يا رفيقة الروح
أتعلمين يا رفيقة أنني لم أكن أكتب عن الحزن اليومي الذي يأتي ليرحل، وإنما كنت أكتب عن الحزن الذي استفحل في الروح حتى تمكن، لذلك حذفت كل ما كتبته وألقيت به في سلة المهملات. يا ليت يا رفيقة لو نستطيع أن نحذف بعض الأشياء التي تؤلمنا بنقرة زر (ديليت) ثم يختفي كأنه لم يكن.
من الخطأ أن نكتب والجرح لا يزال طريًا، سيزداد عمقًا، من الخطأ أن نكتب بعدما يندمل، سوف ينز من جديد، لذلك يجب أن نحترس عند الكتابة.
خدعونا حينما قالوا الكتابة تداوي جراح الروح، هي تداويها في مرحلةٍ ما، لكن إذا تجاوزنا تلك المرحلة تصبح الكتابة نوع من أنواع الانتحار، يجب أن نعرف متى تكون دواءنا ومتى تصبح داءنا، فنتوقف.
اعلمي يا رفيقة أننا حينما نحبس دموعنا في ورق سيأتي يومًا ما وتنهمر علينا دفعة واحدة دون أن تكون لدينا مظلة لتحمينا، سوف تنهمر حتى تكاد تهلكنا دون أن نستطيع أن نذرف دمعة واحدة، بعدما استنفدنا كل دموعنا.
اعلمي يا رفيقة أن تلك الأحداث السيئة التي يحاول البعض منا محوها من ذاكرتنا ما هي سوى الخبرة، لو كان يمكن محوها فإننا بذلك سوف نمحو خبرتنا في الحياة، هل فهمتِ يا رفيقة لما الله جعلنا لا نستطيع محوها، لذلك يجب أن نتأقلم معها وننسى أننا نريد أن ننساها؛ لأن نسيانها سيفقدنا جزء من ذاكرتنا، وفقدان الذاكرة يقود إلى الزهايمر - والعياذ بالله- أتعلمين يا رفيقة أننا حينما ندرك ذلك جيدا سوف نتصالح مع الحياة، والتصالح مع الحياة ليس إلا تصالح مع الذات، حينئذٍ سوف يملأ الرضا قلوبنا، ومن لا يملأ الرضا قلبه مصيره الجنون أو الهلاك.
أتعلمين يا رفيقة أن أخطر الأشياء هي الذكريات القديمة المركونة في آخر رف من الذاكرة، حينما تباغتكِ على حين غفلة، في كل مرة تطل برأسها البغيض تمد لكِ لسانها وتتحداكِ على نسيانها، بعد مضي العمر ستدركين جيدًا أنه لا فائدة من النزال معها، لذلك يجب علينا أن نتسامح معها، وأن نصادقها ونعقد صلحًا معها، وبما أننا تصالحنا مع ذكرياتنا القديمة، يجب علينا أن نتصالح مع الذكريات المؤلمة الجديدة حتى لا نكرر أخطاءنا، فلا فائدة من مقاومتها، ما دامت في كل مرة تشتد ضراوة، فتهزمنا.
أتعلمين يا رفيقة الروح لما نصل أثناء رحلتنا نحو النسيان لحافة الجنون؟ لأن النسيان يعني تدهور الذاكرة، والذاكرة هي التي تحرك حياتنا وتجعل لها معنى، محاولة نسيان جزء منها بإرادتنا يجعلها تتدهور، يجب أن يكون النسيان شيئًا روتينيًا تقوم به الذاكرة دون جهد منا، ولا يمكن أن يحدث ذلك بإرادتنا مهما حاولنا واجتهدنا، ولن نزيد الذكريات المؤلمة التي نريد محوها سوى تثبثًا أكثر، لذلك الحل هو الرضا، حتى تحفنا السكينة والطمأنينة، وحينما تسكن الروح المضطربة تصل إلى مرحلة السلام الروحي، الذي ينفق معظم البشر جل حياتهم للوصول إليه، وحين الوصول أو الاقتراب منه يتجلى لنا نور الحكمة، فينير ظلمة أرواحنا.
عزة الكمياني
عزة محمد الكمياني's Blog
- عزة محمد الكمياني's profile
- 4 followers

