الكريسمس بين التسامح والتمسّح

alrai christmas 20dec2022 p19


نُشرت في جريدة الراي، عدد الثلاثاء 20 ديسمبر 2022، صفحة 19.


حاشا وكلا! كيف يأتي موسم "الكريسمس" دون أن تدور المعركة الفكرية السنوية الطاحنة؛ نحتفل أم لا نحتفل؟ نضع شجرة كريسمس أم لا؟ ومتابعة هذا السجال ممتعة، فباستعراض حجج كل فريق يمكننا أن نفهم شيئا عن عقلية الإنسان العربي اليوم؛ كيف يفكّر، وكيف يبرّر، وكيف يقرّر.


نعلم أن تلك الشجرة رمز للاحتفال بميلاد يسوع عليه السلام، ابن الرب وفق المعتقد المسيحي. ونعلم جيدا أن هذه الفكرة تُصادم أصلا في عقيدتنا. لكننا كذلك نعلم -وبنَصّ القرآن الكريم- أن أقرب الناس مودة لنا هم المسيحيون، هم قوم نتعامل معهم بالبِر والقسط. ويبدو أن العقلية العربية تفترض أن برّنا بالمسيحين يعني حكما مُبرما بأن نوافقهم في كل أمرهم لئلا نجرح حبل المودة. وأظن أن هذا تنطّع مزعج سيتعجب منه المسيحيون أنفسهم. أتذكر حوارا جمعني بفتاة بريطانية وقد توثقت علاقتنا، فسألتني قبيل احتفالاتهم بالكريسمس بمنتهى التهذيب: "هل تحتفلون بالكريسمس؟"، فأخبرتها بأننا لا نفعل. وظل حبل الود، ولم تظن بي قلة التسامح. وأنا بدوري لا أتوقع من معارفي غير المسلمين الاحتفال معي بقدوم رمضان أو بالعيدين. بأي حق أطلب مثلا من مسيحي يرى أن الذبيح هو إسحاق، أن يحتفل معي بعيد نستذكر فيه أن الذبيح هو إسماعيل؟ مما تعلمت في الحياة أن المداراة الزائدة دليل على علاقة سطحية لم تُختبر، وأن النقاشات غير المريحة هي التي توثق علاقتنا بالآخرين. العلاقة الصادقة والمتكافئة هي التي نختلف فيها في الآراء، ثم نخرج بعد كل هذا وليس في قلوبنا شيء.


مَن يحتفلون بالكريسمس متعللين بأنّ هذا من باب التوادّ مع ديانة سماوية لها إجلالها، يغفلون عن كون الكريسمس -أدركْنا أم لم ندرك- بات أيضا منتَجا للحضارة الغربية وممثِلا لها. الكريسمس اليوم رمز مزدوج؛ يعبر عن هوية دينية، لكنه أيضا يعبر عن هوية حضارية. فقد نجد في الغرب مَن لم يذهب للكنسية قط في حياته، لكنه يزيّن بيته بزينة الكريسمس لأنه يشكل جزءا من هويته الحضارية والثقافية والتراثية. هذه السطوة النفسية والإعلامية لشجرة الكريسمس، ومألوفية اللونين الأخضر والأحمر، صارت بصمة لحضارة الغرب. فالسؤال، هل الاحتفال هنا حقا من باب التوادّ الديني، أم هو انبهار بالغرب المتقدم وتماهٍ معه؟


نعرف الإجابة حينما نتابع الموجة المتصاعدة في السنوات الأخيرة للاحتفال بالهالوين. وهذه مناسبة غير دينية، فأي تسامح ديني يمارسه المحتفلون بها؟ لا تسامح في الأمر، بل تمسّح بمنتَج من منتجات حضارة وهوية نراها أفضل وأقوى. هي محاولة لتقمص حالة القوة بمحاكاة ما يفعله أبناء تلك الحضارة. وهذا ما شرحه ابن خلدون بقوله: "المغلوب مُولَع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده".

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 20, 2022 00:57
No comments have been added yet.