فزاعة السامية: زولا يحتج!
معاداة السامية، هي أحد أهم التهم التي توجه لكارهي اليهود، أو منكري محرقة الهولوكست، أو حتى من يرونها مبالغ في التعبير عن مأساتها، واختلفت الآراء حول أسباب المحرقة، فأخرجها البعض من فئة الاضطهاد العرقي إلى أسباب طبيعية للحداثة في الغرب، واختلفت أيضا الآراء حول مبدأ معاداة السامية الذي اعتبره البعض يحجر على الرأي، ويجرم النقاش في هذه القضية الحساسة.
قضية مهمة أثيرت في نهايات العام 1894 حين اتهم نقيب في الجيش الفرنسي ، يهودي الديانة، بإرسال معلومات هامة وملفات سرية إلى الجيش الألماني، الأمر الذي قسم المجتمع وقتها إلى جزء يعتقد بخيانة المتهم، وهو الفريق الذي أشيرت إليه أصابع الاتهام بمعاداة السامية، القسم الثاني كان يدافع عن المتهم، أحد هؤلاء الذين تبنوا الدفاع كان الروائي الفرنسي إيميل زولا، والذي كتب مقالا هاما هو "إني أتهم"، والذي وزعت الجريدة التي كُتب بها 300 ألف نسخة في غضون ساعات من صدورها.
"إميل زولا يكتب: إني أتهم، بعد مرور مائة عام ماذا فعل؟ زولا يحتج!".. هكذا تحدث محامي دفاع المفكر الفرنسي روجيه غارودي، حين وقف في ساحة المحكمة متهما بمعاداة السامية، وفقا لقانون غيسو الذي يعاقب على إنكار أي جرائم ضد الإنسانية، وأضاف المحامي في دفاعه، الذي أورده روجيه غارودي في كتابه: هذه وصيتي للقرن ال21، أن أحدا لم يتحدث عن شعب "الأبورجين" المواطنين الأصليين الذين كانوا يسكنون استراليا، والأثيوبيين ضحايا الحرب العالمية الثانية، وضحايا هيروشيما واناجزاكي، والكتيبة اليابانية 137 التي أبادت الصينين، ومائة ألف ماتو في مدغشقر والجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية، من يفكر في هؤلاء الضحايا؟ يذكرون المحرقة ويهملون الآخرين الذين ماتوا في معسكرات النازية.
قريبا من هذا المفهوم عرضت +AJ التابعة لقناة الجزيرة، الجمعة 17 مايو/آيار، مقطعا مصورا على منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي للمدونة منى حوا تتحدث فيه عن محرقة الهلوكوست، لكن بطريقة ما، وبعد السرد التاريخي للواقعة، تتحدث المدونة الشابة، عن أطراف آخرين تعرضوا للاضطهاد من هتلر وأنه، أي هتلر، لم يكن يعادي اليهود ويضطهدهم عرقيًا وحدهم، ثم تستطرد بأن اليهود اتخذوا من المحرقة قصة تراجيدية ساعدتهم في تحسين صورتهم عالميا، وتخلد ذكرى المأساة بمتاحف في دول متعددة، رغم هذا يشهد العالم وحشيتهم مع الشعب الفلسطيني بنفس مبررات النازية التي ينكرونها، فكيف إذن يطلب من الفلسطينيون التعاطف مع الهولوكوست؟
المقطع قلل من شأن المحرقة وكأنها جريمة عابرة أخذت أكبر من حجمها، كما وردت به بعض المغالطات، فعلى سبيل المثال قالت ضمن ما قالت أن اليهود إنما هاجروا إلى فلسطين بسبب اضطهاد هتلر النازي لهم، في حين أن هذه لم تكن الهجرة الأولى لليهود، فالاستطيان الأول لهم كان في العام 1881 هربا من الحكومة القيصرية في روسيا، بحسب ما يورد أحمد زكي الدجاني في كتابه مأساة فلسطين بين الانتداب البريطاني ودولة إسرائيل، وأن هؤلاء اليهود هاجروا تحت نظر الدولة العثمانية في حكم السلطان عبدالحميد الثاني للعمل كمزارعين، لكن لم تكن تلك الأخطاء هي أزمة الجزيرة مع المنتج، والتي دعتها إلى إيقاف" منى حوا" مقدمة المقطع و"عامر السيد عامر" المشرف عليه عن العمل.
ردود الفعل الإسرائيلية على المقطع..
في تغريدة لوزارة خارجية إسرائيل استنكرت فيها ما جاء بالمقطع، واعتبرته أسوأ أنواع الشر، بحسب وصفها، كما جاء بالتغريدة أن بهذه الطريقة تقوم الجزيرة بغسل دماغ الشباب في العالم العربي وتديم كراهية إسرائيل واليهود، وجاءت هذه الهجمة بعد أن نشر معهد الشرق الأوسط للبحوث الإعلامية (ميمري) في واشنطن، تغريدة للمقطع مترجمة بالإنجليزية، كل هذا أثار هلع القناة التي تم تهديدها في 2017 بأن تغلق إسرائيل مكتبها في البلاد، فقامت على الفور بحذف المقطع من جميع منصاتها، وأصدرت بيان تعلن فيه إيقاف مقدمة المقطع والمشرف عليه عن العمل.
وأضافت في بيانها أن المقطع المصور تضمن إساءة واضحة، وأن الشبكة تتبرأ منه تماما، وأعلن الدكتور ياسر بشر المدير التنفيذي للقطاع الرقمي بالجزيرة عن برنامج تدريبي إلزامي، يعزز الوعي بحساسية بعض القضايا لدى منتجي المحتوى الرقمي للشبكة، واعتذرت الشبكة في بيانها عن أن المقطع لم يمر على قنوات المراجعة اللازمة.في حوار معه يقول مصطفى عبدالظاهر، الباحث في تاريخ الشرق الأوسط: كعرب قضية فلسطين والصراع مع الصهيونية عندنا هي قضية مركزية، تلك القضية التي انخرط فيها عقول ودماء آلاف الشباب، لكن هذا لا يعني تجاوز كل الحجج المنطقية التي قيلت من قبل في العداء للصهيونية، فتتجاوز حقائق التاريخ وتخلط الأوراق ببعضها، فتضر بقضيتك التي تدافع عنها أكثر مما تفيدها، فحين تقول أن اليهود كاذبون وأن قتلهم بلا معنى وبالتالي لا شرعية لمشروعهم، إذن لو قتلوا فعلا هل هذا يشرع مشروعهم؟ لا، إذن لا بأس من أن نعترف بالحقيقة التاريخية، وهي أن اليهود تعرضوا للمحرقة، ومع هذا ظلوا قتلة.
الهولوكوست والحداثة..
عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في كتابه الحداثة والهولوكست الصادر عام 1989 يرفض تفسير الهولوكست على أنها بلوغ معاداة اليهود مداها في أوروبا المسيحية، أو بأنها التدفق الطبيعي للتاريخ بسبب معاداة اليهود في ألمانيا بسبب الوحشية النازية، لكنها نافذة على الحداثة، فيقول: "تعود الرهبة الكامنة في ضميرنا والنافذة إلى ذاكرتنا الغربية الجمعية، على نحو يتجاوز مجرد الرغبة القاهرة في ألا نواجه هذه الذاكرة إلى الاعتقاد المؤلم بأن الهولوكوست يمكن أن تكون أكبر من مجرد شذوذ، وأكبر من مجرد انحراف عن الطريق المستقيم للتقدم، وأكبر من مجرد ورم سرطاني في الجسم السليم للمجتمع الغربي المتحضر."
ويرفض باومان في كتابه أن تستغل إسرائيل المحرقة وذكرياتها المأساوية كشهادة تؤكد بها على شرعيتها السياسية، ويعتبرها دفعة مالية تصرف مقدما لتبرير شتى ألوان العذاب والظلم الذي يرتكب ضد الفلسطينيين بوجه خاص والعرب بوجه عام.
قضية مهمة أثيرت في نهايات العام 1894 حين اتهم نقيب في الجيش الفرنسي ، يهودي الديانة، بإرسال معلومات هامة وملفات سرية إلى الجيش الألماني، الأمر الذي قسم المجتمع وقتها إلى جزء يعتقد بخيانة المتهم، وهو الفريق الذي أشيرت إليه أصابع الاتهام بمعاداة السامية، القسم الثاني كان يدافع عن المتهم، أحد هؤلاء الذين تبنوا الدفاع كان الروائي الفرنسي إيميل زولا، والذي كتب مقالا هاما هو "إني أتهم"، والذي وزعت الجريدة التي كُتب بها 300 ألف نسخة في غضون ساعات من صدورها.
"إميل زولا يكتب: إني أتهم، بعد مرور مائة عام ماذا فعل؟ زولا يحتج!".. هكذا تحدث محامي دفاع المفكر الفرنسي روجيه غارودي، حين وقف في ساحة المحكمة متهما بمعاداة السامية، وفقا لقانون غيسو الذي يعاقب على إنكار أي جرائم ضد الإنسانية، وأضاف المحامي في دفاعه، الذي أورده روجيه غارودي في كتابه: هذه وصيتي للقرن ال21، أن أحدا لم يتحدث عن شعب "الأبورجين" المواطنين الأصليين الذين كانوا يسكنون استراليا، والأثيوبيين ضحايا الحرب العالمية الثانية، وضحايا هيروشيما واناجزاكي، والكتيبة اليابانية 137 التي أبادت الصينين، ومائة ألف ماتو في مدغشقر والجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية، من يفكر في هؤلاء الضحايا؟ يذكرون المحرقة ويهملون الآخرين الذين ماتوا في معسكرات النازية.
قريبا من هذا المفهوم عرضت +AJ التابعة لقناة الجزيرة، الجمعة 17 مايو/آيار، مقطعا مصورا على منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي للمدونة منى حوا تتحدث فيه عن محرقة الهلوكوست، لكن بطريقة ما، وبعد السرد التاريخي للواقعة، تتحدث المدونة الشابة، عن أطراف آخرين تعرضوا للاضطهاد من هتلر وأنه، أي هتلر، لم يكن يعادي اليهود ويضطهدهم عرقيًا وحدهم، ثم تستطرد بأن اليهود اتخذوا من المحرقة قصة تراجيدية ساعدتهم في تحسين صورتهم عالميا، وتخلد ذكرى المأساة بمتاحف في دول متعددة، رغم هذا يشهد العالم وحشيتهم مع الشعب الفلسطيني بنفس مبررات النازية التي ينكرونها، فكيف إذن يطلب من الفلسطينيون التعاطف مع الهولوكوست؟
المقطع قلل من شأن المحرقة وكأنها جريمة عابرة أخذت أكبر من حجمها، كما وردت به بعض المغالطات، فعلى سبيل المثال قالت ضمن ما قالت أن اليهود إنما هاجروا إلى فلسطين بسبب اضطهاد هتلر النازي لهم، في حين أن هذه لم تكن الهجرة الأولى لليهود، فالاستطيان الأول لهم كان في العام 1881 هربا من الحكومة القيصرية في روسيا، بحسب ما يورد أحمد زكي الدجاني في كتابه مأساة فلسطين بين الانتداب البريطاني ودولة إسرائيل، وأن هؤلاء اليهود هاجروا تحت نظر الدولة العثمانية في حكم السلطان عبدالحميد الثاني للعمل كمزارعين، لكن لم تكن تلك الأخطاء هي أزمة الجزيرة مع المنتج، والتي دعتها إلى إيقاف" منى حوا" مقدمة المقطع و"عامر السيد عامر" المشرف عليه عن العمل.
ردود الفعل الإسرائيلية على المقطع..
في تغريدة لوزارة خارجية إسرائيل استنكرت فيها ما جاء بالمقطع، واعتبرته أسوأ أنواع الشر، بحسب وصفها، كما جاء بالتغريدة أن بهذه الطريقة تقوم الجزيرة بغسل دماغ الشباب في العالم العربي وتديم كراهية إسرائيل واليهود، وجاءت هذه الهجمة بعد أن نشر معهد الشرق الأوسط للبحوث الإعلامية (ميمري) في واشنطن، تغريدة للمقطع مترجمة بالإنجليزية، كل هذا أثار هلع القناة التي تم تهديدها في 2017 بأن تغلق إسرائيل مكتبها في البلاد، فقامت على الفور بحذف المقطع من جميع منصاتها، وأصدرت بيان تعلن فيه إيقاف مقدمة المقطع والمشرف عليه عن العمل.
وأضافت في بيانها أن المقطع المصور تضمن إساءة واضحة، وأن الشبكة تتبرأ منه تماما، وأعلن الدكتور ياسر بشر المدير التنفيذي للقطاع الرقمي بالجزيرة عن برنامج تدريبي إلزامي، يعزز الوعي بحساسية بعض القضايا لدى منتجي المحتوى الرقمي للشبكة، واعتذرت الشبكة في بيانها عن أن المقطع لم يمر على قنوات المراجعة اللازمة.في حوار معه يقول مصطفى عبدالظاهر، الباحث في تاريخ الشرق الأوسط: كعرب قضية فلسطين والصراع مع الصهيونية عندنا هي قضية مركزية، تلك القضية التي انخرط فيها عقول ودماء آلاف الشباب، لكن هذا لا يعني تجاوز كل الحجج المنطقية التي قيلت من قبل في العداء للصهيونية، فتتجاوز حقائق التاريخ وتخلط الأوراق ببعضها، فتضر بقضيتك التي تدافع عنها أكثر مما تفيدها، فحين تقول أن اليهود كاذبون وأن قتلهم بلا معنى وبالتالي لا شرعية لمشروعهم، إذن لو قتلوا فعلا هل هذا يشرع مشروعهم؟ لا، إذن لا بأس من أن نعترف بالحقيقة التاريخية، وهي أن اليهود تعرضوا للمحرقة، ومع هذا ظلوا قتلة.
الهولوكوست والحداثة..
عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في كتابه الحداثة والهولوكست الصادر عام 1989 يرفض تفسير الهولوكست على أنها بلوغ معاداة اليهود مداها في أوروبا المسيحية، أو بأنها التدفق الطبيعي للتاريخ بسبب معاداة اليهود في ألمانيا بسبب الوحشية النازية، لكنها نافذة على الحداثة، فيقول: "تعود الرهبة الكامنة في ضميرنا والنافذة إلى ذاكرتنا الغربية الجمعية، على نحو يتجاوز مجرد الرغبة القاهرة في ألا نواجه هذه الذاكرة إلى الاعتقاد المؤلم بأن الهولوكوست يمكن أن تكون أكبر من مجرد شذوذ، وأكبر من مجرد انحراف عن الطريق المستقيم للتقدم، وأكبر من مجرد ورم سرطاني في الجسم السليم للمجتمع الغربي المتحضر."
ويرفض باومان في كتابه أن تستغل إسرائيل المحرقة وذكرياتها المأساوية كشهادة تؤكد بها على شرعيتها السياسية، ويعتبرها دفعة مالية تصرف مقدما لتبرير شتى ألوان العذاب والظلم الذي يرتكب ضد الفلسطينيين بوجه خاص والعرب بوجه عام.
Published on June 24, 2019 04:20
No comments have been added yet.


