أحبك يا خالي فيك رائحة أمي
كانت بلدة تطلقُ على نفسها بلدة التتن والتنباك. كرهتها البلداتُ الأخرى لما تسببهُ من تلوث، لكنها أبتْ أن تنصاع إلا للحرية. ليس لدى الأهالي سوى التدخين واللهو والأنس، يصطادون قليلاً، ينصبون الفخاخَ للطيور كثيراً، يلقون الخيوطَ في البحر وينامون وإذا اهتزتْ سحبوها، يجلبون العمالَ من أرخبيل الزنجبيل، ويعصرونهم في مشاخيل خاصة يخرجون منهم الزيت. ويعرسون ويغنون ويحبون التدخين حباً جماً.
كان في البلدة صعلوك متجبر اسمه قطفان تحكم في بعض أزقة البلدة عبر لكمات حادة يوجهها للرؤوس حتى طروده إلى القفار.
يجتمع الناس كل ليلة ويدخنون ويثرثرون، وفي ليلة العيد الاحتفالية الكبيرة راحوا يدخنون ويحولون دخانهم إلى ألعاب وعرائس وورق نقدي، ثم تراكم الدخانُ وتوحدَّ وتضخم حتى صار عملاقاً هائلاً ففزعوا فزعاً شديداً، وهربوا وتراكضوا في كلِ جهة.
وراح العملاقُ الهائل يمشي في البلدة ويصيح ويبكي، إقتربوا منه، لمسوه فضج. قدموا له إحدى الأبقار فأكلها وهدأ.
في كل يوم كان يمشي صارخاً فيقدمون له ذبيحة فيسكن، وقالوا هذا عمل متعب، أليس لنا من عمل إلا أن نطعم هذا العملاق الكسول فكيف ندخن؟ لماذا لا نعيد قطفان ونجعله يذبح هذا العملاق ونتخلص منه؟
ذهبوا لقطفان في الكهف الذي آوى إليه فرأوه مع خاله وعائلته الصغيرة، يقدم لحم عنزة لخاله المريض، فكبروا وحيوه. وعرضوا عليه المعضلة فوافق على قتل الوحش. حمل خاله وجر عائلته وسكن في أفخم دار، وجعل من خاله سكرتيراً عامة لكافة مشكلات الأمة، وابن خاله مسؤولاً عن الأسواق الشعبية، وبنت خاله مسؤولة المشتريات للديرة كلها، وابن بنت خاله رقيباً عاماً على التدخين فبنى له قصراً، وآوى الوحش العملاق قربه يعطيه كل يوم أربع ذبائح من الماعز السمين، وأدارَ قريبُ خاله من جهة الأب ميزانية البحر، وصارت البلدة في حيرة وغموض موقف وتعب حال من كثرة العمل وغياب التسلية وصعوبات التدخين، فذهبوا لقطفان وسألوا عن قتل الوحش الذي تضخم وصار أكبر من الجبل وكل يوم هو في صحة جيدة وعلو، ثم قالوا إن هذا لا يهمهم كثيراً لكن الخال صار له كل شيء في البلدة ويجلب أولاداً وأقرباء كثيرين ويعطيهم القوارب والسفن والشصوص والشباك؟ وصار يستورد الدخان ويحدد كيفية تدخينه وإتجاهاته ومن أخطأ في ذلك تعرض لعقوبة مالية كبيرة؟
فصرخ فيهم هل تريدون أن أهين خالي وفيه رائحة أمي؟
فأمسك بضعةً منهم وقدمهم غذاءً للعملاق، فصمت الآخرون.
تحسروا على أيام كان الوحش فيها طيباً يمشي في الشوارع بهدوء ولا يأكل إلا الغنم والدجاج.


