لا.. للسعادة

كتبت: هبه يونس النيل



هل يرفض الإنسانسعادته حقًا، أم أن مفهوم السعادة ذاته أصبح غريبًا عن إنسان ما بعد الحداثةالغارق في الفواتير، الساعات الطويلة، وضغوط البقاء؟ هل المشكلة في النظام العالمي؟ المجتمع؟القبيلة؟ أم أن الإنسان نفسه هو المتسبب الأول في تعاسته؟

 

يحكي أنطوني ديميللوفي كتاب: دقيقة من الحكمة أن رحّالًا سأل السيد عن كلمةً يحملها زادًا في طريقالعودة، فقال له الحكيم: الوعي.

ولما طلب المسافرالشرح، كرّرها: الوعي، الوعي، الوعي.

بالنسبة لديميللو،الوعي هو المفتاح.

هو الطريق إلى مايسميه “الغبطة”—حالة من الانسجام والسكينة، تختلف تمامًا عن متعة قصيرة أو لذةعابرة.

ومن خبرته كمعالجنفسي، يقول إن الناس يأتون للعلاج لا ليشفوا، بل ليخفّفوا الألم فقط. كأنهم يبحثونعن مسكّن، لا عن شفاء.متج اهلين—بوعي أو بدونوعي—لحقيقة بسيطة: أن بعض الأنانية صحية، بل ضرورية ومحمودة.

تظهر هذه الفكرة بوضوحفي العلاقات الرومانسية. في حوارًا مثاليًا تخيليالا يحدث في الواقع:

هي – كيف تختار سعادتكعوضاً عني؟

هو – وكيف لكِ أنتطالبيني بالتنازل عن سعادتي من أجلك؟

وللاستمرار سويا ،أحدالطرفين غالبًا يتجاهل امساك السعادة، والآخر يخفّي تشبثه بالعلاقة تحت أسماءلامعة: “استقرار الأسرة”، “مصلحة الأبناء”، أو “الأمان المادي”. هكذا يصبح رفض السعادةعادة… نوعًا من التمسك ببؤس مألوف بدلاً من قفزة مجهولة.

البعض يعلّق السعادةعلى شروط: سيارة فاخرة، شريك بمواصفات معينة(فتاة بجسم كيم كارداشان أو فتى فيوسامة براد بيت)، أو نجاح ما. كأنهم يقولون: لن أسمح للسعادة بالدخول… قبل أن أحصلعلى كذا وكذا.

لكن السعادة—بالمعنىالعميق—متاحة، مجانية، وقريبة. هي حالة“الغبطة” التي تحدث عنها إريك فروم عندما فند مفهومي الحياة وفقا لمبدأ التملك أوالكينونة: موضحا أن السعادة ليست ما أملك، بل ما أكون.

لكن ديميللو يضيف فكرةمثيرة للجدل: الإنسان لايقرر أن يتغير إلا عندما يلامس قاع الألم. حين يصبح البؤس خانقًا بما يكفي ليتحوّل إلىدفعة تغيير.
نعم، وجودك في علاقة مؤذية قد يتطلب سنوات من المرارة حتى تكتشف أن هناك طرقًاأخرى للعيش. وأن الاعتمادعلى شخص آخر كمصدر للسعادة… أسوأ اختيار.


يشبّه ديميللو المجتمعبآكلي اللوتس في الأوديسّا: مقاتلون اختاروا الخدر بإرادتهم. ويرى أن إنسان اليومأيضًا “نائم”، يرفض الوعي وبالتالي يرفض السعادة.


لكن… هل حقًا نائم؟ أم أنه مستيقظ جدًا، لكنه أسير نظام عالميجديد؟

إنسان هذا العصر بلاأيديولوجيا، بلا هوية جماعية، بلا سردية موحّدة. فيتعلق بالماركات كطوطم في طقس قبلي حديث،ويمارس عبادة البراند كهوية. فهل هو مخدَّرأم متواطئ؟ هل يرفضالوعي؟ أم يغمض عينيه عمدًا ليحافظ على الشعور بالانتماء؟

 

يبالغ ديميللو فيتقديس الألم كأداة تغيير، لكن هناك طرق أخرى: الدهشة والجمال التي دفعت الفن والعمارة عبرالقرون. الفضول الذيمنحنا السريالية وابتكاراتها. كلمة واحدة قدتهزّ روح إنسان جاهز لاستقبالها: “حب غير مشروط”، “الامومة”، “مساعدة الفقراء”. أو حتى فكرة فلسفية كالإنسان الأعلى التيألهمت لكتابة شخصيات معقّدة مثل Tyr Anasaziفي مسلسل اندروميدا (مسلسل يدور في مركبة فضائية ويستعرض طاقم من مجتمع المستقبل منكواكب وأصول مختلفة ، ومنهم Tyr آخر الناجين من قبيلته من النيتشويين – متبعي فلسفة نيتشه- )… حيث يصبحالحوار طوال العمل شعرًا، وفلسفة على جسد وسيم ومفتول العضلات.  

 

يرى ديميللو أنالروحانية طريق السعادة لأنها عملية: ليست دينًا، بل أسلوب حضور. عيش “هنا والآن”، بلا شدّ للماضي ولا قلق منالمستقبل. توازن داخلي لا يعتمد على شخص أو شيء.

لكن تقسيمه للحياة بين“روحاني” و“غير روحاني” يبدو مثاليًا عندما نتذكر أنه رجل دين يعيش في صومعة… طعامه جاهز، سريره موجود، احتياجاته مؤمّنة.

قارن ذلك بسائق توكتوكفي حي فقير يعمل 13 ساعة ويجاهد فقط ليسد احتياجه اليومي. كيف ستطلب منه ألا يرى السعادة في امتلاكموبايل فخم، أو غرفة واسعة، أو حساب بنكي آمن؟

الحقيقة: كلاهما علىحق.

علم النفس الإيجابييقول إن الإنسان يحتاج نوعين من السعادة:

– الغبطة،معنى الحياة، التناغم، السلام.

– واللذاتالصغيرة: وجبة شهيّة، مشروب قوي، حضن دافئ.

 

ويبقى السؤال: هل نرفض السعادة حقًا؟

أم أننا نضعها ضمنقائمة أولويات متعددة —الانتماء، الهوية، العائلة، الأمان، الحب، والقبول؟

هل السعادة هي ما نهربمنه… أم أنها مجرد أولوية بين أولويات كثيرة تتصارع داخل تلك الفجوة داخلنا المسماةوجدان؟


24/11/2025

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 24, 2025 11:35
No comments have been added yet.