المعنى اللانهائي لتفاصيل الخيبة المتراكمة
جمال الموساوي
يشبه الخوض في شعرية ما بعد الحداثة نوعا من التورط في رمال متحركة. السبب بسيط. ليس هناك تمثُّل واحد ومحدد للمفهوم الذي نتعامل معه. أصحابه أنفسهم قبائل ونحلٌ قد تتوافق جزئيا، وقد تتنافرُ كليا. لكن قبل ذلك سيظل السؤال الأساسي في العالم العربي عالقا في ما يتعلق بمسألة الحداثة أولا. هل اكتملت شروطها واستوت حتى يكون بالإمكان الحديث عن مرحلة ما بعد الحداثة اللاحقة؟
ما هو مؤكد، أننا عبرنا، عنوة، من مرحلة الحداثة التي يفترض أن من مقوماتها اعتبار الإنسان مركزا للكون، وتمكينه بالتالي من استعمال عقله وكل ملكاته بحرية كاملة لتأمل وتفسير أسرار الحياة وظواهرها، من أجل الدخول إلى مرحلة أخرى تشكك في قدرة العقل على الإحاطة بكل التفسيرات الممكنة للوجود، حيث لا شيء ثابت أو "محدد"، وأن كل ما يحدثُ هو سيرورة متواصلة. ويبدو طبيعيا عدم الثبات هذا في ضوء الانفتاح الشامل للإنسان على ما حوله. لقد باتت المعرفة مطرا من السماء وغبارا من الأرض، قريبةً مثل قطوف دانية، بشكل باتت معه الأفكار تتجول في العالم من أقصاه إلى أقصاه، في زمن حقيقي وبضغطة زر.
وإذا كان مما يوجَّه للحداثة كنقدٍ كونها جعلت من النخبة مالكةً محتكرةً للمعرفة، فما بعد الحداثة، بفضل التطور التكنولوجي العالي الذي لا يهدأ، كسرت ذلك وأدمجت الجمهور الواسع في بحر المعرفة اللامتناهي. ففي سياق راهنيّ سماتُه نهاية المسلمات أو على الأقل التشكيك المتواصل فيها وانتزاعها مما يحيط أحيانا ببعضها من قداسة، يبدو الشعر هو الآخر واجهة من الواجهات التي تطل منها ما بعد الحداثة لتكرس نفسها كنمط تفكير وأسلوب حياة. نمط يتخفف من كل الأعباء الإيديولوجية الوضعية منها، والدينية، ويتخفف معه الشعر من القوالب القديمة التي هدمتها الحداثة، أو تلك التي حاولت هذه الأخيرة تأسيسها وتكريسها، وإن كان هناك من يَنظر إلى هذا القديم بعين ترى فيه منبعا يمكن النهل منه باستمرار. وعلى هذا النحو عندما نتأمل مبدأ أساسيا من المبادئ التي أسس عليها المنظرون لما بعد الحداثة كالدفاع عن غياب الحقائق المطلقة ونسبية العقل في تفسير الوجود، فهذا يعني أن كل الأفكار والتفسيرات ممكنة وصحيحة بقدر ما، في الشعر وفي غير الشعر.
ولعل من تجليات هذه الحالة أن نقد الشعر بات غير قادر على وضع معايير مرجعية لتحديد الشعر من غيره من أنواع الكتابة الإبداعية الأخرى. إن هذه الخلاصة تقود تلقائيا إلى تجلٍّ أكبر، يتمثل في انتفاء الحدود بين الأجناس الإبداعية حتى صار بالإمكان قراءة قصيدة شعرية ذات نفس نثري خالص. أيضا يمكن الإشارة إلى تجلٍّ آخر لما بعد الحداثة في الشعر هو الغياب شبه الكلي للرموز التاريخية والدينية والأسطورية بالشكل الذي تم استعمالها في بدايات الحداثة الشعرية العربية. فإذا كان الشعر في تلك المرحلة قد اتكأ على هذه الرموز للتعبير عن رؤية شعرائها للوجود حيث استحضروها بما تمثله من حمولات ثورية ومن نوازع التمرد لتجسيد تطلعاتهم نحو المستقبل، فإن شعر ما بعد تلك المرحلة خاصة منذ العشرية الأخيرة من القرن الماضي قد نحا منحى مغايرا قوامه الرغبة في تقويض ما تمثله تلك الرموز من مسلماتٍ وهدمها، سواء من خلال التشكيك فيها أو محاولة النيل منها من خلال تعريضها للسخرية، ونزع الدلالات الثابتة عنها أو، ببساطة، من خلال تجاهلها.
لقد تعرض شعر مرحلة ما بعد الحداثة لتحوُّلٍ جوهري همَّ جوانب مختلفة بدءا من بنية الكتابة التي لم تعد تهتم بوحدة النص وصولا إلى "مخرجاتها"، أي إلى المعنى الذي بات خارج النص. فكما أن الإنسان هو نسيجُ التطور المستمر للمجتمع، فإن الشاعر هو أيضا جزء من هذا النسيج. والتطورُ إذ يعني التحولَ والتبدلَ في المستجدات، فإن النص الشعري بالتبعية لم يعد نصا جامدا، بل إنه ينتج عددا غير محدود من المعاني وذلك وفقا لتعدد القراء ولدرجة وعي كل قارئ ولقدْرِ مواكبته واستجابته للتحولات الجارية في بيئته. لقد كان القدماء ينظرون إلى الشاعر باعتباره المالك الوحيد للمعنى وصانعَه، ثم انتقل الأمر في مراحل لاحقة إلى البحث عن المعنى انطلاقا من بنية النص والعلاقات بين كلمات المعجم، إلا أن المرحلة الحالية، مرحلة ما بعد الحداثة، قد نقلت، بلغة القانونيين، "عبء إثبات المعنى" كلية إلى القارئ. بمعنى آخر، تراهن الكتابة الشعرية على وجود قارئ معنيّ مباشرة بالنص، في الحالة النفسية ذاتها، وفي الظروف المحيطة بإنتاجه ، وبالتالي لا يمكن لهذا المعنى إلا أن يكون متعددا وغير ثابت من متلق لآخر.
ما قد يبدو مثيرا في شعر ما بعد الحداثة العربي، وهو حكم يناقش، كونه لم ينبع من إرادة تَجاوُز منجزات الحداثة التي وإن تحققت في الشعر من خلال التخلي عن قوالب وأغراض الشعر العربي القديم، فهي لم تتجسد على أرض الواقع. مختلفُ الدول في المنطقة العربية لم تنتج من الحداثة إلا الكثير من الكلام. وبنظرة سريعة يمكن التأكد من أن الإنسان لم يكن يوما في مركز اهتمام سياسات الدولة بل مجرد تابع لمنظومة من الأفكار والمعتقدات "النهائية"، وأن العقل لايزال، تبعا لذلك، خاضعا لأنواع متعددة من الحجر تحدُّ من قدرته على التفكير الحرّ، وأن مؤسسات المجتمع ليست ديموقراطية بالكامل وأن حرية الاختيار غير ممكنة كليا أو جزئيا.
لذلك، وعوضا عن التجاوز، فإن الشعر الذي يُكتبُ في سياق ما بعد الحداثة إنما هو نابع من الشعور المستحكم بالإحباط من عدم نجاح أفكار الحداثة في مجالات الحياة الأساسية، بالرغم من نجاحها في الشعر على أيدي الرواد ومن حمل المشعل من بعدهم. ليس هذا فقط، بل إن تطور التكنولوجيا وارتفاع منسوب استعمال مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة فرض على الشعراء العرب هذا التحول، وليس التجاوز، والانخراط في أفق ما بعد الحداثة كما نظَّر له الآخرون في الغرب تمردا منهم على الحداثة وقوانينها.
إذن، لقد ارتبطت مرحلة ما بعد الحداثة عند العرب بركام من الإحباطات والخيبات التي ضيعت على الإنسان في المنطقة وضوح الرؤية للمستقبل، ولم ترتبط بنوع من الضجر من "تخمة" منجزات الحداثة. هذه الخلاصة تفسر، إلى حد بعيد، تلك السمات التي تميز الشعر الذي يكتبُ حاليا. سماتٌ تتجلى بالأساس في: أولا، كتابة تفاصيل الحياة التي تبدو صغيرة وهامشية، في لغة تنحو أكثر فأكثر نحو النثرية بما يمثل تكريسا متزايدا لهيمنة قصيدة النثر على المشهد الشعري في العالم العربي، كشكل يكسر القوالب القديمة والحديثة التي أسسها الرواد من جهة، ويتخلى عن القوانين التي حاول شعراء قصيدة النثر العرب الأوائل وضعها بما في ذلك الموسيقى الداخلية والغموض الذي جعل من الشعر فنا نخبويا. ثانيا، محاولة تقويض السلطة المهيمنة، أيا كان مصدرها، من خلال نقدِ ما أُشِيرَ إليه سابقا بالأفكار والمعتقدات "النهائية"، وأيضا نقد المظاهر التي تطبع الحياة المعاصرة التي يطغى عليها الاستهلاك وتشييء الإنسان ونوعٌ من التنميط نتيجة العولمة. ثالثا، التخلي عن الاتكاء على الرموز التاريخية والأسطورية لحساب الاهتمام أكثر بمعطيات الحياة اليومية، وأحيانا لحساب محاورة ومساءلة جوانب في الموروث الثقافي العربي وغير العربي نقدا وسخريةً وتشكيكا، بما يكرس رؤية موغلة في العدمية وفي نوع من الفوضوية (العائدة) المميزة بشعارها "لا إله ولا سيد" . رابعا، استغلال الإمكانيات اللامحدودة التي أتاحتها تكنولوجيا المعلومات في التزود بالمعرفة التي تمثل أحد المكونات الأساسية في شعر هذه المرحلة، وأيضا في نشره وتعميمه على نطاق واسع، في تجاوزٍ أو بالموازاة مع الوسائط التقليدية كالكتاب والصحيفة بما يضمن توسيع دائرة الجمهور خارج النخبة، وتحقيق إشراك القارئ في إنتاج المعنى. خامسا، وقد تتناقض هذه الفكرة مع مبدأ الانتشار الواسع، يتسم شعر ما بعد الحداثة بالغوص في الذات أكثر والتخلي عن القضايا التي كانت تسمى كبيرة والتي كانت، إلى حد بعيد، مصدرا للكثير من الخيبات والإحباط، أو بعبارة أخرى فإن شعر هذه المرحلة يعمل على تفكيك تلك القضايا إلى جزئيات وتناولِها متشظية بلغةٍ تقترب من الحديث اليومي ومن النثر الخالص.
هذه السمات الدالة على دخول الشعر الذي يكتب منذ نحو ثلاثين سنة في العالم العربي إلى مرحلة ما بعد الحداثة، قد تخفي وراءها وجود قصيدة نمطية، يكتب الشعراء على منوالها تنويعاتٍ، وأنها هي ما يشكل المشهد الشعري العام، ولا تمنح بالتالي للقارئ إمكانية التمييز والغربلة. بيد أن الواقع أعمق من مجرد فكرة مسبقة. فبالرغم من انتفاء معايير التقييم والقياس، كمبدأ من مبادئ المرحلة، إلا أنه من الممكن الحكم على قيمة ما يكتب انطلاقا من كمِّ ونوع المعرفة التي يتسلح بها الشاعر والقارئ على السواء. الشاعر يكتب ويحاور قضايا الحياة المعاصرة ويسائل الموروث، بينما القارئ يقرأ وينتج المعنى. المعنى اللانهائي !
يشبه الخوض في شعرية ما بعد الحداثة نوعا من التورط في رمال متحركة. السبب بسيط. ليس هناك تمثُّل واحد ومحدد للمفهوم الذي نتعامل معه. أصحابه أنفسهم قبائل ونحلٌ قد تتوافق جزئيا، وقد تتنافرُ كليا. لكن قبل ذلك سيظل السؤال الأساسي في العالم العربي عالقا في ما يتعلق بمسألة الحداثة أولا. هل اكتملت شروطها واستوت حتى يكون بالإمكان الحديث عن مرحلة ما بعد الحداثة اللاحقة؟
ما هو مؤكد، أننا عبرنا، عنوة، من مرحلة الحداثة التي يفترض أن من مقوماتها اعتبار الإنسان مركزا للكون، وتمكينه بالتالي من استعمال عقله وكل ملكاته بحرية كاملة لتأمل وتفسير أسرار الحياة وظواهرها، من أجل الدخول إلى مرحلة أخرى تشكك في قدرة العقل على الإحاطة بكل التفسيرات الممكنة للوجود، حيث لا شيء ثابت أو "محدد"، وأن كل ما يحدثُ هو سيرورة متواصلة. ويبدو طبيعيا عدم الثبات هذا في ضوء الانفتاح الشامل للإنسان على ما حوله. لقد باتت المعرفة مطرا من السماء وغبارا من الأرض، قريبةً مثل قطوف دانية، بشكل باتت معه الأفكار تتجول في العالم من أقصاه إلى أقصاه، في زمن حقيقي وبضغطة زر.
وإذا كان مما يوجَّه للحداثة كنقدٍ كونها جعلت من النخبة مالكةً محتكرةً للمعرفة، فما بعد الحداثة، بفضل التطور التكنولوجي العالي الذي لا يهدأ، كسرت ذلك وأدمجت الجمهور الواسع في بحر المعرفة اللامتناهي. ففي سياق راهنيّ سماتُه نهاية المسلمات أو على الأقل التشكيك المتواصل فيها وانتزاعها مما يحيط أحيانا ببعضها من قداسة، يبدو الشعر هو الآخر واجهة من الواجهات التي تطل منها ما بعد الحداثة لتكرس نفسها كنمط تفكير وأسلوب حياة. نمط يتخفف من كل الأعباء الإيديولوجية الوضعية منها، والدينية، ويتخفف معه الشعر من القوالب القديمة التي هدمتها الحداثة، أو تلك التي حاولت هذه الأخيرة تأسيسها وتكريسها، وإن كان هناك من يَنظر إلى هذا القديم بعين ترى فيه منبعا يمكن النهل منه باستمرار. وعلى هذا النحو عندما نتأمل مبدأ أساسيا من المبادئ التي أسس عليها المنظرون لما بعد الحداثة كالدفاع عن غياب الحقائق المطلقة ونسبية العقل في تفسير الوجود، فهذا يعني أن كل الأفكار والتفسيرات ممكنة وصحيحة بقدر ما، في الشعر وفي غير الشعر.
ولعل من تجليات هذه الحالة أن نقد الشعر بات غير قادر على وضع معايير مرجعية لتحديد الشعر من غيره من أنواع الكتابة الإبداعية الأخرى. إن هذه الخلاصة تقود تلقائيا إلى تجلٍّ أكبر، يتمثل في انتفاء الحدود بين الأجناس الإبداعية حتى صار بالإمكان قراءة قصيدة شعرية ذات نفس نثري خالص. أيضا يمكن الإشارة إلى تجلٍّ آخر لما بعد الحداثة في الشعر هو الغياب شبه الكلي للرموز التاريخية والدينية والأسطورية بالشكل الذي تم استعمالها في بدايات الحداثة الشعرية العربية. فإذا كان الشعر في تلك المرحلة قد اتكأ على هذه الرموز للتعبير عن رؤية شعرائها للوجود حيث استحضروها بما تمثله من حمولات ثورية ومن نوازع التمرد لتجسيد تطلعاتهم نحو المستقبل، فإن شعر ما بعد تلك المرحلة خاصة منذ العشرية الأخيرة من القرن الماضي قد نحا منحى مغايرا قوامه الرغبة في تقويض ما تمثله تلك الرموز من مسلماتٍ وهدمها، سواء من خلال التشكيك فيها أو محاولة النيل منها من خلال تعريضها للسخرية، ونزع الدلالات الثابتة عنها أو، ببساطة، من خلال تجاهلها.
لقد تعرض شعر مرحلة ما بعد الحداثة لتحوُّلٍ جوهري همَّ جوانب مختلفة بدءا من بنية الكتابة التي لم تعد تهتم بوحدة النص وصولا إلى "مخرجاتها"، أي إلى المعنى الذي بات خارج النص. فكما أن الإنسان هو نسيجُ التطور المستمر للمجتمع، فإن الشاعر هو أيضا جزء من هذا النسيج. والتطورُ إذ يعني التحولَ والتبدلَ في المستجدات، فإن النص الشعري بالتبعية لم يعد نصا جامدا، بل إنه ينتج عددا غير محدود من المعاني وذلك وفقا لتعدد القراء ولدرجة وعي كل قارئ ولقدْرِ مواكبته واستجابته للتحولات الجارية في بيئته. لقد كان القدماء ينظرون إلى الشاعر باعتباره المالك الوحيد للمعنى وصانعَه، ثم انتقل الأمر في مراحل لاحقة إلى البحث عن المعنى انطلاقا من بنية النص والعلاقات بين كلمات المعجم، إلا أن المرحلة الحالية، مرحلة ما بعد الحداثة، قد نقلت، بلغة القانونيين، "عبء إثبات المعنى" كلية إلى القارئ. بمعنى آخر، تراهن الكتابة الشعرية على وجود قارئ معنيّ مباشرة بالنص، في الحالة النفسية ذاتها، وفي الظروف المحيطة بإنتاجه ، وبالتالي لا يمكن لهذا المعنى إلا أن يكون متعددا وغير ثابت من متلق لآخر.
ما قد يبدو مثيرا في شعر ما بعد الحداثة العربي، وهو حكم يناقش، كونه لم ينبع من إرادة تَجاوُز منجزات الحداثة التي وإن تحققت في الشعر من خلال التخلي عن قوالب وأغراض الشعر العربي القديم، فهي لم تتجسد على أرض الواقع. مختلفُ الدول في المنطقة العربية لم تنتج من الحداثة إلا الكثير من الكلام. وبنظرة سريعة يمكن التأكد من أن الإنسان لم يكن يوما في مركز اهتمام سياسات الدولة بل مجرد تابع لمنظومة من الأفكار والمعتقدات "النهائية"، وأن العقل لايزال، تبعا لذلك، خاضعا لأنواع متعددة من الحجر تحدُّ من قدرته على التفكير الحرّ، وأن مؤسسات المجتمع ليست ديموقراطية بالكامل وأن حرية الاختيار غير ممكنة كليا أو جزئيا.
لذلك، وعوضا عن التجاوز، فإن الشعر الذي يُكتبُ في سياق ما بعد الحداثة إنما هو نابع من الشعور المستحكم بالإحباط من عدم نجاح أفكار الحداثة في مجالات الحياة الأساسية، بالرغم من نجاحها في الشعر على أيدي الرواد ومن حمل المشعل من بعدهم. ليس هذا فقط، بل إن تطور التكنولوجيا وارتفاع منسوب استعمال مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة فرض على الشعراء العرب هذا التحول، وليس التجاوز، والانخراط في أفق ما بعد الحداثة كما نظَّر له الآخرون في الغرب تمردا منهم على الحداثة وقوانينها.
إذن، لقد ارتبطت مرحلة ما بعد الحداثة عند العرب بركام من الإحباطات والخيبات التي ضيعت على الإنسان في المنطقة وضوح الرؤية للمستقبل، ولم ترتبط بنوع من الضجر من "تخمة" منجزات الحداثة. هذه الخلاصة تفسر، إلى حد بعيد، تلك السمات التي تميز الشعر الذي يكتبُ حاليا. سماتٌ تتجلى بالأساس في: أولا، كتابة تفاصيل الحياة التي تبدو صغيرة وهامشية، في لغة تنحو أكثر فأكثر نحو النثرية بما يمثل تكريسا متزايدا لهيمنة قصيدة النثر على المشهد الشعري في العالم العربي، كشكل يكسر القوالب القديمة والحديثة التي أسسها الرواد من جهة، ويتخلى عن القوانين التي حاول شعراء قصيدة النثر العرب الأوائل وضعها بما في ذلك الموسيقى الداخلية والغموض الذي جعل من الشعر فنا نخبويا. ثانيا، محاولة تقويض السلطة المهيمنة، أيا كان مصدرها، من خلال نقدِ ما أُشِيرَ إليه سابقا بالأفكار والمعتقدات "النهائية"، وأيضا نقد المظاهر التي تطبع الحياة المعاصرة التي يطغى عليها الاستهلاك وتشييء الإنسان ونوعٌ من التنميط نتيجة العولمة. ثالثا، التخلي عن الاتكاء على الرموز التاريخية والأسطورية لحساب الاهتمام أكثر بمعطيات الحياة اليومية، وأحيانا لحساب محاورة ومساءلة جوانب في الموروث الثقافي العربي وغير العربي نقدا وسخريةً وتشكيكا، بما يكرس رؤية موغلة في العدمية وفي نوع من الفوضوية (العائدة) المميزة بشعارها "لا إله ولا سيد" . رابعا، استغلال الإمكانيات اللامحدودة التي أتاحتها تكنولوجيا المعلومات في التزود بالمعرفة التي تمثل أحد المكونات الأساسية في شعر هذه المرحلة، وأيضا في نشره وتعميمه على نطاق واسع، في تجاوزٍ أو بالموازاة مع الوسائط التقليدية كالكتاب والصحيفة بما يضمن توسيع دائرة الجمهور خارج النخبة، وتحقيق إشراك القارئ في إنتاج المعنى. خامسا، وقد تتناقض هذه الفكرة مع مبدأ الانتشار الواسع، يتسم شعر ما بعد الحداثة بالغوص في الذات أكثر والتخلي عن القضايا التي كانت تسمى كبيرة والتي كانت، إلى حد بعيد، مصدرا للكثير من الخيبات والإحباط، أو بعبارة أخرى فإن شعر هذه المرحلة يعمل على تفكيك تلك القضايا إلى جزئيات وتناولِها متشظية بلغةٍ تقترب من الحديث اليومي ومن النثر الخالص.
هذه السمات الدالة على دخول الشعر الذي يكتب منذ نحو ثلاثين سنة في العالم العربي إلى مرحلة ما بعد الحداثة، قد تخفي وراءها وجود قصيدة نمطية، يكتب الشعراء على منوالها تنويعاتٍ، وأنها هي ما يشكل المشهد الشعري العام، ولا تمنح بالتالي للقارئ إمكانية التمييز والغربلة. بيد أن الواقع أعمق من مجرد فكرة مسبقة. فبالرغم من انتفاء معايير التقييم والقياس، كمبدأ من مبادئ المرحلة، إلا أنه من الممكن الحكم على قيمة ما يكتب انطلاقا من كمِّ ونوع المعرفة التي يتسلح بها الشاعر والقارئ على السواء. الشاعر يكتب ويحاور قضايا الحياة المعاصرة ويسائل الموروث، بينما القارئ يقرأ وينتج المعنى. المعنى اللانهائي !
Published on January 17, 2024 13:06
No comments have been added yet.


