مرحلة إنتقالية - قصة قصيرة
وكأن "چيه" لم تكن تعلم أن اتخاذ قرار التقديم على العمل في واحدة من أكبر الشركات العالمية سيكون بمثابة منعطف كارثي على أكثر من مستوى في حياتها، وأن ثمن الخسارة المعنوية والمهنية لا يضاهي العائد المادي والذي.بلا شك أكبر من أي مبالغ اعتادت على امتلاكها طيلة حياتها
الانتقال من المألوف لما هو جديد كان يبدو مريحًا إلى حد ما، ليس لكونه سهلا أو معتادا ولكن لأن چيه شعرت بالحرية الكافية لإلغاء أي قرارات غير جديرة بالشكل الكافي والرجوع إلى نقطة البداية لأن التجربة لا تتشابه مع أحلامها على أية حال، وأي شخص غير مرغوب فيه ما هو إلا جزء من قصة لا ننتمي نحن إليها.
ويبدأ الصراع على المناصب المتاحة للوافدين الجدد يشتد مما ينُشَّط الرغبة لديها على الظهور من وسط المجموعة وحالة من غريزة البقاء بين عالم الأرقام تبدأ في الركل.
إحساس النجاح والتقدم لم يجعل الرجوع إلى نقطة البداية بنفس السهولة بعد الآن، فالآن أصبحنا مرئيين، معروفين وسط الجماعة ولامعين بشكل كبير، بل في عيون الفتيات أكثر من الرجال، تماما مثلما يعجب چيه، وعلى الرغم من سقوطها منهارة إثر مكالمة حادة في أحد الأيام، وتملكها حالة من الذعر في حمام السيدات كان حدث صعب بالشكل الكافي للتنحي إلا أن توالت الأيام والليالي في العمل الجديد ليصبح فقط عمل، والحادثة مجرد يوم سيء، وصولا لنهاية كل شهر والحصول على مبلغ مالي محترم، لم تشهده أبدا چيه سواء في مجالها أو غيره، وتتوالى أكثر لتكون واحدة من أهم موظفين قسمها ويتم الاعتماد عليها في المهام الصعبة من قبل مديريها والآخرون معها، مما وطد علاقاتها بدوائر أكبر وأهم في "البيزنس"، وزاد الثقة بينهم عندما يشار إلى أيا ما كان يخصها.
كان ذلك بالتحديد ما تسعى إليه، فإثبات إنها بمقدار كبر الأحداث وإنها جزء من كل ذلك، ومع هؤلاء الأشخاص يكفي أن يجعلها شخص ناجح.
*تتلقى چيه مكالمة من هاتفها الشخصي*
-ألو؟
-هاي!
-ايه يا بنتي..
- ايه الكلام، انتي في الشغل؟
- يب.
-بقولك، جوبلنز إنهاردة؟ ميري جاية.
- ماشي أنا هخلص على ٨
- حلو..
وبعد رجوعها لمواصلة العمل تسأل نفسها إذا كانت هي لا زالت هي، وإذا كان ما جاء بها إلى تلك المرحلة لا زال ينتظرها، وقبل الاستمرار في التفكير لفترة طويلة تتذكر موعد العيادة، إذا تجاوزت عن حجزه ستضطر أن تنتظر لنهاية الأسبوع التالي، فهي غير متأكدة إذا قدراتها العصبية الحالية تسمح بالأمر.
"سول" صديقتها المقربة تعلم جيدا أن چيه لم تدخل حياة المؤسسات الكبرى تلك إلا لتكملة حلم بدأ بسيط ولكن عملوا عليه سويا بعين وقلب كبيرين، وأن ما سيتم جنيه من تلك الوظيفة أكثر من كافي ليصنع ماركة محلية تعرفها جيدا الصحافة الحديثة أي "السوشيال ميديا".
-*أثناء تغميس البطاطا المحمّرة في الصوص الأحمر تتحمس چيه *: على فكرة ممكن أوي في الويك إند، ننزل نشوف الخامات الجمعة ونشتغل عليها السبت.
*سول وهي ترسم زجاجة لونها أخضر أمامها على ورقة عشوائية وجدتها في حقيبتها*: صح؟ يلا نيك.
چيه: وهكون متابعة معاكي بقى طول الإسبوع، هعرف أكلمك إشطة بس تبقي ماسكة الموبايل دايما وعينك عالدي إمز..
*سول تغمض عينيها بثقة*: ما تقلقيش.
چيه: وماتفتحيش ماسدج إلا لو هتردي عليها، أبوس إيدك!
سول: إشطة إشطة ما تقلقيش والله.
ميري: إنجزوا بقي وإرجعوا تاني، كنتوا جامدين فشخ والله.
چيه: *تملكها حالة من الرعب والإحباط والحماس والأمل معا*: هيحصل، إحنا بس نبطل علوقية.
*يضحكون كلهم وتقل الإضاءة عنهم تدريجيا وتقل الحالة الحماسية معها شيئا فشيء*.
يبدأ يوم أحد جديد، صاخب عن المعتاد، تزداد أحمال العمل الضِعفين تقريبًا ولا يسع "چيه" سوى التفكير في إنهاء كل ما يتم إلقاؤه عليها دون أي خسارة أو الإضرار بحصيلة الناتج الذي بذل عليه مجهود كبير طوال الشهر رغم شعورها بالإرهاق الجسدي والنفسي الشديد، وفي منتصف اليوم تتلقى چيه "إفيه" من مديرها لم تفهمه من أول مرة، وذلك لإنه إشارة لقبولها لعمل كانت متقدمة إليه بمنصب أعلى.
تزداد فرحتها بنجاحها المتواصل بشكل كبير، تشعر تجاهه بالمسئولية، وشيء من الخوف تجاه الماضي غير المكتمل والحاضر غير المتضح ولكن لا يهم، إثبات نفسها كانت رغبة مُلحّة وشعورها أقوى، وبالطبع الحرص على عدم إهدار ما توصلت إليه فلا يوجد وقت لأي شيء سوى تحقيق تلك الذات..
في مكان جديد..
وسط فريق آخر..
متذكرة في مؤخرة رأسها إنها مجرد فترة،
إنتقالية...


