مقالة علاء الاسوانى فى جريدة المصرى اليوم : …اثبت مكانك .!!..
مقالة علاء الاسوانى فى جريدة المصرى اليوم
3 يوليو 2012
…اثبت مكانك .!!..
موجة من الحر الشديد اجتاحت مدينة تولوز بفرنسا على مدى يومين ثم هطلت الأمطار فلطفت الجو . أكتب هذا المقال من حجرتي في الفندق وأرى من النافذة الميدان الكبير حيث يتجول مئات الفرنسيين الذي…ن يحضرون فعاليات مهرجان " سباق الكلمات " وهو من أكبر مهرجانات الأدب في فرنسا .مدير المهرجان اوليفييه دارفور مثقف فرنسي كبير يرأس في نفس الوقت اذاعة فرنسا الثقافية وتساعده مجموعة عمل كلهم شباب فرنسيون ومعهم فتاة مصرية صارت معروفة هنا في فرنسا هي داليا حسن . قررت ادارة المهرجان هذا العام اختياري كضيف الشرف في هذه الدورة ، تم تكريمي على مدى أيام واشتركت في ندوات عديدة ثم خصصت لي أمسية قرأت خلالها الممثلة الفرنسية الشهيرة " أريان أسكاريد " مقاطع من أعمالي أمام الجمهور . بالاضافة الى سعادتي الشخصية بهذا التكريم فأنا فخور لأن كاتبا مصريا تم اختياره ضيفا للشرف وسط مجموعة من أهم الأدباء في العالم .
الفرنسيون يتابعون مايحدث في مصر باهتمام بالغ وهم يعتقدون أن مصر هي التى ستحدد شكل المستقبل في العالم العربي كله . وصول محمد مرسي الى الرئاسة أثار جدلا شديدا بين الفرنسيين : بعضهم يرون أن وصول الاسلاميين الى السلطة ( حتى لو كانوا منتخبين ) في اى بلد يشكل كارثة .
هؤلاء يعتقدون ان مصر برئاسة مرسي ستتحول الى ايران أخرى حيث يتم استبدال الديكتاتورية الدينية بالديكتاتورية العسكرية ويؤكدون أن الأقليات والمرأة والفنانين هم أكثر من سيدفع ثمن الدولة الدينية .
البعض الآخر ( وهم الأكثر تحررا ومعظمهم يساريون ) يرون أنه يجب احترام ارادة المصريين مهما تكن النتائج وأن مرسي رئيس منتخب ولابد من التعامل معه واعطاؤه فرصة قبل الحكم عليه كما أن دخول الاسلاميين الى النظام الديمقراطي سيدفعهم الى الاعتدال ويمنعهم من التطرف والعنف .
دافعت عن هذا الرأى الأخير وأكدت لهم أن وجود رئيس اسلامي لا يعنى بالضرورة اقامة دولة دينية و أن الاحزاب الاسلامية في النظام الديمقراطي ستكون أقرب الى الاحزاب اليمينية المسيحية في المانيا وسويسرا .
استمعت الى خطاب الرئيس مرسي في ميدان التحرير فأعجبني لأنه كان واضحا وصادقا وتفاءلت خيرا لكننى تابعت الاحتفال الذى حضره في جامعة القاهرة فانزعجت لأن الرئيس بدا وكأنه يتراجع عن مواقفه السابقة .
لقد وعد الرئيس باستعادة حقوق الشهداء وأوضح أنه لايقصد فقط الشهداء الذين سقطوا أثناء الثورة وانما يقصد أيضا شهداء المذابح التى حدثت تحت حكم المجلس العسكري مثل العباسية ومحمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء وبورسعيد..
استعادة حقوق الشهداء لا تكون فقط بتعويضهم ماديا وانما باجراء محاكمات عادلة لمن تورطوا في قتلهم . هنا لايمكن اعفاء المجلس العسكري من مسئوليته السياسية عن كل هذه المذابح .
لذلك اندهشت عندما سمعت الرئيس مرسي يطالب بتكريم أعضاء المجلس العسكري تقديرا لادارتهم الحكيمة للمرحلة الانتقالية .
في ظل هذه الادارة الحكيمة تم قتل العشرات من شباب مصر بالرصاص ودهسهم بالمدرعات وتم فقء عيون العشرات بالخرطوش وسحلت البنات وهتكت أعراضهن وكل هذه الجرائم موثقة ومسجلة بالصوت والصورة .
كيف سيستعيد الرئيس مرسي حقوق الشهداء وهو ينادي بتكريم المسئولين سياسيا عن قتلهم ..؟!
لقد وقع الرئيس في تناقض عجيب .
هناك تراجع آخر : فقد أعلن الرئيس من قبل رفضه القاطع للاعلان الدستوري الذى يعطى صلاحيات الرئيس للعسكر ويفرغ الديمقراطية من مضمونها ويجعل رئيس الجمهورية أقرب الى سكرتير المشير طنطاوي ..
لكننا فوجئنا بالرئيس يؤدي القسم امام المحكمة الدستورية تماما كما يقضى الاعلان الدستوري الذى يرفضه ثم تكلم في جامعة القاهرة فلم يشر بحرف الى رفضه للاعلان الدستوري الذى قضى ملايين المصرين أياما عديدة معتصمين في الميادين من اجل اسقاطه..
لا يجب ان نتسرع في محاسبة الرئيس مرسي و لايجب ايضا ان نسكت ونحن نلاحظ انه بدأ بالفعل يتراجع عن مواقفه .
هناك مشكلة حقيقية في سلوك الاخوان المسلمين السياسي فهم لا يرون الفرق بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن وبالتالي يسعون دوما الى تحقيق مصالحهم السياسية بغض النظر عن تأثير ذلك على الشعب والوطن وقد أدى ذلك المفهوم الى تورط الاخوان في التحالف مع كل حكام مصر بدون استثناء واحد بدءا من الملك فاروق وحتى المجلس العسكري ..
الاخوان بطبيعتهم قوة سياسية محافظة اصلاحية غير ثورية تتحاشى الصدام مع السلطة بأى طريقة وتسيطر على قياداتها هواجس من أن الصدام مع الحاكم سيؤدي للقضاء على الجماعة وهم يميلون دائما الى عقد التحالفات والصفقات السرية التى تحقق مصالح الجماعة كما أنهم في حضرة السلطان تعتريهم حالة من الليونة في المواقف تجعلهم يتصرفون في حدود ما يسمح به الحاكم
وقد رأينا ذلك في احتفال جامعة القاهرة عندما ظهر سعد الكتاتنى الذى ملأ الدنيا اعتراضا على قرار المشير طنطاوي بحل مجلس الشعب وأكد أنه يرفض هذا القرار ويعتبره غير شرعي بل انه حاول أن يدخل الى مجلس الشعب متحديا قرار المشير لولا أن منعه رجال الأمن . وبعد هذه الحرب الكلامية الضروس تغير موقف الكتاتنى في جامعة القاهرة وما أن رأى المشير طنطاوي حتى تهللت أساريره وابتهج وكاد يقفز فرحا كأن شيئا لم يكن ….
نفس الليونة السياسية رأيناها في مجلس الشعب الذى حاول أعضاؤه من الاخوان ارضاء المجلس العسكري على حساب الثورة وكلنا نذكر كيف صفق الاخوان عندما اتهم أحد الاعضاء الثوار بانهم بلطجية ومدمنى مخدرات ونذكر كيف ترك الاخوان الثوار يقتلون في محمد محمود حرصا منهم على رضا المجلس العسكري وكيف اتهموا المتظاهرات اللاتي انتهكت أعراضهن باتهامات مشينة بل ان هناك مشهدا فريدا لا أظنه حدث قط في تاريخ البرلمانات فقد اكتشف أعضاء مجلس شعب ضابطا في أمن الدولة مندسا بين الجماهير يحرضهم على اقتحام مجلس الشعب وهاج أعضاء المجلس وماجوا واستمروا في الصياح حتى كادت القبة تسقط على رؤوسهم من فرط الضجيج وطالبوا بحضور وزير الداخلية فورا لمحاسبته بشدة
وفعلا حضر وزير الداخلية فاذا بالاعضاء الموقرين يهرعون اليه ويعانقونه ويأخذون معه الصور التذكارية .
هذه الليونة السياسية الاخوانية لا أعرف لها سببا محددا لكنها ظاهرة امتدت على مدى تاريخ الاخوان منذ انشاء الجماعة في عام 1928 وهي في الواقع أكثر ما يهدد موقف الرئيس مرسي الآن ….
لقد قطع الرئيس مرسي على نفسه وعودا محددة واضحة وتعهد أمام الشعب بتنفيذ المطالب الآتية :
أولا : اسقاط الاعلان الدستوري وانتزاع صلاحيات الرئيس كاملة غير منقوصة وتسليم السلطة فعليا وليس رمزيا بمعنى أن يعود الجيش الى ثكناته ويكتفى بمهمة الدفاع عن الوطن ولايتدخل في القرار السياسي بأى شكل وتحت أى مسمى .
ثانيا : الافراج الفوري عن 14 الف معتقل في السجون الحربية واعادة محاكمتهم أمام قاضيهم الطبيعي ومنع محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية
ثالثا : تغيير اللجنة التأسيسية للدستور بحيث تعبر بطريقة أفضل عن ارادة الشعب على ألا يكون للاخوان فيها الاغلبية حتى لايتمكنوا من فرض الدستور الذى يريدونه على الشعب
رابعا : تشكيل حكومة ائتلافية يكون فيها رئيس الوزراء شخصية وطنية مستقلة وتعيين نائبين للرئيس أحدهما امراة والآخر قبطي وتعيين وزراء ثوريين بحيث لا يتجاوز عدد الوزراء الاخوان اكثر من 30 % من عدد الوزراء
خامسا : المحافظة على مدنية الدولة واحترام الحريات الشخصية في حدود القانون وعدم فرض أى زي معين على النساء تحت أى مسمى
سادسا : حماية الأقباط وتحقيق مطالبهم المشروعة التى طالما أهدرت في عهد مبارك
سابعا : المحافظة على حرية التعبير وحماية حرية الابداع في حدود القانون . وعدم التدخل في شئون الفنانين والمبدعين بقيود رجعية متخلفة من شأنها أن تدمر صناعة السينما والابداع الادبي وتعيدنا الى ظلام العصور الوسطى .
هذه العهود قطعها الرئيس مرسي على نفسه أكثر من مرة أمام الشعب المصري وهو يقف الآن في مفترق طرق وأمامه اختياران لاثالث لهما :
- اما أن يتصرف كرئيس منتخب شرعي يمثل الثورة ويخوض معركة سياسية ضد المجلس العسكري لكى ينتزع صلاحياته ويعيد السلطة الى الشعب المصري الذى عاني من حكم العسكر على مدى ستين عاما . عندئذ سيكون واجبنا أن نساند الرئيس بكل قوتنا من أجل تحقيق الهدف الأصيل للثورة وهو انهاء الحكم العسكري ونقل السلطة بشكل حقيقي من العسكر الى الشعب المصري ليحكم نفسه بنفسه بطريقة ديمقراطية لاول مرة منذ ستين عاما
- الاختيار الآخر ( وأرجو الا يحدث ) : أن تلجأ جماعة الاخوان الى التأثير على الرئيس مرسي من أجل دفعه الى المهادنة والليونة السياسية ، عندئذ سيعقد الرئيس صفقة سرية مع المجلس العسكري تمنح الاخوان قدرا من السلطة بقدر ما يسمح لهم المجلس العسكري الذى سيستمر عندئذ في الحكم من وراء الستار بينما تظل سلطة الرئيس شكلية . اذا فعل الرئيس ذلك سيكون قد خذل الشعب وتراجع عن وعوده وقبل ان يعمل مجرد سكرتير للمشير طنطاوي
ان الموقف الذى سيتخذه الرئيس مرسي لن يؤثر فقط في مسار الثورة وانما في مستقبل العالم العربي كله .
من حق الرئيس مرسي أن نمنحه فرصة لتحقيق وعوده ومن واجبنا أيضا أن نصارحه بمخاوفنا وأتمنى أن يكون عند حسن ظن الشعب وينفذ ما تعهد به مهما تعرض للضغوط .
هنا لا أجد أفضل من جملة بليغة يعرفها كل من اشترك في الثورة المصرية . عندما كان جنود الأمن و بلطجية مبارك يهاجمون المتظاهرين ويعتدون عليهم بشراسة .
كان الواقفون في الصفوف الامامية يصيحون في المتظاهرين : اثبت مكانك .. كان هذا النداء يتردد مرة تلو الأخرى فنزداد ثقة في قوتنا وتصميما على الدفاع عن الثورة للنهاية حتى لو قتلونا .
كان المعنى الذى يرسخه النداء في أذهاننا اننا لو تراجعنا لن ننجو بل اننا لو خفنا وركضنا سنمنح المعتدين الفرصة للقضاء علينا وفي كل مرة كنا نعمل بهذا النداء " اثبت مكانك " كنا نتمكن من صد الهجوم وكثيرا ما كان الحال ينقلب فنطارد نحن المعتدين .هذا الثبات هو الذى جعل الثورة بفضل الله تنتصر في النهاية وتتمكن من خلع مبارك من الحكم .. أتمنى ان يحقق الرئيس مرسي مطالب الثورة مهما تكن الضغوط التى يتعرض لها سواء من المجلس العسكري او من جماعة الاخوان .
أيها الرئيس مرسي .. اثبت مكانك .
الديمقراطية هي الحل
Alaa Al Aswany's Blog
- Alaa Al Aswany's profile
- 1830 followers

