الراوى أن يسكن هو الآخر إحدى شققه الخالية، وهى بدورها عجيبة أخرى من عجائب هذا البناء، إذ اختفى الموقع عن عين وحوش سماسرة قلب العاصمة، فظلت كثير من شققه خالية! هكذا استطاع محمود عبده أن يخلق مكانا ذا مواصفات تجعله مثاليا لتقبُّل الفانتازيا فى قلب حكاية واقعية.
وهى فانتازيا متصاعدة تبدأ بعودة الراوى من إحدى سهراته آخر الليل ليجد صاحبه حسن قتيلا فى شقته، فيبلغ البوليس على الفور لكنّ الشرطة حين تصل تجد الجثة قد اختفت! ويعاين الكاتب صديق الرسام فى شقة الأخير معالم صراع مدمر ما بين صديقه المختفى ومن هاجموه.. ومنها زجاجة زيت القناديل المكتوب عليها فابريكة سركيسيان، وقد تحطمت وألقيت فى أحد الأركان. ومع تصاعد الفانتازيا فى الرواية سنعلم أن كل العجائب تخرج من بروجيكتور تعمل مصابيحه بهذا الزيت، وهو أيضا من إنتاج تلك الفابريكة؛ ترتسم الصورعلى الحائط، ومن الحائط تنزل وتتكاثر حتى تغمر فناء المجمع السكنى كله.. ونستكمل الحكاية معا فى السطور القادمة بإذن الله.

-----
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/...
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 06, 2026 11:28
No comments have been added yet.